حدثني «٣» بذلك أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه وحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن العلوي، وحدثني غيرهما ببعض قصته، فجمعت ذلك بعضه إلى بعض.
قالوا «٤»:
كان السبب في أخذ موسى بن جعفر أن الرشيد جعل ابنه محمدا في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث «٥»، فحسده يحيى بن خالد بن برمك على ذلك وقال:
إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي ودولة ولدي. فاحتال على جعفر بن محمد، وكان يقول بالإمامة، حتى داخله وأنس به، وأسر إليه، وكان يكثر غشيانه في منزله فيقف على أمره ويرفعه إلى الرشيد ويزيد عليه في ذلك بما يقدح في قلبه. ثم قال يوما لبعض ثقاته: أتعرفون لي رجلا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرفني ما أحتاج إليه من
[ ٤١٤ ]
أخبار موسى بن جعفر؟ فدلّ على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فحمل إليه يحيى ابن خالد البرمكي مالا. وكان موسى يأنس إليه ويصله وربما أفضى إليه بأسراره، فلما طلب ليشخص به أحس موسى بذلك، فدعاه فقال: إلى أين يابن أخي؟ قال: إلى بغداد قال:
وما تصنع؟ قال: عليّ دين وأنا مملق. قال: فأنا أقضي دينك وأفعل بك واصنع، فلم يلتفت إلى ذلك، فعمل على الخروج، فاستدعاه أبو الحسن موسى فقال له: أنت خارج؟
فقال له: نعم لا بد لي من ذلك فقال له: انظر يابن أخي واتق الله لا تؤتم أولادي! وأمر له بثلاثمائة دينار، وأربعة آلاف درهم.
قالوا: فخرج علي بن اسماعيل حتى أتى يحيى بن خالد البرمكي، فتعرّف منه خبر موسى بن جعفر، فرفعه إلى الرشيد وزاد فيه، ثم أوصله إلى الرشيد فسأله عن عمّه فسعى به إليه، فعرف يحيى جميع خبره وزاد عليه وقال له: إن الأموال تحمل إليه من المشرق والمغرب، وإن له بيوت أموال، وإنه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار فسماها اليسيرة، وقال له صاحبها وقد أحضره المال: لا آخذ هذا النقد ولا آخذ إلّا نقدا كذا وكذا، فأمر بذلك المال فرد وأعطاه ثلاثين ألف دينار من النقد الذي سأل بعينه، فسمع ذلك منه الرشيد وأمر له بمائتي ألف درهم نسبت «١» له على بعض النواحي، فاختار كور المشرق، ومضت رسله لقبض المال. ودخل هو في بعض الأيام إلى الخلاء فزحر زحرة فخرجت حشوته كلها فسقطت، وجهدوا في ردّها فلم يقدروا، فوقع لما به، وجاءه المال وهو ينزع فقال: وما أصنع به وأنا أموت؟! وحج الرشيد في تلك السنة فبدأ بقبر النبي (ص) فقال: يا رسول الله إني أعتذر إليك من شيء أريد أن أفعله، أريد أن أحبس موسى بن جعفر فإنه يريد التشتت بين أمتك وسفك دمائها.
ثم أمر به فأخذ من المسجد فأدخل إليه فقيده، وأخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطاتان هو في إحداهما، ووجه مع كل واحد منهما خيلا، فأخذوا بواحدة على طريق البصرة، والأخرى على طريق الكوفة، ليعمى على الناس أمره، وكان موسى في التي مضت إلى البصرة، فأمر الرسول أن يسلّمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور، وكان على البصرة حينئذ فمضى به، فحبسه عنده سنة، ثم كتب إلى الرشيد: أن خذه
[ ٤١٥ ]
مني وسلّمه إلى من شئت، وإلّا خلّيت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما أقدر على ذلك، حتى إني لأتسمع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليّ أو عليك فما أسمعه يدعو إلّا لنفسه، يسأل الله الرحمة والمغفرة.
فوجه من تسلّمه منه، وحبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد، فبقي عنده مدة طويلة. وأراده الرشيد على شيء من أمره فأبى، فكتب إليه ليسلمه إلى الفضل بن يحيى، فتسلمه منه، وأراد ذلك منه فلم يفعله، وبلغه أنه عنده في رفاهية وسعة ودعة، وهو حينئذ بالرقة، فأنفذ مسرورا الخادم إلى بغداد على البريد، وأمره أن يدخل من فوره إلى موسى فيعرف خبره، فإن كان الأمر على ما بلغه أوصل كتابا منه إلى العباس بن محمد وأمره بامتثاله، وأوصل كتابا منه إلى السّندي بن شاهك يأمره بطاعة العباس بن محمد.
فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد، ثم دخل على موسى فوجده على ما بلغ الرشيد، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد والسندي بن شاهك، فأوصل الكتابين إليهما. فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض ركضا إلى الفضل بن يحيى، فركب معه وخرج مشدوها دهشا حتى دخل على العباس فدعا العباس بالسياط وعقابين، فوجّه بذلك إليه السندي، فأمر بالفضل فجرد ثم ضربه مائة سوط.
وخرج متغير اللون بخلاف ما دخل، فذهبت قوته «١» فجعل يسلم على الناس يمينا وشمالا.
وكتب مسرور بالخبر إلى الرشيد، فأمر بتسليم موسى إلى السندي بن شاهك وجلس الرشيد مجلسا حافلا وقال:
أيها الناس، إن الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي، ورأيت أن ألعنه فالعنوه. فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت والدار بلعنه.
وبلغ يحيى بن خالد الخبر فركب إلى الرشيد، فدخل من غير الباب الذي يدخل منه الناس حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر، ثم قال له: التفت إليّ يا أمير المؤمنين، فأصغي إليه فزعا، فقال له: إن الفضل حدث وأنا أكفيك ما تريد،
[ ٤١٦ ]
فانطلق وجهه وسرّ، فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين، قد غضضت من الفضل بلعنك إيّاه فشرّفه بإزالة ذلك، فأقبل «١» على الناس فقال: إن الفضل قد عصاني في شيء فلعنته، وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولوه.
فقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت، وقد توليناه.
ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى وافى بغداد، فماج الناس وأرجفوا بكل شيء، وأظهر أنّه ورد لتعديل السواد، والنظر في أعمال العمال، وتشاغل ببعض ذلك.
ثم دخل ودعا بالسندي وأمره فيه بأمره فلفه على بساط، وقعد الفراشون النصارى على وجهه.
وأمر السنديّ عند وفاته أن يحضر مولى له ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليغسله، ففعل ذلك.
قال: وسألته أن يأذن لي في أن أكفنه فأبى وقال: إنا أهل بيت مهور نسائنا، وحجّ صرورتنا «٢»، وأكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفني.
فلما مات أدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد وفيهم الهيثم بن عدي وغيره، فنظروا إليه لا أثر به، وشهدوا على ذلك، وأخرج فوضع على الجسر ببغداد، فنودي هذا موسى بن جعفر قد مات، فانظروا إليه، فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت.
وحدثني رجل من أصحابنا عن بعض الطالبيين:
أنه نودي عليه: هذا موسى بن جعفر الذي تزعّم الرافضة أنه لا يموت، فانظروا إليه، فنظروا «٣» .
[ ٤١٧ ]
قالوا:
وحمل فدفن في مقابر قريش ﵀، فوقع قبره إلى جانب قبر رجل من النوفليين يقال له: عيسى بن عبد الله.