حدّثني به أحمد بن عيسى العجلي العطار قال حدّثني الحسين بن نصر بن مزاحم قال حدّثنا زيد بن المعذل النمري قال حدّثنا يحيى بن سعيد الجزار «١» عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد.
[عن عبد الرحمن بن عبيد الله عن جماعة] «٢» . من الرواة قد ثبت ما رووه في مواضعة وحدّثني أيضا بمقتله ﵇ محمد بن الحسين الأشناني قال حدّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي «٣» قال حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الحراني قال حدّثنا إسماعيل بن راشد ودخل حديثه في حديث من قدّمت ذكره، وحدّثنا ببعضه أحمد بن محمد بن دلّان الخيشي «٤» وأحمد بن الجعد الوشاء ومحمد بن جرير الطبري وجماعة غيرهم قالوا حدّثنا أبو هشام الرفاعي قال حدّثنا أبو أسامة قال حدّثنا أبو حباب قال حدّثنا أبو عون الثقفي عن أبي عبد الرحمن السلمي حديثا ذكر فيه مقتله فأتيت بأشياء منه في مواضعها من سياقة الأحاديث، وأكثر اللفظ في ذلك لأبي مخنف، إلّا ما عسى أن يقع فيه خلاف فأبينه قال:
اجتمع بمكة نفر من الخوارج فتذاكروا أمر المسلمين فعابوهم وعابوا أعمالهم عليهم «٥» / (١٢) وذكروا أهل النهروان وترحموا عليهم وقال بعضهم لبعض «٦» فلو أنا شرينا أنفسنا لله فأتينا أئمة الضلال وطلبنا غرّتهم فأرحنا منهم العباد والبلاد وثأرنا بإخواننا الشهداء بالنهروان، فتعاقدوا على ذلك عند انقضاء
[ ٤٣ ]
الحج، فقال عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله أنا أكفيكم عليا، وقال أحد الآخرين: أنا أكفيكم معاوية، وقال الثالث: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاقدوا وتواثقوا على الوفاء ألا ينكل واحد منهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه ولا عن قتله واتعدوا لشهر رمضان في الليلة التي قتل فيها ابن ملجم عليا ﵇.
قال أبو مخنف قال أبو زهير «١» العبسي: الرجلان الآخران، البرك بن عبد الله التميمي وهو صاحب معاوية، والآخر عمرو بن بكر التميمي وهو صاحب عمرو بن العاص.
فأما صاحب معاوية فإنه قصده «٢» فلما وقعت عينه عليه ضربه فوقعت ضربته في إليته، وأخذ، فجاء الطبيب إليه فنظر إلى الضربة، فقال اسماعيل بن راشد في حديثه: فقال: إن السيف مسموم فاختر إما أن أحمي لك حديدة فأجعلها في الضربة فتبرأ وإما أن أسقيك دواء فتبرأ وينقطع نسلك. قال أما النار فلا أطيقها، وأما النسل ففي يزيد وعبد الله ما يقرّ عيني وحسبي بهما، فسقاه الدواء، فعوفي وعالج جرحه حتى التأم ولم يولد له بعد ذلك.
قال وقال له البرك بن عبد الله إن لك عندي بشارة، قال: وما هي؟
فأخبره بخبر صاحبيه، وقال له: إن عليا يقتل في هذه الليلة فاحبسني عندك فإن قتل فأنت ولي ما تراه في أمري، وإن لم يقتل أعطيتك العهود والمواثيق أن أمضي فأقتله ثم أعود إليك فأضع يدي في يدك حتى تحكم في بما تراه، فحبسه عنده، فلما أتاه أن عليا قد قتل خلى سبيله.
وقال غيره من الرواة بل قتله من وقته.
قال وأما صاحب عمرو بن العاص فإنه وافاه في تلك الليلة وقد وجد علة فأخذ دواء واستخلف رجلا يصلي بالناس يقال له خارجة بن أبي حبيبة أحد بني عامر بن لؤي، فخرج للصلاة وشد عليه عمرو بن بكر فضربه بسيفه فأثبته،
[ ٤٤ ]
وأخذ الرجل فأتى به عمرو العاص فقتله، ودخل من غد إلى خارجة وهو يجود بنفسه فقال له: أما والله أبا عبد الله ما أراد غيرك، قال عمرو: ولكن الله أراد خارجة.
رجع الحديث إلى خبر ابن ملجم لعنه الله. فحدّثني محمد بن الحسين الأشناني وغيره قالوا حدّثنا علي بن المنذر الطريقي «١» قال حدّثنا ابن فضيل قال حدّثنا فطر «٢» / (١٣) عن أبي الطفيل قال:
جمع أمير المؤمنين علي الناس للبيعة فجاء عبد الرحمن بن ملجم فرده مرتين أو ثلاثا ثم بايعه، فقال له علي: ما يحبس أشقاها؟ فو الذي نفسي بيده لتخضبن هذه من هذه، ثم قال:
أشدد حيازيمك للمو ت فإن الموت لاقيك
ولا تجزع من المو ت إذا حل بواديك
قال: وروى غيره أن عليا أعطى الناس فلما بلغ إلى ابن ملجم قال:
أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد «٣»
أخبرنا الحسن بن علي الوشاء في كتابه إليّ قال حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدّثنا فطر عن أبي الطفيل بنحو من هذا الحديث «٤» .
حدّثني أحمد بن عيسى العجلي قال حدّثنا الحسين بن نصر بن مزاحم قال حدّثنا زيد بن المعذل عن يحيى بن شعيب عن أبي مخنف عن أبي زهير العبسي قال: كان ابن ملجم من مراد وعداده في كندة فأقبل حتى قدم الكوفة فلقي بها أصحابه وكتمهم أمره وطوى عنهم ما تعاقد هو وأصحابه عليه بمكة من قتل أمراء
[ ٤٥ ]
المسلمين مخافة أن ينشر منه شيء «١» وأنه زار رجلا من أصحابه ذات يوم من تيم الرباب فصادف عنده قطام بنت الأخضر بن شجنة من تيم الرباب، وكان علي قتل أباها وأخاها بالنهروان، وكانت من أجمل نساء أهل زمانها، فلما رآها ابن ملجم لعنه الله شغف بها واشتد إعجابه، فخبر خبرها فخطبها فقالت له: ما الذي تسمى لي من الصداق فقال لها؟ احتكمي ما بدا لك. فقالت: أنا محتكمة عليك ثلاثة آلاف درهم ووصيفا وخادما وقتل علي بن أبي طالب، فقال لها: لك جميع ما سألت، فأما قتل علي فأنى لي بذلك؟ فقالت: تلتمس غرته فإن أنت قتلته شفيت نفسي وهنأك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا، قال لها: أما والله أقدمني هذا المصر وقد كنت هاربا منه لا آمن مع أهله إلّا ما سألتني من قتل علي، فلك ما سألت، قالت له: فأنا طالبة لك بعض من يساعدك على ذلك ويقويك ثم بعثت إلى وردان بن مجالد من تيم الرباب فخبرته الخبر وسألته معونة ابن ملجم لعنه الله، فتحمل ذلك لها، وخرج ابن ملجم فأتى رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له: يا شبيب، هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما هو قال تساعدني على قتل علي بن أبي طالب، وكان شبيب على رأي الخوارج، فقال له: يا بن ملجم هبلتك الهبول. لقد جئت شيئا إدّا، وكيف نقدر على ذلك؟ قال له ابن ملجم:
نكمن له في المسجد الأعظم فإذا خرج لصلاة الفجر فتكنا به فقتلناه، فإذا نحن قتلناه شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، فلم يزل به حتى أجابه، فأقبل معه حتى دخل على قطام وهي معتكفة في المسجد الأعظم قد ضربت عليها قبة، فقالا لها: قد اجتمع رأينا على قتل هذا الرجل/ (١٤) .
قالت لهما: فإذا أردتما ذلك فألقياني في هذا الموضع. فانصرفا من عندها فلبثا أياما. ثم أتياها ليلة الجمعة لتسع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربعين. هكذا في حديث أبي مخنف، وفي حديث أبي عبد الرحمن السلمي أنها كانت ليلة سبع عشرة خلت من شهر رمضان، وهو أصح. فقال لها ابن
[ ٤٦ ]
ملجم: هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبيّ وواعداني أن يقتل كل واحد منا صاحبه الذي يتوجه إليه. فدعت لهم بحرير فعصبت به صدورهم، وتقلّدوا سيفهم، ومضوا فجلسوا مما يلي السدة التي كان يخرج منها أمير المؤمنين إلى الصلاة.
حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا الحسين بن نصر، قال: حدّثنا زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، عن الأسود والأجلح أن ابن ملجم أتى إلى الأشعث بن قيس- لعنهما الله- في الليلة التي أراد فيها بعليّ ما أراد، والأشعث في بعض نواحي المسجد. فسمع حجر بن عدي الأشعث يقول لابن ملجم- لعنه الله- النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح فقال له حجر: قتلته يا أعور. وخرج مبادرا إلى علي وأسرج دابته وسبقه ابن ملجم- لعنه الله- فضرب عليا. وأقبل حجر والناس يقولون: قتل أمير المؤمنين.
قال أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني:
وللأشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤمنين﵇- أخبار يطول شرحها منها ما حدّثنيه محمد بن الحسين الأشناني قال: حدّثنا إسماعيل بن موسى بن بنت السدي «١» قال: حدّثنا علي بن مسهر، عن الأجلح عن موسى بن أبي النعمان قال:
جاء الأشعث إلى علي يستأذن عليه فردّه قنبر، فأدمى الأشعث أنفه.
فخرج علي وهو يقول: ما لي ولك يا أشعث، أما والله لو بعبد ثقيف تمرست لا قشعرت شعيراتك، قيل: يا أمير المؤمنين ومن غلام ثقيف؟ قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلّا أدخلهم ذلا. قيل: يا أمير المؤمنين:
كم يلي؟ وكم يمكث؟ قال: عشرين إن بلغها.
حدّثني محمد بن الحسين الأشناني. قال: حدّثني إسماعيل بن موسى.
قال: حدّثني رجل، عن سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد قال: حدّثتني
[ ٤٧ ]
امرأة منّا قالت:
رأيت الأشعث بن قيس دخل على علي﵇- فأغلظ له علي، فعرض له الأشعث بأن يفتك به. فقال له علي ﵇: أبا لموت تهددني، فو الله ما أبالي وقعت على الموت، أو وقع الموت عليّ.
حدّثني أبو عبيد محمد بن أحمد بن المؤمل الصيرفي بهذين الحديثين، عن فضل المصري عن إسماعيل [ابن بنت السدي] .
رجع الحديث إلى مقتل أمير المؤمنين.
قال أبو مخنف: فحدّثني أبي عن عبد الله بن محمد الأزدي، قال «١»:
إني لأصلي تلك الليلة في المسجد الأعظم مع رجال من أهل المصر كانوا يصلون في ذلك الشهر من أول الليل إلى آخره إذ نظرت إلى رجال يصلون قريبا من السدة قياما وقعودا، وركوعا وسجودا، ما يسأمون، إذ خرج على صلاة الفجر، فأقبل ينادي: الصلاة الصلاة، فما أدري أنادى أم رأيت بريق السيف؟ وسمعت قائلا يقول: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، ثم رأيت بريق سيف آخر ثانيا وسمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل.
وقال إسماعيل بن راشد في حديثه، ووافقه في معناه حديث أبي عبد الرحمن السلمي أن شبيب بن بجرة ضربه فأخطأه «٢» ووقعت ضربته في الطاق، وضربه ابن ملجم- لعنه الله- فأثبت الضربة في وسط رأسه.
وقال عبد الله بن محمد الأزدي في حديثه: وشد الناس عليه من كل ناحية حتى أخذوه.
قال أبو مخنف: فذكرت همدان أن رجلا منهم يكنى أبا أدماء من مرهبة أخذه، وقال يزيد بن أبي زياد: أخذه المغيرة بن الحرث بن عبد المطلب طرح عليه قطيفة ثم صرعه. وأخذ السيف من يده وجاء به.
[ ٤٨ ]
وأما شبيب بن بجرة فإنه خرج هاربا، فأخذه رجل فصرعه وجلس على صدره وأخذ السيف من يده ليقتله، فرأى الناس يقصدون نحوه، فخشي أن يعجلوا عليه ولا يسمعوا منه، فوثب عن صدره وخلاه، وطرح السيف من يده. ومضى الرجل هاربا حتى دخل منزله. ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره، فقال له: ما هذا؟ لعلّك قتلت أمير المؤمنين، فأراد أن يقول: لا، فقال: نعم. فمضى ابن عمّه فاشتمل على سيفه ثم دخل عليه فضربه حتى قتله.
قال أبو مخنف: فحدّثني أبي، عن عبد الله بن محمد الأزدي، قال:
ادخل ابن ملجم لعنه الله على عليّ، ودخلت عليه فيمن دخل، فسمعت عليا يقول: النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت رأيت فيه رأيي «١»، فقال ابن ملجم- لعنه الله- والله لقد ابتعته بألف، وسممته بألف، فإن خانني فأبعده الله. قال: ونادته أم كلثوم: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين.
قال: إنما قتلت أباك. قالت يا عدو الله. إني لأرجو أن ألا يكون عليه بأس.
قال لها: فأراك إنما تبكين عليا. إذا والله لقد ضربته ضربة لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم «٢» .
قال وأخرج ابن ملجم- لعنه الله- وهو يقول: قال إسماعيل بن راشد في حديثه والشعر لابن أبي مياس الفزاري «٣»:
ونحن ضربنا يا بنة الخير إذ طغى أبا حسن مأمومة فتقطرا «٤»
هذا البيت لأبي مخنف وحده، وزاد إسماعيل هذين البيتين:
[ ٤٩ ]
ونحن خلعنا ملكه عن نظامه بضربة سيف إذ علا وتجبرا
ونحن كرام في الصباح أعزة إذا المرء بالموت ارتدى وتأزرا «١»
قال أبو مخنف. فحدّثني بعض أصحابنا، عن صالح بن ميثم، عن أخيه عمران قال:
لقد رأيت الناس حين انصرفوا من صلاة الصبح أتوا بابن ملجم لعنه الله ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع وهم يقولون له: يا عدو الله، ماذا فعلت؟
أهلكت أمة محمد (ص)، وقتلت خير الناس. وإنه لصامت ما ينطق.
قال أبو مخنف: وحدّثني معروف بن خربوذ «٢» عن أبي الطفيل أن صعصعة بن صوحان استأذن على أمير المؤمنين علي وقد أتاه عائدا، فلم يكن له عليه إذن، فقال صعصعة للآذن: قل له يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيا وميتا، فو الله لقد كان الله في صدرك عظيما، ولقد كنت بذات الله عليما، فأبلغه الآذن مقالة صعصعة، فقال له علي: قل له وأنت يرحمك الله، فلقد كنت خفيف المؤونة، كثير المعونة «٣» .
قال: وقال رجل يذكر أمر قطام وابن ملجم لعنهما الله وقال محمد بن [الحسين الأشناني] «٤» في حديثه عن المسروقي وهو ابن أبي مياس [الفزاري]:
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة كمهر قطام من فصيح وأعجم «٥»
ثلاثة آلاف وعبد وقينة وضرب علي بالحسام المصمم
ولا مهر أغلى من علي وإن علا ولا فتك إلّا دون فتك ابن ملجم
وأنشدنا حبيب بن نصر المهلبيّ، قال: أنشدنا الرياشي أحسبه عن أبي
[ ٥٠ ]
عبيدة «١» لعمران بن حطان- لعنه الله- يمدح ابن ملجم لعنه الله وغضب عليهما بقتل أمير المؤمنين ﵇:
يا ضربة من كمي ما أراد بها إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
أني لأفكر فيه ثم أحسبه أو في البرية عند الله ميزانا»
كذب. لعنهما الله وعذبهما.
حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثني الحسن بن نصر «٣»، قال: حدّثنا زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، قال: حدّثني عطية بن الحرث، عن عمر بن تميم وعمرو بن أبي بكار أن عليا لما ضرب جمع له أطباء الكوفة فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هانئ السكوني، وكان متطبّبا صاحب كرسي يعالج الجراحات، وكان من الأربعين غلاما الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم، وإن أثيرا لما نظر إلى جرح أمير المؤمنين﵇- دعا برئة شاة حارة واستخرج عرقا منها، فأدخله في الجرح ثم استخرجه فإذا عليه بياض الدماغ فقال له: يا أمير المؤمنين إعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك. فدعا علي عند ذلك بصحيفة ودواة وكتب وصيته «٤» .
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. أوصى بأنه يشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلوات الله وبركاته عليه.
إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين «٥» .
[ ٥١ ]
أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغه كتابي هذا بتقوى الله ربنا ولا تموتن وإلّا أنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فإني سمعت رسول الله يقول: إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، وإن المبيدة الحالقة للدين فساد ذات البين. ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب. الله الله في الأيتام فلا تغيّرن أفواههم بجفوتكم «١»، والله الله في جيرانكم فإنها وصية رسول الله (ص) ما زال يوصينا بهم حتى ظننا أنه سيورثهم.
والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عماد دينكم.
والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا وإنه إن خلا منكم لم تنظروا.
والله الله في صيام شهر رمضان فإنه جنة من النار، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم.
والله الله في زكاة أموالكم فإنها تطفئ غضب ربكم.
والله الله في أمة نبيكم فلا يظلمن بين أظهركم. والله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله ﵌ أوصى بهم.
والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم [فإنها «٢» كانت آخر وصية رسول الله (ص) إذ قال: أوصيكم بالضعيفين فيما ملكت أيمانكم] «٣» .
ثم قال: الصلاة الصلاة. لا تخافوا في الله لومة لائم فإنه يكفكم من بغى
[ ٥٢ ]
عليكم وأرادكم بسوء قولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولّي الأمر عنكم وتدعون فلا يستجاب لكم.
عليكم بالتواضع والتباذل والتبار، وإيّاكم والتقاطع والتفرق والتدابر:
وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب «١» حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيه، استودعكم الله خير مستودع وأقرأ عليكم سلام الله ورحمته.
حدّثني أحمد بن محمد بن دلان، وأحمد بن الجعد، ومحمد بن جرير الطبري «٢»، قالوا: حدّثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدّثنا أبو أسامة، قال:
حدّثني أبو جناب، قال: حدّثني أبو عون الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن الحسن بن علي قال:
خرجت أنا وأبي نصلي في هذا المسجد، فقال لي: يا بني، إني بت الليلة أوقظ أهلي لأنها ليلة الجمعة صبيحة «٣» يوم بدر لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان فملكتني عيناي، فسنح لي رسول الله (ص)، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ فقال لي: ادع عليهم. فقلت: «اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر لهم مني»، وجاء ابن النباح «٤» . فآذنه بالصلاة فخرج وخرجت خلفه فاعتوره الرجلان فأما أحد فوقعت ضربته في الطاق، وأما الآخر فأثبتها في رأسه «٥» .
[قال أبو الفرج الأود العوج، واللد الخصومات] «٦»:
حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن «٧» بن نصر، قال: حدّثنا
[ ٥٣ ]
زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، عن فضيل بن خديج، عن الأسود والكندي والأجلخ «١» قالا:
توفي أمير المؤمنين علي﵇- وهو ابن أربع وستين سنة، سنة أربعين في ليلة الأحد لإحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان، وولي غسله ابنه الحسن بن علي وعبد الله بن العباس، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص. وصلّى عليه ابنه الحسن وكبّر عليه خمس تكبيرات، ودفن في الرحبة مما يلي أبواب كندة عند صلاة الصبح.
ودعا الحسن بعد دفنه بابن ملجم- لعنه الله- فأتى به «٢» فأمر بضرب عنقه، فقال له: إن رأيت أن تأخذ على العهود أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك بعد أن أمضي إلى الشام فأنظر ما صنع صاحبي بمعاوية فإن كان قتله وإلّا قتلته ثم أعود إليك. تحكم في بحكمك، فقال له الحسن: هيهات. والله لا تشرب الماء البارد أو تلحق روحك بالنار، ثم ضرب عنقه فاستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته منه فوهبها لها فأحرقتها بالنار.
حدّثني أحمد بن سعيد، قال حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال:
حدّثنا يعقوب بن زيد «٣»، قال: حدّثني ابن أبي عمير، عن الحسن بن علي الخلال، عن جده، قال:
قلت للحسن بن علي: أين دفنتم أمير المؤمنين؟ قال: خرجنا به ليلا من منزله حتى مررنا به على مسجد الأشعث، حتى خرجنا به إلى الظهر بجنب الغرى.
حدّثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا إسماعيل بن راشد بإسناده، قال:
[ ٥٤ ]
لما أتى عائشة نعى علي أمير المؤمنين﵇- تمثّلت:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى كما قرّ عينا بالأياب المسافر «١»
ثم قالت: من قتله؟ فقيل: رجل من مراد، فقالت:
فإن يك نائبا فلقد بغاه غلام ليس في فيه التراب
فقالت لها زينب بنت أم سلمة: ألعلي تقولين هذا؟ فقالت: إذا نسيت فذكروني، قال: ثم تمثلت:
ما زال إهداء القصائد بيننا باسم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركت كأن قولك فيهم في كل مجتمع طنين ذباب «٢»
قال: وكان الذي جاءها بنعيه سفيان بن أبي أمية بن عبد شمس بن أبي وقاص هذا أو نحوه. حدّثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا أحمد بن حازم، قال: حدّثنا عاصم بن عامر، وعثمان بن أبي شيبة، قالا: حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو «٣» بن مرة، عن أبي البختري، قال: لما أن جاء عائشة قتل علي ﵇ سجدت. قال أبو مخنف:
وقالت أم الهيثم بنت الأسود النخعية ترثي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب﵇- «٤»:
ألا يا عين ويحك فاسعدينا ألا تبكي أمير المؤمنينا
رزئنا خير من ركب المطايا وخيّسها ومن ركب السفينا «٥»
ومن لبس النعال ومن حذاها ومن قرأ المثاني والمئينا «٦»
وكنا قبل مقتله بخير نرى مولى رسول الله فينا
[ ٥٥ ]
يقيم الدين لا يرتاب فيه ويقضي بالفرائض مستبينا
ويدعو للجماعة من عصاه وينهك «١» قطع أيدي السارقينا
وليس بكاتم علما لديه ولم يخلق من المتجبرينا
لعمر أبي لقد أصحاب مصر على طول الصحابة أوجعونا
وغرونا بأنهم عكوف وليس كذاك فعل العاكفينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا بخير الناس طرا أجمعينا
ومن بعد النبي فخير نفس أبو حسن وخير الصالحينا
كأن الناس إذ فقدوا عليا نعام جال في بلد سنينا
ولو أنا سئلنا المال فيه بذلنا المال فيه والبنينا
أشاب ذؤابتي وأطال حزني أمامة حين فارقت القرينا
تطوف بها لحاجتها إليه فلما استيأست رفعت رنينا
وعبرة أم كلثوم إليها تجاوبها وقد رأت اليقينا
فلا تشمت معاوية بن صخر فإن بقية الخلفاء فينا
وأجمعنا الإمارة عن تراض إلى ابن نبينا وإلى أخينا
ولا نعطي زمام الأمر فينا سواه الدهر آخر ما بقينا
وإن سراتنا وذوي حجانا تواصو أن نجيب إذا دعينا
بكل مهنّد عضب وجرد عليهن الكماة مسوّمينا «٢»
أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال: أنشدني محمد بن سعد الكناني «٣» لبعض بني عبد المطلب يرثي أمير المؤمنين ﵇، ولم يعرف اسمه:
يا قبر سيدنا المجن له صلّى الإله عليك يا قبر «٤»
[ ٥٦ ]
ما ضر قبرا أنت ساكنه أن لا يحل بأرضه القطر «١»
فليندين سماح كفك في الثرى وليورقن بجنبك الصخر «٢»
والله لو بك لم أجد «٣» أحدا إلّا قتلت، لفاتني الوتر