وسبب ذلك أن صاحب دمشق شمس الملوك إسماعيل بن بورى بن طغتكين كان ظالما سيئ السيرة إلى الغاية القصوى، مع بخل زائد ودناءة نفس، فكرهه أصحابه وأهله ورعيته، ولما استشعر بغض أصحابه له، وخاف منهم راسل الأمير عماد الدين زنكى يحثه على سرعة [٣٣] الوصول إلى دمشق ليسلمها إليه، وأخلى (٣) المدينة من الذخائر والأموال، وحملها إلى صرخد، وتابع الرسل إلى عماد الدين يحثه على الوصول، ويقول: «إن أهملت المجئ سلمت المدينة إلى الفرنج».
وتحقق ذلك أصحابه، فواطأوا أمه على قتله فقتلته وانضاف إلى ذلك سبب (٤) آخر هو مذكور في أخباره، ولما قتلته أمه أقامت في الأمر بعده أخاه شهاب الدين محمود بن بورى، وحلّفت الناس له.
ووصل عماد الدين زنكى إلى دمشق، ونازلها في جمادى الأولى [سنة تسع وعشرين وخمسمائة] (٥)، وكان لما عبر الفرات أرسل رسلا في تقرير
_________________
(١) كذا في الاصل، وهو في ابن الاثير: «قراجا» فقط، ولم أتمكن من ضبط الاسم الثانى.
(٢) هذا يختلف مع تعريف ياقوت للعمادية وآشب، انظر ما فات، ص ٥٥، هامش ٥
(٣) في الأصل: «اخلا».
(٤) ذكر هذا السبب الآخر (ابن الاثير: ج ١١، ص ٨) وخلاصته أن أم شمس الملوك اتهمت باتصالها بأحد القواد فأزمع شمس الملوك قتلها فأسرعت هى بقتله.
(٥) أضيف ما بين الحاصرتين عن ابن الأثير للايضاح.
[ ١ / ٥٧ ]
قواعد التسليم، فرأوا الأمر قد فات فسار إلى دمشق فحصرها، وكان نزوله أولا من شماليها، ثم انتقل إلى ميدان الحصى (١)، وزحف وقاتل، فرأى قوة ظاهرة وشجاعة عظيمة، وكان القائم بأعباء هذه الحروب معين الدين أثر (٢) مملوك طغتكين، فقام في حفظ البلد قياما مشهودا.
وبينما عماد الدين يحاصر البلد إذ ورد عليه أبو بكر بن بشر الجزرى رسولا من الراشد بالله بن المسترشد، ليتوجه إليه وينجده على السلطان مسعود، ويأمره بصلح صاحب دمشق، والرحيل عنها، فصالحهم، وخطبوا بدمشق للملك ألب أرسلان بن السلطان محمود، وكانت الخطبة له في جميع بلاد عماد الدين.