حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه، قال: وحدثني أيضا أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، وهاشم بن أحمد
[ ٣٨٩ ]
البغوي وغيرهم. وحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إليّ محمد بن حماد يذكر أن محمد بن إسحاق البغوي حدثه عن أبيه وغيره من مشايخه، وحدثني علي بن إبراهيم، قال: كتب إليّ إبراهيم بن بنان الخثعمي يذكر عن محمد بن أبي الخنساء.
وقد جمعت روايتهم في خبر يحيى إلّا ما عسى أن يكون من خلاف بينهم فأفرده وأذكر رواته.
قالوا:
إن يحيى بن عبد الله بن الحسن لما قتل أصحاب فخ كان في قبلهم، فاستتر مدة «١» يجول في البلدان، ويطلب موضعا يلجأ إليه، وعلم الفضل بن يحيى بمكانه في بعض النواحي فأمره بالانتقال عنه وقصد الديلم، وكتب له منشورا لا يتعرض له أحد.
فمضى متنكرا حتى ورد الدّيلم، وبلغ الرشيد خبره وهو في بعض الطريق، فولى الفضل بن يحيى نواحي المشرق، وأمره بالخروج إلى يحيى.
فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إليّ موسى بن محمد بن حماد «٢» يخبرني أن محمد بن يوسف حدثه عن عبد الله بن خوات «٣»، عن جعفر بن يحيى الأحول عن إدريس بن زيد، قال:
عرض رجل للرشيد فقال: يا أمير المؤمنين نصيحة.
فقال لهرثمة: اسمع ما يقول.
قال: إنها من أسرار الخلافة. فأمره ألا يبرح، فلما كان في وقت الظهيرة دعا به فقال: اخلني، فالتفت الرشيد إلى ابنيه فقال: انصرفا فانصرفا، وبقي خاقان، والحسن على رأسه فنظر الرجل إليهما، فقال الرشيد: تنحيا عني، ففعلا، ثم أقبل على الرجل فقال: هات ما عندك.
[ ٣٩٠ ]
قال: على أن تؤمنني «١» من الأسود والأحمر.
قال: نعم، وأحسن إليك.
قال: كنت في خان من خانات حلوان، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في درّاعة صوف غليظة وكساء صوف أحمر غليظ، ومعه جماعة ينزلون إذا نزل ويرتحلون إذا رحل ويكونون معه ناحية، فيوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه وهم أعوانه، مع كل واحد منهم منشور بياض يؤمن به إن عرض له.
قال: أو تعرف يحيى؟
قال: قديما وذاك الذي حقق معرفتي بالأمس له.
قال: فصفه لي.
قال: مربوع، أسمر، حلو السمرة، أجلح، حسن العينين، عظيم البطن.
قال: هو ذاك. فما سمعته يقول؟ قال ما سمعته يقول شيئا، غير أني رأيته ورأيت غلاما له أعرفه، لما حضر وقت صلاته فأتاه بثوب غسيل فألقاه في عنقه ونزع جبته الصوف ليغسلها، فلما كان بعد الزوال صلّى صلاة ظننتها العصر، أطال في الأولتين وحذف الأخيرتين.
فقال له الرشيد: لله أبوك، لجاد ما حفظت، تلك صلاة العصر وذلك وقتها عند القوم، أحسن الله جزاءك، وشكر سعيك فما أنت؟ وما أصلك؟.
فقال: أنا رجل من أبناء «٢» هذه الدولة، وأصلي مرو، ومنزلي بمدينة السلام.
فأطرق مليا ثم قال: كيف احتمالك لمكروه مني تمتحن به في طاعتي؟
قال: أبلغ في ذلك حيث أحبّ أمير المؤمنين.
قال: كن بمكانك حتى أرجع، فقام فطعن في حجرة كانت خلفه، فأخرج صرة فيها ألف دينار، فقال: خذ هذه ودعني وما أدبّر فيك، فأخذها الرجل وضم عليها ثوبه، ثم قال: يا غلام، فأجابه مسرور، وخاقان، والحسين فقال: اصفعوا ابن
[ ٣٩١ ]
اللخناء. فصفعوه نحو مائة صفعة، فخفى الرجل بذلك، ولم يعلم أحد بما كان ألقى إليه الرجل، وظنوا أنه ينصح بغير ما يحتاج إليه، لما جرى عليه من المكروه، حتى كان من الرشيد ما كان في أمر البرامكة فأظهر ذلك.
رجع الحديث إلى سياقة خبر يحيى.
قالوا: فلما علم الفضل بمكان يحيى بن عبد الله كتب إلى يحيى:
إني أحبّ أن أحدث بك عهدا، وأخشى أن تبتلى بي وأبتلى بك، فكاتب صاحب الديلم، فإني قد كاتبته لك لتدخل في بلاده فتمتنع به.
ففعل ذلك يحيى.
وكان قد صحبه جماعة من أهل الكوفة، فيهم ابن الحسن بن صالح بن حي، كان يذهب مذهب الزيدية البتريّة «١» في تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان في ست سنين من إمارته ويكفره في باقي عمره، ويشرب النبيذ ويمسح على الخفين، وكان يخالف يحيى في أمره ويفسد أصحابه.
قال يحيى بن عبد الله:
فأذّن المؤذن يوما وتشاغلت بطهوري، وأقيمت الصلاة فلم ينتظرني وصلّى بأصحابي، فخرجت فلما رأيته يصلى قمت أصلي ناحية ولم أصل معه لعلمي أنه يمسح على الخفين، فلما صلّى قال لأصحابه: علام نقتل أنفسنا مع رجل لا يرى الصلاة معنا، ونحن عنده في حال من لا يرضى مذهبه؟.
قال: وأهديت إليّ شهدة في يوم من الأيام وعندي قوم من أصحابي، فدعوتهم إلى أكلها، فدخل في أثر ذلك فقال: هذه الأثرة، أتأكله أنت وبعض أصحابك دون بعض؟.
فقلت له: هذه هدية أهديت إليّ، وليست من الفيء الذي لا يجوز هذا فيه.
فقال لا: ولكنك لو وليت هذا الأمر لاستأثرت ولم تعدل.
وأفعال مثل هذا من الاعتراض.
وولى الرشيد الفضل بن يحيى جميع كور المشرق وخراسان، وأمره بقصد يحيى والخديعة به، وبذل له الأموال «٢» والصلة إن قبل ذلك، فمضى الفضل فيمن
[ ٣٩٢ ]
ندب معه، وراسل يحيى بن عبد الله فأجابه إلى قبوله، لما رأى من تفرق أصحابه، وسوء رأيهم فيه، وكثرة خلافهم عليه، إلّا أنه لم يرض الشرائط التي شرطت له، ولا الشهود الذين شهدوا [عليه، وكتب لنفسه شروطا، وسمى شهودا] «١»، وبعث بالكتاب إلى الفضل، فبعث به إلى الرشيد فكتب له على ما أراد، وأشهد له من التمس.
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، وأبو عبيد الصيرفي، قالا: حدثنا محمد بن علي بن خلف، قال: حدثني بعض الحسنيين، عن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن، قال:
قال عبد الله بن موسى: أتيت عمي يحيى بن عبد الله بعد انصرافه من الديلم وبعد الأمان فقلت: يا عم، ما بعدي مخبر ولا بعدك مخبر، فأخبرني بما لقيت فقال: ما كنت إلّا كما قال حيي بن أخطب اليهودي:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ولكن من لا ينصر الله يخذل
فجاهد حتى أبلغ النفس عذرها وقلقل يبغي العزّ كلّ مقلقل «٢»
رجع الحديث إلى سياقة خبر يحيى بن عبد الله.
قالوا: فلما جاء الفضل إلى بلاد الديلم قال يحيى بن عبد الله:
اللهم اشكر لي إخافتي قلوب الظالمين، اللهم إن تقض لنا النصر عليهم فإنما نريد إعزاز دينك، وإن تقض لهم النصر فبما تختار لأوليائك وأبناء أوليائك من كريم المآب وسنيّ الثواب.
فبلغ ذلك الفضل فقال: يدعو الله أن يرزقه السلامة، فقد رزقها.
قالوا: فلما ورد كتاب الرشيد على الفضل وقد كتب الأمان على ما رسم يحيى وأشهد الشهود الذين التمسهم، وجعل الأمان على نسختين إحداهما مع يحيى والأخرى معه، شخص يحيى مع الفضل حتى وافى بغداد ودخلها معادله في عمارية
[ ٣٩٣ ]
على بغل، فقال مروان بن أبي حفصة «١»:
وقالوا الطالقان يجن كنزا سيأتينا به الدهر المديل
فأقبل مكذبا لهم بيحيى وكنز الطالقان له زميل «٢»
فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، عن محمد بن موسى «٣» بن حماد، قال:
حدثني محمد بن إسحاق البغوي، قال: حدثني أبي، قال:
كنا مع يحيى بن عبد الله بن الحسن فسأله رجل كان معنا كيف تخيرت الدخول إلى الديلم من بين النواحي؟.
قال: إن للديلم معنا خرجة فطمعت أن تكون معي.
رجع الحديث إلى سياقة الخبر.
قالوا «٤»: فلما قدم يحيى أجازه الرشيد بجوائز سنية يقال إن مبلغها مائتا ألف دينار، وغير ذلك من الخلع والحملان، فأقام على ذلك مدة وفي نفسه الحيلة على يحيى والتفرغ له، وطلب العلل عليه وعلى أصحابه، حتى أخذ رجلا يقال له: فضالة بلغه أنه يدعو إلى يحيى فحبسه، ثم دعا به فأمره أن يكتب إلى يحيى بأنه قد أجابه جماعة من القواد وأصحاب الرشيد ففعل ذلك، وجاء الرسول إلى يحيى فقبض عليه وجاء به إلى يحيى بن خالد فقال له: هذا جاءني بكتاب لا أعرفه، ودفع الكتاب إليه.
فطابت نفس الرشيد بذلك، وحبس فضالة هذا، فقيل له: إنك تظلمه في حبسك إيّاه.
فقال: أنا أعلم ذلك، ولكن لا يخرج وأنا حي أبدا.
قال فضالة: فلا والله ما ظلمني لقد كنت عهدت إلى يحيى إن جاءه مني كتاب ألا يقبله وأن يدفع الرسول إلى السلطان، وعلمت أنه سيحتال عليه بي.
قالوا: فلما تبين يحيى بن عبد الله ما يراد به استأذن في الحج فأذن له.
[ ٣٩٤ ]
وقال علي بن إبراهيم في حديثه: لم يستأذن في الحج، ولكنه قال للفضل ذات يوم: اتّق الله في دمي، واحذر أن يكون محمد (ص) خصمك غدا في فرقّ له وأطلقه.
وكان على الفضل عين للرشيد قد ذكر ذلك له، فدعا بالفضل وقال: ما خبر يحيى بن عبد الله؟.
قال: في موضعه عندي مقيم.
قال: وحياتي! قال: وحياتك إني أطلقته، سألني برحمه من رسول الله فرققت له.
قال: أحسنت، قد كان عزمي أن أخلي سبيله.
فلما خرج أتبعه طرفه وقال: قتلني الله إن لم أقتلك.
قالوا: ثم إن نفرا من أهل الحجاز تحالفوا على السعاية بيحيى بن عبد الله بن الحسن والشهادة عليه بأنه يدعو إلى نفسه، وأن أمانه منتقض، فوافق ذلك ما كان في نفس الرشيد له، وهم: عبد الله بن مصعب الزبيري «١»، وأبو البختري وهب بن وهب «٢»، ورجل من بني زهرة، ورجل من بني مخزوم. فوافوا الرشيد لذلك واحتالوا إلى أن أمكنهم ذكرهم له، فأشخصه الرشيد إليه وحبسه عند مسرور الكبير «٣» في سرداب، فكان في أكثر الأيام يدعو به فيناظره، إلى أن مات في حبسه رضوان الله عليه.
واختلف الناس في أمره، وكيف كانت وفاته، وسأذكر ذلك في موضعه.
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، عن أبيه، وعن غيره:
أن الرشيد دعا بيحيى يوما فجعل يذكر ما رفع إليه في أمره، وهو يخرج كتبا
[ ٣٩٥ ]
كانت في يده حججا له، فيقرؤها الرشيد وأطراف الكتب في يد يحيى، فتمثل بعض من حضر «١»:
أنّى أتيح له حرباء تنصبة لا يرسل الساق إلّا مرسلا ساقا «٢»
فغضب الرشيد من ذلك وقال للمتمثل: أتؤيده وتنصره؟
قال: لا، ولكني شبهته في مناظرته واحتجاجه بقول هذا الشاعر.
ثم أقبل عليه فقال: دعني من هذا، يا يحيى أينا أحسن وجها أنا أو أنت؟
قال: بل أنت يا أمير المؤمنين، إنك لأنصع لونا وأحسن وجها.
قال: فأينا أكرم وأسخى، أنا أو أنت؟.
فقال: وما هذا يا أمير المؤمنين، وما تسألني عنه، أنت تجبي إليك خزائن الأرض وكنوزها، وأنا أتمحل معاشي من سنة إلى سنة.
قال: فأينا أقرب إلى رسول الله (ص)، أنا أو أنت؟.
قال: قد أجبتك عن خطتين، فاعفني من هذه! قال: لا والله. قال: بل فاعفني، فحلف بالطلاق والعتاق ألّا يعفيه.
فقال: يا أمير المؤمنين لو عاش رسول الله (ص) وخطب إليك ابنتك أكنت تزوجه؟.
قال: إي والله! قال: فلو عاش فخطب إليّ أكان يحل لي أن أزوجه؟.
قال: لا قال: فهذا جواب ما سألت.
فغضب الرشيد وقام من مجلسه، وخرج الفضل بن ربيع وهو يقول:
لوددت أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملكه.
قالوا: ثم ردّه إلى محبسه في يومه ذلك.
ثم دعا «٣» به وجمع بينه وبين عبد الله بن مصعب الزبيري ليناظره فيما رفع إليه،
[ ٣٩٦ ]
فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد وقال له: نعم يا أمير المؤمنين إن هذا دعاني إلى بيعته.
قال له يحيى: يا أمير المؤمنين، أتصدّق هذا وتستنصحه؟ وهو ابن عبد الله بن الزبير الذي أدخل أباك وولده الشعب وأضرم عليهم النار حتى تخلّصه أبو عبد الله الجدلي صاحب علي بن أبي طالب منه [عنوة] «١» .
وهو الذي بقي أربعين جمعة لا يصلي على النبي (ص) في خطبته حتى التاث عليه الناس، فقال: إن له أهل بيت سوء إذا [صليت عليه أو] ذكرته [أتلعوا أعناقهم «٢» واشرأبوا لذكره] وفرحوا بذلك فلا أحب أن أقر عينهم بذكره.
وهو الذي فعل بعبد الله بن العباس ما لا خفاء به عليك «٣» حتى لقد ذبحت يوما عنده بقرة فوجدت كبدها قد نقبت فقال ابنه علي بن عبد الله: يا أبة أما ترى كبد هذه البقرة؟.
فقال: يا بني، هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلما حضرته الوفاة قال لعلي ابنه: يا بني، ألحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، [ولا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة] «٤» . فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير.
وو الله إن عداوة هذا [يا أمير المؤمنين] لنا جميعا بمنزلة سواء، ولكنه قوى عليّ بك، وضعفت عنك، فتقرّب بي إليك، ليظفر منك بما يريد، إذ لم يقدر على مثله، منك، وما ينبغي لك أن تسوّغه ذلك في، فإن معاوية بن أبي سفيان، وهو أبعد نسبا منك إلينا، ذكر يوما الحسن بن علي فسفهه «٥» فساعده عبد الله بن الزبير على ذلك، فزجره معاوية [وانتهره] فقال: إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين! فقال: إن الحسن لحمي آكله. ولا أوكله.
[ ٣٩٧ ]
فقال عبد الله بن مصعب: إن عبد الله بن الزبير طلب أمرا فأدركه، وإنّ الحسن باع الخلافة من معاوية بالدراهم، أتقول هذا في عبد الله بن الزبير وهو ابن صفية بنت عبد المطلب «١»؟.
فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، ما أنصفنا أن يفخر علينا بامرأة من نسائنا وامرأة منا، فهلا فخر بهذا على قومه من النّوبيات والأساميات والحمديات! فقال عبد الله بن مصعب: ما تدعون بغيكم علينا وتوثبكم في سلطاننا؟.
فرفع يحيى رأسه إليه، ولم يكن يكلّمه قبل ذلك، وإنما كان يخاطب الرشيد بجوابه لكلام عبد الله، فقال له: أتوثبنا في سلطانكم؟ ومن أنتم- أصلحك الله- عرفني فلست أعرفكم؟.
فرفع الرشيد رأسه إلى السقف يجيله فيه ليستر ما عراه من الضحك ثم غلب عليه الضحك ساعة، وخجل ابن مصعب.
ثم التفت يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، ومع هذا فهو الخارج مع أخي على أبيك «٢» والقائل له «٣»:
إن الحمامة يوم الشعب من دثن «٤» هاجت فؤاد محب دائم الحزن
إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا بعد التدابر والبغضاء والأحن
حتى يثاب على الإحسان محسننا «٥» ويأمن الخائف المأخوذ بالدّمن
وتنقضي دولة أحكام قادتها فينا كأحكام قوم عابدي وثن
فطالما قد بروا بالجور أعظمنا «٦» بري الصناع قداح النّبع بالسّفن
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا إن الخلافة فيكم يا بني الحسن «٧»
[ ٣٩٨ ]
لا عزّ ركنا نزار عند سطوتها إن أسلمتك ولا ركنا ذوي يمن «١»
ألست أكرمهم عودا إذا انتسبوا يوما وأطهرهم ثوبا من الدّرن
وأعظم الناس عند الناس منزلة وأبعد الناس من عيب ومن وهن «٢»
قال: فتغير وجه الرشيد عند استماع هذا الشعر، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلّا هو، وبأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له وأنه لسديف «٣» .
فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره، وما حلفت كاذبا ولا صادقا بالله قبل هذا، وإن الله إذا مجّده العبد في يمينه بقوله: الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، استحيى أن يعاقبه، فدعني أحلّفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبا إلّا عوجل. قال: حلّفه.
قال: قل: برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلّدت الحول والقوة من دون الله، استكبارا على الله، واستغناء عنه، واستعلاء عليه، إن كنت قلت هذا الشعر.
فامتنع عبد الله من الحلف بذلك، فغضب الرشيد وقال للفضل بن الربيع «٤»: يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقا؟ هذا طيلساني عليّ، وهذه ثيابي لو حلّفني أنها لي لحلفت. فرفس الفضل بن الربيع عبد الله بن مصعب برجله وصاح به:
احلف ويحك- وكان له فيه هوى- فحلف باليمين ووجهه متغير وهو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه ثم قال: يابن مصعب قطعت والله عمرك، والله لا تفلح بعدها «٥» .
فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع ومات في اليوم الثالث «٦» .
[ ٣٩٩ ]
فحضر الفضل بن الربيع جنازته، ومشى معها ومشى الناس معه، فلما جاءوا به إلى القبر ووضعوه في لحده وجعل اللّبن فوقه، انخسف القبر فهوى به حتى غاب عن أعين الناس، فلم يروا قرار القبر وخرجت منه غبرة عظيمة، فصاح الفضل:
التراب التراب، فجعل يطرح التراب وهو يهوي، ودعا بأحمال الشوك فطرحها فهوت، فأمر حينئذ بالقبر فسقف بخشب وأصلحه وانصرف منكسرا. فكان الرشيد بعد ذلك يقول للفضل: رأيت يا عباسي، ما أسرع ما أديل ليحيى من ابن مصعب «١» .
فحدثني ابن عمارة قال: حدثني الحسن بن العليل العنزي، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن أبي جهم بن حذيفة بن غانم العدوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، قال:
كنت مع إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي فقال لي: أتحب أن أريك الرجل الذي ألقى عبد الله بن مصعب في رحم أمه؟ قلت: نعم فأرنيه فأومأ إلى إنسان سندي على حمار، يكري الحمير بالمدينة، وقال لي: ما زال مصعب بن أبي ثابت يخرج أم عبد الله بن مصعب من بيت هذا أبدا، وكانت سندية اسمها تحفة، فولدت عبد الله فهو أشبه الناس بوردان، فنفاه مصعب بن ثابت عن نفسه، فلم يزل مدة على ذلك، ثم استلاطه بعد ذلك.
قال: وقال بعض الشعراء يهجوا مصعب بن عبد الله الزبيري وأخاه بكارا «٢» ويذكر عبد الله بن مصعب:
تدعى حواري الرسول تكذبا وأنت لوردان الحمير سليل «٣»
ولولا سعايات بآل محمد لألفى أبوك العبد وهو ذليل
ولكنه باع القليل بدينه فطال له وسط الجحيم عويل
فنال به مالا وجاها ومنكحا وذلك خزي في المعاد طويل
[ ٤٠٠ ]
ثم نرجع إلى سياقة الخبر في مقتل يحيى بن عبد الله.
قالوا: ثم جمع له الرشيد الفقهاء وفيهم: محمد بن الحسن «١» صاحب أبي يوسف القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي «٢»، وأبو البختري وهب بن وهب، فجمعوا في مجلس وخرج إليهم مسرور الكبير بالأمان، فبدأ محمد بن الحسن فنظر فيه فقال: هذا أمان مؤكد لا حيلة فيه- وكان يحيى قد عرضه بالمدينة على مالك، وابن الدّراوردي «٣» وغيرهم، فعرفوه أنه مؤكد لا علة فيه.
قال: فصاح عليه مسرور وقال: هاته، فدفعه إلى الحسن بن زياد اللؤلؤي فقال بصوت ضعيف: هو أمان.
واستلبه أبو البختري وهب بن وهب فقال: هذا باطل «٤» منتقض، قد شق عصا الطاعة وسفك الدم فاقتله ودمه في عنقي.
فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره فقال له: اذهب فقل له: خرقه إن كان باطلا بيدك، فجاءه مسرور فقال له ذلك فقال: شقّه يا أبا هاشم.
قال له مسرور: بل شقه أنت إن كان منتقضا.
فأخذ سكينا وجعل يشقه ويده ترتعد حتى صيّره سيورا، فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده وهو فرح وهو يقول له: يا مبارك يا مبارك، ووهب لأبي البختري ألف ألف وستمائة ألف، وولاه القضاء، وصرف الآخرين، ومنع محمد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة، وأجمع على إنفاذ ما أراده في يحيى بن عبد الله.
قال أبو الفرج الأصبهاني:
وقد اختلف في مقتله كيف كان: فحدثني جعفر بن أحمد الوراق «٥»، قال:
[ ٤٠١ ]
حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن عثمان، عن الحسن بن علي، عن عمرو بن حماد، عن رجل كان مع يحيى بن عبد الله في المطبق، قال:
كنت قريبا منه فكان في أضيق البيوت وأظلمها، فبينا نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الأقفال وقد مضت من الليل هجعة، فإذا هارون قد أقبل على برذون له، ثم وقف وقال: أين هذا؟ يعني يحيى بن عبد الله بن الحسن. قالوا: في هذا البيت. قال عليّ به فأدنى إليه فجعل هارون يكلمه بشيء لم أفهمه فقال: خذوه، فأخذوه فضرب مائة عصا، ويحيى يناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله (ص) ويقول: بقرابتي منك، فيقول: ما بيني وبينك قرابة.
ثم حمل فرد إلى موضعه فقال: كم أجريتم عليه؟ قالوا: أربعة أرغفة وثمانية أرطال ماء.
قال: اجعلوه على النصف.
ثم خرج ومكثنا ليالي ثم سمعنا وقعا فإذا نحن به حتى دخل فوقف موقفه فقال: عليّ به، فأخرج ففعل به مثل فعله ذلك، وضربه مائة عصا أخرى، ويحيى يناشده الله، فقال: كم أجريتم عليه؟.
قالوا: رغيفين وأربعة أرطال ماء.
قال: اجعلوه على النصف.
ثم خرج وعاد الثالثة، وقد مرض يحيى بن عبد الله وثقل، فلما دخل قال:
عليّ به، قالوا: هو عليل مدنف لما به.
قال: كم أجريتم عليه؟.
قالوا: رغيفا ورطلين ماء.
قال: فاجعلوه على النصف.
ثم خرج فلم يلبث يحيى بن عبد الله أن مات، فأخرج إلى الناس، ودفن ﵁ وأرضاه.
وقال ابن عمار في روايته عن إبراهيم بن رياح «١» .
[ ٤٠٢ ]
إنه بني عليه اسطوانة بالرافقة وهو حي.
وقال ابن عمار في خبره عن علي بن محمد بن سليمان:
إنه دس إليه في الليل من خنقه حتى تلف.
قال: وبلغني أنه سقاه سما.
وقال علي بن إبراهيم، عن إبراهيم بن بنان الخثعمي، عن محمد بن أبي الخنساء: أنه أجاع السباع ثم ألقاه إليها فأكلته.
فحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني موسى بن عبد الله عن أبيه، ومحمد بن عبيد الله البكري، عن سلمة بن عبد الله بن عبد الرحمن المخزومي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص العمري، قال:
دعينا لمناظرة يحيى بن عبد الله بن الحسن بحضرة الرشيد، فجعل يقول له:
اتق الله وعرّفني أصحابك السبعين لئلا ينتقض أمانك. وأقبل علينا فقال: إن هذا لم يسم أصحابه، فكلما أردت أخذ إنسان بلغني عنه شيء أكرهه، ذكر أنه ممن أمّنت.
فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من السبعين فما الذي نفعني من الأمان، أفتريد أن أدفع إليك قوما تقتلهم معي، لا يحلّ لي هذا.
قال: ثم خرجنا ذلك اليوم، ودعانا له يوما آخر، فرأيته أصفر الوجه متغيرا، فجعل الرشيد يكلمه فلا يجيبه، فقال: ألا ترون إليه لا يجيبني، فأخرج إلينا لسانه وقد صار أسود مثل الفحمة «١»، يرينا أنه لا يقدر على الكلام فتغيظ الرشيد وقال:
إنه يريكم أني سقيته السم، وو الله لو رأيت عليه القتل لضربت عنقه صبرا.
قال: ثم خرجنا من عنده فما وصلنا في وسط الدار حتى سقط على وجهه لا حراك به «٢» .
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال: كان
[ ٤٠٣ ]
إدريس بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، يقول:
قتل جدي بالجوع والعطش في الحبس.
وأمّا حرمي بن أبي العلاء، فحدثنا عن الزبير بن بكار، عن عمه:
أن يحيى لما أخذ من الرشيد المائتي ألف دينار قضى بها دين الحسين صاحب فخ، وكان الحسين خلف مائتي ألف دينار دينا.