وهو أخو أبي بكر بن الحسن المقتول قبله لأبيه وأمه.
حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا الحسين بن نصر، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد،
[ ٩٢ ]
عن حميد بن مسلم، قال «١»:
خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر، في يده السيف، وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنس أنها اليسرى، فقال عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي: والله لأشدن عليه، فقلت له: سبحان الله، وما تريد إلى ذلك، يكفيك قتله هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه من كل جانب، قال: والله لأشدنّ عليه، فما ولّى وجهه حتى ضرب رأس الغلام بالسيف، فوقع الغلام لوجهه، وصاح: يا عمّاه.
قال: فو الله لتجلّى الحسين كما يتجلى الصقر، ثم شدّ شدّة الليث إذا غضب، فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بساعده فأطنها «٢» من لدن المرفق، ثم تنحى عنه، وحملت خيل عمر بن سعد فاستنقذوه من الحسين، ولما حملت الخيل استقبلته بصدورها، وجالت، فتوطأته، فلم يرم حتى مات- لعنه الله وأخزاه- فلمّا تجلّت الغبرة إذا بالحسين على رأس الغلام وهو يفحص برجليه، وحسين يقول: بعدا لقوم قتلوك، خصمهم فيك يوم القيامة رسول الله (ص) ثم قال:
عز على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثم لا تنفعك إجابته يوم كثر واتره، وقلّ ناصره، ثم احتمله على صدره، وكأني أنظر إلى رجلي الغلام تخطان في الأرض، حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين، فسألت عن الغلام، فقالوا:
هو القاسم بن الحسن، بن علي بن أبي طالب «٣» صلوات الله عليهم أجمعين.
(وعبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب) وأمه بنت السليل بن عبد الله أخي جرير بن عبد الله البجلي. وقيل: إن أمه أمّ ولد. وكان أبو جعفر محمد بن علي- فيما رويناه عنه- يذكر أن حرملة بن كاهل الأسدي قتله.
وذكر المدائني في إسناده عن جناب بن موسى، عن حمزة بن بيض، عن هانئ بن ثبيت القابضي أن رجلا منهم قتله «٤» .
[ ٩٣ ]
(وعبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب) وأمه الرباب بنت إمرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم «١» بن جناب بن كلب.
وأمها هند الهنود بنت الربيع بن مسعود بن مصاد بن حصن بن كعب بن عليم بن جناب. وأمها ميسون بنت عمرو بن ثعلبة بن حصين بن ضمضم.
وأمها بنت أوس بن حارثة.
وزعم ابن عبدة أن أمها الرباب بنت حارثة بن أخت أوس بن حارثة بن لام الطائي بن عمرو بن طريف بن عمرو بن ثمامة بن مالك بن جدعان بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن قطرة من طيّئ.
وهي التي يقول فيها أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب ﵉:
لعمرك إنني لأحب دارا تكون بها سكينة والرباب «٢»
أحبهما وأبذل جل مالي وليس لعاتب عندي عتاب «٣»
وسكينة التي ذكرها ابنته من الرباب، واسم سكينة أمينة، وقيل أميمة «٤»، وإنما غلب عليها سكينة، وليس باسمها.
وكان عبد الله بن الحسين يوم قتل صغيرا جاءته نشّابة وهو في حجر أبيه فذبحته.
حدّثني أحمد بن شبيب، قال: حدّثنا أحمد بن الحرث عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال:
[ ٩٤ ]
دعى الحسين بغلام فأقعده في حجره، فرماه عقبة بن بشر فذبحه.
حدّثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا عباد بن يعقوب قال:
أخبرنا مورع بن سويد بن قيس، قال: حدّثنا من شهد الحسين، قال:
كان معه ابنه الصغير فجاء سهم فوقع في نحره، قال: فجعل الحسين يأخذ الدم من نحره ولبته فيرمي به إلى السماء فما يرجع منه شيء، ويقول:
اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل.
(وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الأكبر) أمه زينب العقيلة بنت علي بن أبي طالب «١» . وأمها فاطمة بنت رسول الله ﵌، وإيّاه عنى سليمان بن قتة بقوله:
واندبي إن بكيت عونا أخاه ليس فيما ينوبهم بخذول
فلعمري لقد أصبت ذوي القر بي فبكى على المصاب الطويل
والعقيلة هي التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة في فدك، فقال:
حدّثتني عقيلتنا زينب بنت علي «٢» .
حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدثنا الحسين بن نصر، عن أبيه، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم:
أن عبد الله بن قطنة التيهاني «٣» قتل عون بن عبد الله بن جعفر.
(ومحمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب) وأمه الخوصا بنت حفصة بن ثقيف بن ربيعة بن عثمان بن ربيعة بن عائذ بن ثعلبة بن الحرث بن تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن
[ ٩٥ ]
بكر بن وائل «١» . وأمها هند بنت سالم بن عبد الله بن عبد الله بن مخزوم بن سنان بن مولة بن عامر بن مالك بن تيم اللات بن ثعلبة، وأمها ميمونة بنت بشر بن عمرو بن الحرث بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن الحصين بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
[قتله عامر بن نهشل التميميّ فيما روى عن سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم بالإسناد الذي قدّمناه] «٢» .
وإيّاه عنى سليمان بن قتة بقوله:
وسمى النبي غودر فيهم قد علوه بصارم مصقول
فإذا ما بكيت عيني فجودي بدموع تسيل كل مسيل «٣»
(وعبيد الله بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب) وأمه الخوصا بنت حفصة.
ذكر يحيى بن الحسن العلوي فيما حدّثني به أحمد بن سعيد عنه: أنه قتل مع الحسين بالطفّ رضوان الله وصلواته على الحسين وآله.
(وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب) وأمه أم ولد «٤» .
قتله عثمان بن خالد بن أسيد «٥» الجهني وبشير بن حوط القابضي، فيما ذكر سليمان بن أبي راشد عن حميد بن مسلم.
[ ٩٦ ]
(وجعفر بن عقيل بن أبي طالب) وأمه أم الثغر بنت عامر بنت الهصان العامري «١» من بني كلاب.
قتله عروة بن عبد الله الخثعمي، فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين وعن حميد بن مسلم.
ويقال أمه الخوصا بنت الثغرية، واسمه عمرو بن عامر بن الهصان، بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب العامري.
وأمها أردّة بنت حنظلة بن خالد بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب.
وأمها أمّ البنين بنت معاوية بن خالد بن ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن أبي صعصعة، وأمها حميدة بنت عتبة بن سمرة بن عقبة بن عامر. يقال إن أم أردة بنت حنظلة سالمة بنت مالك بن خطاب الأسدي.
(وعبد الله الأكبر بن عقيل بن أبي طالب) وأمه أم ولد.
قتله- فيما ذكره المدائني- عثمان بن خالد بن أسير الجهني «٢»، ورجل من همدان «٣» .
(ومحمد بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب) وأمه أم ولد.
قتله فيما رويناه عن أبي جعفر محمد بن علي أبو مرهم الأزدي ولقيط بن إياس الجهني.
[ ٩٧ ]
(وعبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب) وأمه رقية بنت علي بن أبي طالب، وأمها أم ولد. قتله عمرو بن صبيح، فيما ذكرناه عن علي بن محمد المدائني، وعن حميد بن مسلم، وذكر أن السهم أصابه وهو واضع يده على جبينه فأثبته في راحته وجبهته «١» .
(ومحمد بن أبي سعيد الأحول بن عقيل بن أبي طالب) وأمه أم ولد، قتله لقيط بن ياسر الجهني، رماه بسهم «٢» فيما رويناه عن المدائني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم.
وذكر محمد بن علي بن حمزة: أنه قتل معه جعفر بن محمد بن عقيل، ووصف أنه سمع أيضا من يذكر أنه قتل يوم الحرّة، قال أبو الفرج:
وما رأيت في كتب الأنساب لمحمد بن عقيل ابنا يسمى جعفرا. وذكر أيضا محمد بن علي بن حمزة، عن عقيل بن عبد الله بن عقيل بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن عقيل بن أبي طالب:
أن علي بن عقيل، وأمه أم ولد قتل يومئذ.
فجميع من قتل يوم الطفّ من ولد أبي طالب سوى من يختلف في أمره اثنان وعشرون رجلا.
(ثم نرجع إلى ذكر خبر الحسين بن علي ومقتله) صلوات الله عليه حدّثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي، قال: حدثنا حسين بن نصر بن مزاحم، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عمر بن سعد، عن أبي مخنف
[ ٩٨ ]
لوط بن يحيى الأزدي، وحدّثني أيضا أحمد بن محمد بن شبيب المعروف بأبي بكر بن شيبة، قال: حدثنا أحمد بن الحرث الخزاز، قال: حدثنا علي بن محمد المدائني، عن أبي مخنف، عن عوانة، وابن جعدية، وغيرهم وحدثني أحمد بن الجعد قال: حدثنا علي بن موسى الطوسي، قال: حدثنا أحمد بن جناب، قال: حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القشيري، قال: حدثنا عمّار الذهني «١»، عن أبي جعفر محمد بن علي كل واحد ممن ذكرت يأتي بالشيء يوافق فيه صاحبه، أو يخالفه، ويزيد عليه شيئا أو ينقص منه، وقد ثبت ذلك برواياتهم منسوبا إليهم. قال المدائني عن هرون بن عيسى، عن يونس بن أبي إسحاق، قال:
لما بلغ أهل الكوفة نزول الحسين مكة، وأنه لم يبايع ليزيد وفد إليه وفد منهم عليهم أبو عبد الله الجدلي، وكتب إليه شبث بن ربعي، وسليمان بن صرد، والمسيّب بن نجية، ووجوه أهل الكوفة يدعونه إلى بيعته، وخلع يزيد «٢»، فقال لهم: أبعث معكم أخي وابن عمي فإذا أخذ لي بيعتي، وأتاني عنهم بمثل ما كتبوا به إليّ قدمت عليهم.
ودعى مسلم بن عقيل فقال «٣»: اشخص إلى الكوفة، فإن رأيت منهم اجتماعا على ما كتبوا، ورأيته أمرا ترى الخروج معه، فاكتب إليّ برأيك. فقدم مسلم الكوفة، وأتته الشيعة، فأخذ بيعتهم للحسين.
قال عمر بن سعد: عن أبي مخنف، فحدّثني المصقعب بن زهير، عن أبي عثمان: أن ابن زياد أقبل من البصرة «٤» ومعه مسلم بن عمر الباهلي والمنذر بن عمرو بن الجارود، وشريك بن الأعور، وحشمه وأهله، حتى دخلوا الكوفة، وعليه عمامة سوداء، وهو متلثم، والناس ينتظرون قدوم الحسين عليهم، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلّا سلموا عليه، وقالوا: مرحبا بك يا ابن رسول الله (ص) قدمت خير مقدم، ورأى من الناس من تباشرهم بالحسين ما
[ ٩٩ ]
ساءه، فأقبل حتى دخل القصر «١» .
وقال عمرو عن أبي مخنف، عن المعلّى بن كليب، عن أبي الوداك، قال:
لما نزل ابن زياد القصر نودي في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس، فخرج إلينا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال «٢»:
أما بعد: فإن أمير المؤمنين- أصلحه الله- ولانّي مصركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدّة على مريبكم، فأنا لمطيعكم كالوالد البر الشفيق، وسيفي وسوطي على من ترك أمري، وخالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه، الصدق ينبئ عنك لا الوعيد.
ثم نزل. وسمع مسلم بن عقيل بمجيء عبيد الله بن زياد ومقالته «٣» فأقبل حتى أتى دار هانئ بن عروة المرادي، فدخل في بابه، فأرسل إليه أن اخرج إليّ فقال: إني أتيتك لتجيرني وتضيفني، قال له: رحمك الله لقد كلفتني شططا، لولا دخولك داري وثقتك بي لأحببت لشأنك أن تنصرف عني، غير أني أخذني من ذلك ذمام. ادخل، فدخل داره، فأقبلت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ بن عروة.
وجاء شريك بن الأعور حتى نزل على هانئ في داره، وكان شيعيا، ودعا ابن زياد مولى له يقال له معقل، فقال له: خذ هذه الثلاثة الآلاف الدرهم ثم التمس لنا مسلم بن عقيل، واطلب شيعته، وأعطهم الثلاثة الآلاف الدرهم، وقل لهم: استعينوا بهذه على حرب عدوّكم، وأعلمهم بأنك منهم ففعل ذلك، وجاء حتى لقي مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم، وسمع الناس يقولون: هذا يبايع للحسين بن علي وكان يصلي، فلما قضى صلاته جلس
[ ١٠٠ ]
إليه فقال له: يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام مولى لذي الكلاع، أنعم الله عليّ بحب أهل البيت وحب من أحبهم، وهذه ثلاثة آلاف درهم معي أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله (ص) وكنت أحب لقاءه لأعرف مكانه، فسمعت نفرا من المسلمين يقولون: هذا رجل له علم بأمر أهل هذا البيت، وإني أتيتك لتقبض مني هذا المال، وتدلّني على صاحبي فأبايعه «١» فقال له: أحمد الله على لقائك فقد سرني حبك إيّاهم وبنصرة الله إيّاك حق أهل بيت نبيه (ص)، ولقد ساءني معرفة الناس إيّاي بهذا الأمر قبل أن يتمّ مخافة سطوة هذا الطاغية الجبار أن يأخذ البيعة قبل أن يبرح، وأخذ عليه المواثيق الغليظة ليناصحن وليكتمن، فأعطاه من ذلك ما رضى به، ثم قال له: اختلف إليّ أياما في منزلي، فأنا أطلب لك الإذن على صاحبك وأخذ يختلف مع الناس يطلب ذلك إليه.
ومرض شريك بن الأعور «٢»، وكان كريما على ابن زياد، وكان شديد التشيّع فأرسل إليه عبيد الله إني رائح إليك العشيّة فعائدك. فقال شريك لمسلم: إن هذا الفاجر عائدي العشية، فإذا جلس فاقتله، ثم اقعد في القصر، وليس أحد يحول بينك وبينه، فإن أنا برأت من وجعي من أيامي هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها فلما كان العشي أقبل ابن زياد لعيادة شريك بن الأعور، فقال لمسلم: لا يفوتنّك الرّجل إذا جلس، فقام إليه هانئ فقال: إني لا أحب أن يقتل في داري كأنه استقبح ذلك، فجاءه عبيد الله بن زياد فدخل وجلس وسأل شريكا: ما الذي تجد ومتى اشتكيت؟ فلما طال سؤاله إيّاه، ورأى أن أحدا لا يخرج، خشي أن يفوته. فأقبل يقول:
ما الانتظار بسلمى أن تحيّوها حيوا سليمى وحيّوا من يحييها
كأس المنية بالتعجيل فاسقوها لله أبوك! اسقنيها وإن كانت فيها نفسي. قال ذلك مرتين أو ثلاثة فقال
[ ١٠١ ]
عبيد الله- وهو لا يفطن-: ما شأنه، أترونه يهجر؟ فقال له هانئ: نعم- أصلحك الله- ما زال هكذا قبل غيابة الشمس إلى ساعتك هذه.
ثم قام وانصرف. فخرج مسلم فقال له شريك: ما منعك من قتله؟
فقال: خصلتان، أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في داره، [وأما] الأخرى فحديث حدّثنيه الناس عن النبي (ص): «إن الإيمان قيّد الفتك فلا يفتك مؤمن» فقال له شريك: أما والله لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا، كافرا غادرا.
قال: فأقبل ذلك الرجل الذي وجّهه عبيد الله بالمال يختلف إليهم، فهو أول داخل وآخر خارج يسمع أخبارهم، ويعلم أسرارهم، وينطلق بها حتى يقرها في أذن ابن زياد.
قال: فقال المدائني، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن عثمان بن أبي زرعة قال: فقال ابن زياد يوما: ما يمنع هانئا منّا؟
فلقيه ابن الأشعث، وأسماء بن خارجة فقالا له: ما يمنعك من إتيان الأمير وقد ذكرك؟ قال: فأتاه فقال ابن زياد- لعنه الله- شعرا:
أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد «١»
يا هانئ، أسلمت «٢» على ابن عقيل؟ قال: ما فعلت، فدعا معقلا فقال: أتعرف هذا؟ قال: نعم وأصدقك ما علمت به حتى رأيته في داري، وأنا أطلب إليه أن يتحوّل. قال: لا تفارقني حتى تأتيني به، فأغلظ له، فضرب وجهه بالقضيب وحبسه «٣» .
وقال عمر بن سعد: عن أبي مخنف، قال: حدّثني الحجاج بن علي الهمداني قال «٤»:
لما ضرب عبيد الله هانئا وحبسه، خشي أن يثب الناس به، فخرج فصعد
[ ١٠٢ ]
المنبر ومعه أناس من أشراف الناس وشرطه وحشمه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس: اعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تفرّقوا فتختلفوا وتهلكوا وتذلّوا، وتخافوا وتخرجوا، فإن أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر.
فذهب لينزل، فما نزل حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون، ويقولون: قد جاء ابن عقيل، فدخل عبيد الله القصر وأغلق بابه.
وقال أبو مخنف: فحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن حازم البكري قال:
أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر في أثر هانئ لأنظر ما صار إليه أمره، فدخلت فأخبرته الخبر، فأمرني أن أنادي في أصحابي، وقد ملأ الدور منهم حواليه، فقال: ناديا منصور أمت فخرجت فناديت، وتبادر أهل الكوفة فاجتمعوا إليه، فعقد لعبد الرحمن بن عزيز الكندي على ربيعة، وقال له: سر أمامي وقدّمه في الخيل «١» . وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج وأسد، وقال له: انزل فأنت على الرجالة. وعقد لأبي ثمامة الصائدي على تميم وحمدان.
وعقد للعباس بن جعدة الجدلي على أهل المدينة، ثم أقبل نحو القصر.
فلما بلغ عبيد الله إقباله تحرز في القصر، وغلّق الأبواب، وأقبل مسلم حتى أحاط بالقصر، فو الله ما لبثنا إلّا قليلا حتى امتلأ المسجد من الناس، والسوق، ما زالوا يتوثبون حتى المساء، فضاق بعبيد الله أمره، ودعا بعبيد الله ابن كثير بن شهاب الحارثي، وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج، فيخذل الناس عن ابن عقيل، ويخوفهم الحرب، وعقوبة السلطان، فأقبل أهل الكوفة يفترون على ابن زياد وأبيه.
قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن حازم
[ ١٠٣ ]
البكري، قال:
أشرف علينا الأشراف، وكان أوّل من تكلّم كثير بن شهاب. فقال «١»:
أيها الناس، ألحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا، انتشروا ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل، فهذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأمير عهدا لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم هذه أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتليكم في مغازي الشام على غير طمع، ويأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى فيكم بقية من أهل المعصية إلّا أذاقها وبال ما جنت «٢» .
وتكلم الأشراف بنحو من كلام كثير، فلما سمع الناس مقالتهم تفرقوا.
قال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد «٣»:
أن المرأة كانت تأتي ابنها وأخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه فيقول: غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر؟ انصرف، فما زالوا يتفرقون وينصرفون حتى أمسى ابن عقيل وما معه إلّا ثلاثون نفسا، حتى صليت المغرب فخرج متوجها نحو أبواب كندة، فما بلغ الأبواب إلّا ومعه منها عشر، ثم خرج من الباب فإذا ليس معه منهم إنسان فمضى متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب «٤»، حتى خرج إلى دور بني بجيلة من كندة، فمضى حتى أتى باب امرأة يقال لها طوعة أم ولد كانت للأشعث وأعتقها، فتزوج بها أسيد الحضرمي، فولدت له بلالا، وكان بلال قد خرج مع الناس، وأمه قائمة تنتظر فسلم عليها ابن عقيل، فردت السلام، فقال لها: اسقيني ماء.
فدخلت فأخرجت إليه، فشرب، ثم أدخلت الإناء، وخرجت وهو جالس في مكانه، فقالت: ألم تشرب؟ قال: بلى. قالت: فاذهب إلى أهلك فسكت، فأعادت عليه ثلاثا ثم قالت: سبحان الله يا عبد الله، قم إلى أهلك- عافاك الله- فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أحلّه لك، ثم قام، فقال: يا أمة الله، والله ما لي في هذا المصر من أهل، فهل لك في معروف وأجر لعلي أكافئك به بعد
[ ١٠٤ ]
اليوم. قالت: يا عبد الله وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذّبني هؤلاء القوم، وغروني وخذلوني، قالت: أنت مسلم؟ قال: نعم. قالت: ادخل، فأدخلته بيتا في دارها، وفرشت له، وعرضت عليه العشاء، وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت، فسألها، فقالت: يا بني أله عن هذا، قال: والله لتخبرنني، وألحّ عليها، فقالت: يا بني، لا تخبريه أحدا من الناس، وأخذت عليه الأيمان، فحلف لها، فأخبرته، فاضطجع وسكت.
فلما طال على ابن زياد، ولم يسمع أصوات أصحاب ابن عقيل قال لأصحابه: أشرفوا فانظروا فأخذوا ينظرون، وأدلوا القناديل وأطنان القصب تشد بالحبال وتدلي وتلهب فيها النار، حتى فعل ذلك بالأظلة التي في المسجد كلّها، فلما لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد ففتح باب السّدة، وخرج ونادى في الناس:
برئت الذمة من رجل صلّى العتمة إلّا في المسجد، فاجتمع الناس في ساعة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال «١»:
أما بعد: فإن ابن عقيل السقيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة الله من رجل وجد في داره، ومن جاء به فله ديته، اتقوا الله عباد الله، والزموا طاعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. يا حصين بن تميم «٢» ثكلتك أمّك إن ضاع شيء من سكك الكوفة أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مراصدة على أفواه السكك، وأصبح غدا فاستبرء الدور حتى تأتي بهذا الرجل «٣»، ثم نزل.
فلمّا أصبح أذن للناس، فدخلوا عليه، وأقبل محمد بن الأشعث فقال:
مرحبا بمن لا يتهم ولا يستغش، وأقعده إلى جنبه.
وأصبح بلال ابن العجوز التي آوت ابن عقيل فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمه فأقبل عبد الرحمن حتى أتى إلى
[ ١٠٥ ]
أبيه وهو جالس، فساره، فقال له ابن زياد: ما قال لك؟ قال: أخبرني أن ابن عقيل في دار من دورنا، فنخسه ابن زياد بالقضيب في جنبه ثم قال: قم فأتني به الساعة.
قال أبو مخنف: فحدّثني قدامة بن سعد بن زائدة الثقفي «١» . أن ابن زياد بعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلا كلهم من قيس، عليهم [عمرو بن] «٢» عبيد الله بن العباس السلمي حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل، فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال، عرف أنه قد أتى فخرج إليهم بسيفه، فاقتحموا عليه الدار، فشد عليهم كذلك «٣»، فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق السطوح وظهروا فوقه، فأخذوا يرمونه بالحجارة، ويلهبون النيران في أطنان القصب ثم يقذفونها عليه من فوق السطوح فلما رأى [ذلك] قال: أكلما أرى من الإجلاب لقتل ابن عقيل؟ يا نفس اخرجي إلى الموت الذي ليس منه محيص، فخرج- رضوان الله عليه- مصلتا سيفه إلى السكة، فقاتلهم، فأقبل عليه محمد بن الأشعث فقال: يا فتى، لك الأمان، لا تقتل نفسك. فأقبل يقاتلهم وهو يقول «٤»:
أقسمت لا أقتل إلّا حرّا وإن رأيت الموت شيئا نكرا
أخاف أن أكذب أو أغرّا أو يخلط البارد سخنا مرّا
ردّ شعاع الشمس فاستقرا «٥» كل امرئ يوما ملاق شرّا
قال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب ولا تغر، إن القوم ليسوا بقاتليك ولا ضاربيك، وقد أثخن بالجراح وعجز عن القتال فانبهر وأسند
[ ١٠٦ ]
ظهره إلى دار بجنب تلك الدار، فدنا منه محمد بن الأشعث فقال له: لك الأمان، فقال له مسلم: آمن أنا؟ قال: نعم أنت آمن، فقال القوم جميعا:
نعم غير عبيد الله بن العباس السلمي لأنه قال: «لا ناقة لي في هذا ولا جمل»، وتنحّى، فقال ابن عقيل: إني والله لولا أمانكم ما وضعت يدي في أيديكم.
وأتى ببغلة فحمل عليها فاجتمعوا عليه، فنزعوا سيفه من عنقه، فكأنه أيس من نفسه فدمعت عينه وعلم أن القوم قاتلوه، وقال: هذا أول الغدر.
فقال له محمد بن الأشعث: أرجوا ألّا يكون عليك بأس.
فقال: ما هو إلّا الرجاء، فأين أمانكم إنّا لله وإنّا إليه راجعون وبكى.
فقال له عبيد الله ابن العباس السلمي: إن مثلك ومن يطلب مثل الذي طلبت إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك.
قال: إني والله ما أبكي لنفسي، ولا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحبّ لها طرفة عين تلفا، ولكني أبكي لأهلي المقبلين إليّ، أبكي للحسين وآل الحسين، ثم أقبل على ابن الأشعث فقال: إني والله أظنك ستعجز عن أماني، وسأله أن يبعث رسولا إلى الحسين بن علي يعلمه الخبر، ويسأله الرجوع فقال له ابن الأشعث: والله لأفعلنّ «١» .
قال أبو مخنف: فحدّثني قدامة بن سعد «٢»: أن مسلم بن عقيل حين انتهى به إلى القصر رأى قلة مبرّدة موضوعة على الباب، فقال: اسقوني من هذا الماء. فقال له مسلم بن عمر، وأبو قتيبة بن مسلم الباهلي: أتراها ما أبردها؟
فو الله لا تذوق منها قطرة واحدة حتى تذوق الحميم في نار جهنّم.
فقال له مسلم بن عقيل «٣»: ويلك، ولأمك الثكل، ما أجفاك،
[ ١٠٧ ]
وأفظك، وأقسى قلبك، أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم، والخلود في نار جهنم، ثم جلس وتساند إلى الحائط.
قال أبو مخنف: فحدّثني أبو قدامة بن سعد أن عمرو بن حريث بعث غلاما له يدعى سليما فأتاه بماء في قلة فسقاه. قال وحدثني مدرك بن عمارة: أن عمارة بن عقبة بعث غلاما يدعى نسيما فأتاه بماء في قلة عليها منديل وقدح معه، فصب فيه الماء ثم سقاه، فأخذ كلّما شرب امتلأ القدح دما، فأخذ لا يشرب من كثرة الدم، فلما ملأ القدح ثانية ذهب يشرب، فسقطت ثنيتاه في القدح، فقال: الحمد لله، لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته.
قال: ثم أدخل على عبيد الله بن زياد «١» - لعنه الله- فلم يسلم عليه، فقال له الحرس: ألا تسلم على الأمير؟ فقال: إن كان الأمير يريد قتلي فما سلامي عليه؟ وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن سلامي عليه. فقال له عبيد الله- لعنه الله-: لتقتلن. قال: أكذلك؟ قال: نعم. قال: دعني إذا أوصي إلى بعض القوم. قال: أوص إلى من أحببت. فنظر ابن عقيل إلى القوم وهم جلساء ابن زياد، وفيهم عمر بن سعد فقال: يا عمر، إن بيني وبينك قرابة دون هؤلاء، ولي إليك حاجة، وقد يجب عليك لقرابتي نجح حاجتي، وهي سرّ، فأبى أن يمكنه من ذكرها، فقال له عبيد الله بن زياد: لا تمتنع من أن تنظر في حاجة ابن عمك، فقام معه وجلس حيث ينظر إليهما ابن زياد- لعنه الله-، فقال له ابن عقيل: إن عليّ بالكوفة دينا استدنته مذ قدمتها تقضيه عنّي حتى يأتيك من غلّتي بالمدينة، وجثتي فاطلبها من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين من يرده. فقال عمر لابن زياد: أتدري ما قال؟ قال: اكتم ما قال لك، قال: أتدري ما قال لي؟ قال: هات، فإنه لا يخون الأمين، ولا يؤتمن الخائن. قال: كذا وكذا، قال: أما مالك فهو لك، ولسنا نمنعك منه فاصنع فيه ما أحببت وأما حسين فإنه إن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكفّ عنه، وأما جثته فإنا لا نشفعك فيها، فإنه ليس لذلك منا بأهل، وقد خالفنا وحرص على هلاكنا.
[ ١٠٨ ]
ثم قال ابن زياد لمسلم: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد من الناس في الإسلام «١» .
قال: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه، أما إنك لم تدع سوء القتلة، وقبح المثلة وخبث السيرة، ولؤم الغيلة لمن هو أحق به منك «٢» .
ثم قال ابن زياد: اصعدوا به فوق القصر فأضربوا عنقه.
ثم قال: ادعوا الذي ضربه ابن عقيل على رأسه وعاتقه بالسيف فجاءه فقال: اصعد وكن أنت الذي تضرب عنقه، وهو بكير بن حمران الأحمري- لعنه الله-، فصعدوا به وهو يستغفر الله ويصلي على النبي (ص)، وعلى أنبيائه ورسله وملائكته- وهو يقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا، وكادونا وخذلونا.
ثم أشرفوا به على موضع الحذّائين فضرب عنقه، ثم أتبع رأسه جسده- صلّى الله عليه ورحمه- «٣» .
وقال المدائني: عن أبي مخنف عن يوسف بن يزيد، قال: فقال عبد الله ابن الزّبير الأسدي «٤»:
إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هانئ في السوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشّم السيف وجهه وآخر يهوي من طمار قتيل «٥»
ترى جسدا قد غيّر الموت لونه ونضح دم قد سال كلّ مسيل «٦»
أصابهما أمر الأمير فأصبحا أحاديث من يسعى بكل سبيل
[ ١٠٩ ]
أيركب أسماء الهماليج آمنا وقد طلبته مذحج بذحول «١»
تطيف حواليه مراد وكلهم على رقبة من سائل ومسول
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم فكونوا بغايا أرضيت بقليل
قالوا: وكان مسلم قد كتب إلى الحسين بأخذ البيعة له، واجتماع الناس عليه، وانتظارهم إيّاه، فأزمع الشخوص إلى الكوفة، ولقيه عبد الله بن الزبير في تلك الأيام ولم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز، ولا أحب إليه من خروجه إلى العراق طمعا في الوثوب بالحجاز، وعلما بأن ذلك لا يتم له إلّا بعد خروج الحسين، فقال له: على أيّ شيء عزمت يا أبا عبد الله؟ فأخبره برأيه في إتيان الكوفة، وأعلمه بما كتب به مسلم بن عقيل إليه، فقال له ابن الزبير:
فما يحبسك، فو الله لو كان لي مثل شيعتك بالعراق ما تلوّمت في شيء، وقوى عزمه، ثم انصرف. وجاءه به عبد الله بن عباس وقد أجمع رأيه على الخروج، وحققه، فجعل يناشده في المقام، ويعظم عليه القول في ذم أهل الكوفة، وقال له: إنك تأتي قوما قتلوا أباك، وطعنوا أخاك، وما أراهم إلّا خاذليك، فقال له: هذه كتبهم معي، وهذا كتاب مسلم باجتماعهم، فقال له ابن عباس: أما إذا كنت لا بد فاعلا فلا تخرج أحدا من ولدك، ولا حرمك ولا نسائك فخليق أن تقتل وهم ينظرون إليك كما قتل ابن عفان، فأبى ذلك ولم يقبله.
قال: فذكر من حضره يوم قتل وهو يلتفت إلى حرمه وإخوته وهن يخرجن من أخبيتهن جزعا لقتل من يقتل معه وما يرينه به، ويقول: لله در ابن عباس فيما أشار علي به.
قال: فلما أبى الحسين قبول رأي ابن عباس قال له: والله لو أعلم أني إذا تشبثت بك وقبضت على مجامع ثوبك، وأدخلت يدي في شعرك حتى يجتمع الناس عليّ وعليك، كان ذلك نافعي لفعلته، ولكن اعلم أن الله بالغ أمره،
[ ١١٠ ]
ثم ارسل عينيه فبكى، وودّع الحسين، وانصرف. ومضى الحسين لوجهه، ولقى ابن عباس بعد خروجه عبد الله بن الزبير فقال له:
يا لك من قبّرة بمعمر خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقّري ما شئت أن تنقّري هذا الحسين خارجا فاستبشري «١»
فقال: قد خرج الحسين وخلت لك الحجاز.
قال أبو مخنف في حديثه خاصة عن رجاله:
إن عبيد الله بن زياد وجه الحر بن يزيد ليأخذ الطريق على الحسين، فلما صار في بعض الطريق لقيه أعرابيان من بني أسد، فسألهما عن الخبر، فقالا له:
يا ابن رسول الله، إن قلوب الناس معك، وسيوفهم عليك، فارجع، وأخبراه بقتل ابن عقيل وأصحابه، فاسترجع الحسين، فقال له بنو عقيل: لا نرجع والله أبدا أو ندرك ثأرنا أو نقتل بأجمعنا، فقال لمن كان لحق به من الأعراب: من كان منكم يريد الإنصراف عنّا فهو في حلّ من بيعتنا. فانصرفوا عنه، وبقي في أهل بيته، ونفر من أصحابه «٢» .
ومضى حتى دنا من الحرّ بن يزيد، فلما عاين أصحابه العسكر من بعيد كبّروا، فقال لهم الحسين: ما هذا التكبير؟ قالوا: رأينا النخل، فقال بعض أصحابه: ما بهذا الموضع والله نخل، ولا أحسبكم ترون إلّا هوادي الخيل وأطراف الرماح، فقال الحسين: وأنا والله أرى ذلك فمضوا لوجوههم، ولحقهم الحرّ بن يزيد في أصحابه، فقال للحسين: إني أمرت أن أنزلك في أيّ موضع لقيتك وأجعجع بك، ولا أتركك أن تزول من مكانك «٣» .
قال: إذا أقاتلك، فاحذر أن تشقى بقتلي ثكلتك أمك. فقال: [أما والله لو غيرك من العرب يقولها وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائنا من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلّا
[ ١١١ ]
بأحسن ما يقدر عليه] «١» .
وأقبل يسير والحر يسايره ويمنعه من الرجوع من حيث جاء، ويمنع الحسين من دخول الكوفة، حتى نزل بأقساس مالك، وكتب الحر إلى عبيد الله يعلمه ذلك.
قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الرحمن بن جندب، عن عتبة بن سمعان الكلبي، قال:
لما ارتحلنا من قصر ابن مقاتل، وسرنا ساعة خفق رأس الحسين خفقة ثم انتبه فأقبل يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين مرتين. فأقبل إليه علي بن الحسين وهو على فرس فقال له: يا أبي جعلت فداك، مم استرجعت؟ وعلام حمدت الله؟ قال الحسين: يا بني، إنه عرض لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون، والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فقال: يا أبتاه لا أراك الله سوءا أبدا، ألسنا على الحق؟ قال: بلى والذي يرجع إليه العباد. فقال: يا أبت، فإذا لا نبالي، قال: جزاك الله خير ما جزى ولد عن والده «٢» .
قال: وكان عبيد الله بن زياد- لعنه الله- قد ولّى عمر بن سعد الرّي، فلما بلغه الخبر وجّه إليه أن سر إلى الحسين أولا فاقتله، فإذا قتلته رجعت ومضيت إلى الرّي، فقال له: أعفني أيّها الأمير. قال: قد أعفيتك من ذلك، ومن الريّ، قال: اتركني أنظر في أمري فتركه، فلما كان من الغد غدا عليه فوجه معه بالجيوش لقتال الحسين، فلما قاربه وتواقفوا قام الحسين في أصحابه خطيبا فقال «٣»:
اللهم إنك تعلم أني لا أعلم أصحابا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت
[ ١١٢ ]
خيرا من أهل بيتي، فجزاكم الله خيرا فقد آزرتم وعاونتم «١»، والقوم لا يريدون غيري، ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا، فإذا جنّكم الليل فتفرقوا في سواده، وانجوا بأنفسكم.
فقام إليه العباس بن علي أخوه، وعلي ابنه، وبنو عقيل، فقالوا له:
معاذ الله والشهر الحرام، فماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم، إنا تركنا سيدنا، وابن سيدنا وعمادنا، وتركناه غرضا للنبل، ودريئة للرماح، وجزرا للسباع، وفررنا عنه رغبة في الحياة، معاذ الله، بل نحيا بحياتك، ونموت معك، فبكى وبكوا عليه، وجزاهم خيرا، ثم نزل- صلوات الله عليه-.
فحدّثني عبد الله بن زيدان البجلي، قال: حدّثنا محمد بن زيد التميمي، قال: حدّثنا نصر بن مزاحم، عن أبي مخنف عن الحرث بن كعب، عن علي بن الحسين قال «٢»:
إني والله لجالس مع أبي في تلك الليلة، وأنا عليل، وهو يعالج سهاما له، وبين يديه جون مولى أبي ذر الغفاري، إذ ارتجز الحسين:
يا دهر أف لك من خليل كم لك في الإشراق والأصيل
من صاحب وماجد قتيل والدهر لا يقنع بالبديل
والأمر في ذاك إلى الجليل وكل حي سالك السبيل
قال: وأما أنا فسمعته ورددت عبرتي.
وأما عمتي فسمعته دون النساء فلزمتها الرقة والجزع «٣»، فشقت ثوبها، ولطمت وجهها، وخرجت حاسرة تنادي: واثكلاه! وا حزناه! ليت الموت أعدمني الحياة، يا حسيناه يا سيداه، يا بقية أهل بيتاه، استقلت ويئست من الحياة اليوم مات جدي رسول الله (ص)، وأمي فاطمة الزهراء، وأبي علي،
[ ١١٣ ]
وأخي الحسن، يا بقية الماضين، وثمال الباقين.
فقال لها الحسين: يا أختي «لو ترك القطا لنام» .
قالت: فإنما تغتصب نفسك اغتصابا، فذاك أطول لحزني وأشجى لقلبي وخرت مغشيا عليها فلم يزل يناشدها واحتملها حتى أدخلها الخباء «١» .
(رجع الحديث إلى مقتله صلوات الله عليه) قال: فوجه إلى عمر بن سعد- لعنه الله- فقال: ماذا تريدون مني؟ إني مخيّركم ثلاثا: بين أن تتركوني ألحق بيزيد، أو أرجع من حيث جئت، أو أمضي إلى بعض ثغور المسلمين فأقيم فيها.
ففرح ابن سعد بذلك، وظن أن ابن زياد- لعنه الله- يقبله منه، فوجه إليه رسولا يعلمه ذلك، ويقول: لو سألك هذا بعض الديلم ولم تقبله ظلمته.
فوجه إليه ابن زياد: طمعت يا ابن سعد في الراحة، وركنت إلى دعة، ناجز الرجل وقاتله، ولا ترض منه إلّا أن ينزل على حكمي.
فقال الحسين: معاذ الله أن أنزل على حكم ابن مرجانة أبدا «٢»، فوجه ابن زياد شمر بن ذي الجوشن الضّبابي- أخزاه الله- إلى ابن سعد- لعنه الله- يستحثه لمناجزة الحسين، فلما كان في يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين، ناجزه ابن سعد- لعنه الله- فجعل أصحاب الحسين يتقدمون رجلا رجلا يقاتلون حتى قتلوا.
وقال المدائني، عن العباس بن محمد بن رزين، عن علي بن طلحة، وعن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن حميد بن مسلم، وقال عمر بن سعد البصري: عن أبي مخنف، عن زهير بن عبد الله الخثعمي،
[ ١١٤ ]
وحدّثنيه أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن [العلوي]، عن بكر بن عبد الوهاب، عن إسماعيل بن أبي إدريس، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين: إن أول قتيل قتل من ولد أبي طالب مع الحسين ابنه علي، قال: فأخذ يشد على الناس وهو يقول:
أنا علي بن الحسين بن علي نحن وبيت الله أولى بالنبي
من شبث ذاك ومن شمر الدني أضربكم بالسيف حتى يلتوي
ضرب غلام هاشمي علوي ولا أزال اليوم أحمي عن أبي
والله لا يحكم فينا ابن الدعي «١»
ففعل ذلك مرارا، فنظر إليه مرة بن منقذ العبدي فقال: عليّ آثم العرب إن هو فعل مثل ما أراه يفعل، ومرّ بي أن أثكله أمه. فمر يشد على الناس ويقول كما كان يقول، فاعترضه مرّة وطعنه بالرمح فصرعه، واعتوره الناس فقطعوه بأسيافهم.
وقال أبو مخنف: عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال:
سماع أذني يومئذ الحسين وهو يقول: قتل الله قوما قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله، وعلى انتهاك حرمة الرسول (ص) ثم قال: على الدنيا بعدك العفاء.
قال حميد: وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي: يا حبيباه، يا ابن أخاه، فسألت عنها، فقالوا: هذه زينب بنت علي بن أبي طالب ثم جاءت حتى انكبت عليه فجاءها الحسين فأخذ بيدها إلى الفسطاط، وأقبل إلى ابنه، وأقبل فتيانه إليه فقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه ذلك، ثم جاء به حتى وضعه بين يدي فسطاطه «٢» .
حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدّثني يحيى بن الحسن العلوي، قال:
حدثنا غير واحد، عن محمد بن عمير، عن أحمد بن عبد الرحمن البصري، عن
[ ١١٥ ]
عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة عن سعيد بن ثابت، قال:
لما برز علي بن الحسين إليهم، أرخى الحسين- صلوات الله عليه وسلامه- عينيه فبكى، ثم قال: اللهم كن أنت الشهيد عليهم، فبرز إليهم غلام أشبه الخلق برسول الله (ص)، فجعل يشد عليهم ثم يرجع إلى أبيه فيقول: يا أباه، العطش، فيقول له الحسين: اصبر حبيبي فإنك لا تمسي حتى يسقيك رسول الله (ص) بكأسه، وجعل يكر كرّة بعد كرّة، حتى رمى بسهم فوقع في حلقه فخرقه، وأقبل ينقلب في دمه، ثم نادى: يا أبتاه عليك السلام، هذا جدّي رسول الله (ص) يقرئك السلام، ويقول: عجّل القدوم إلينا، وشهق شهقة فارق الدنيا.
قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال:
أحاطوا بالحسين ﵇، وأقبل غلام من أهله نحوه، وأخذته زينب بنت علي لتحبسه، فقال لها الحسين: احبسيه، فأبى الغلام، فجاء يعدوا إلى الحسين، فقام إلى جنبه، وأهوى أبحر بن كعب بالسيف إلى الحسين، فقال الغلام لأبجر: يا ابن الخبيثة أتقتل عمي؟ فضربه أبجر بالسيف، واتقاه الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد. وبقيت معلقة بالجلد، فنادى الغلام: يا أماه، فأخذه الحسين فضمّه إليه، وقال: يا ابن أخي احتسب فيما أصابك الثواب، فإن الله ملحقك بآبائك الصالحين، برسول الله (ص)، وحمزة، وعلي، وجعفر، والحسن ﵈ «١» .
قال: وجاء رجل حتى دخل عسكر الحسين، فجاء إلى رجل من أصحابه فقال له: إن خبر ابنك فلان وافى، إن الديلم أسروه، فتنصرف معي حتى نسعى في فدائه، فقال: حتى أصنع ماذا؟ عند الله أحتسبه ونفسي، فقال له الحسين: انصرف وأنت في حل من بيعتي، وأنا أعطيك فداء ابنك. فقال:
[ ١١٦ ]
هيهات أن أفارقك ثم أسأل الركبان عن خبرك. لا يكون والله هذا أبدا، ولا أفارقك، ثم حمل على القوم فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه ورضوانه.
قال: وجعل الحسين يطلب الماء، وشمر- لعنه الله- يقول له: والله لا ترده أو ترد النار، فقال له رجل: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنه بطوان الحيات، والله لا تذوقه أو تموت عطشا، فقال الحسين: اللهم أمته عطشا.
قال: والله لقد كان هذا الرجل يقول: اسقوني ماء، فيؤتى بماء، فيشرب حتى يخرج من فيه وهو يقول: اسقوني، قتلني العطش، فلم يزل كذلك حتى مات «١» .
قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال:
لما اشتد العطش على الحسين دعا أخاه العبّاس بن علي، فبعثه في ثلاثين راكبا وثلاثين راجلا، وبعث معه بعشرين قربة، فجاءوا حتى دنوا من الماء فاستقدم أمامهم نافع بن هلال الجملي، فقال له عمرو بن الحجاج: من الرجل؟
قال: نافع بن هلال، قال: مرحبا بك يا أخي ما جاء بك؟ قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه، قال: اشرب، قال: لا والله لا أشرب منه قطرة والحسين عطشان. فقال له عمرو: لا سبيل إلى ما أردتم، إنما وضعونا بهذا المكان لنمنعكم من الماء، فلما دنا منه أصحابه قال للرجالة: املئوا قربكم، فشدت الرجالة فدخلت الشّريعة فملأوا قربهم، ثم خرجوا، ونازعهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن علي، ونافع بن هلال الجملي «٢» جميعا، فكشفوه، ثم انصرفوا إلى رحالهم، وقالوا للرجالة: انصرفوا. فجاء أصحاب الحسين بالقرب حتى أدخلوها عليه.
قال المدائني: فحدثني أبو غسان، عن هارون بن سعد، عن القاسم بن الأصبغ ابن نباتة، قال:
[ ١١٧ ]
رأيت رجلا من بني أبان بن دارم أسود الوجه، وكنت أعرفه جميلا، شديد البياض، فقلت له: ما كدت أعرفك، قال: إني قتلت شابا أمرد مع الحسين، بين عينيه أثر السجود، فما نمت ليلة منذ قتلته إلّا أتاني فيأخذ بتلابيبي حتى يأتي جهنم فيدفعني فيها، فأصيح، فما يبقى أحد في الحي إلّا سمع صياحي.
قال: والمقتول العباس بن علي﵇-.
قال المدائني. فحدثني مخلد بن حمزة بن بيض، وحباب بن موسى، عن حمزة بن بيض، قال حدثني هانئ بن ثبيت القابضي زمن خالد، قال: قال:
كنت ممن شهد الحسين، فإني لواقف على خيول إذ خرج غلام من آل الحسين مذعورا يلتفت يمينا وشمالا، فأقبل رجل «١» منا يركض حتى دنا منه، فمال عن فرسه، فضربه فقتله.
قال: وحمل شمر- لعنه الله- على عسكر الحسين، فجاء إلى فسطاطه لينهبه، فقال له الحسين: ويلكم، إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في الدنيا، فرحلى لكم عن ساعة مباح، قال: فاستحيا ورجع.
قال: وجعل الحسين يقاتل بنفسه، وقد قتل ولده وإخوته وبنو أخيه وبنو عمه فلم يبق منهم أحد، وحمل عليه ذرعة بن شريك- لعنه الله-، فضرب كتفه اليسرى بالسيف فسقطت- صلوات الله عليه-. وقتله أبو الجنوب زياد بن عبد الرحمن الجعفي، والقثعم، وصالح بن وهب اليزني وخولى بن يزيد، كل قد ضربه وشرك فيه.
ونزل سنان بن أنس النخعي فاحتز رأسه.
ويقال: إن الذي أجهز عليه شمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله.
وحمل خولي بن يزيد رأسه إلى عبيد الله بن زياد.
وأمر ابن زياد- لعنه الله، وغضب عليه- أن يوطأ صدر الحسين، وظهره
[ ١١٨ ]
وجنبه ووجهه فأجريت الخيل عليه «١» .
وحمل أهله أسرى «٢» وفيهم، عمر، وزيد، والحسن بنو الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈، وكان الحسن بن الحسن بن علي قد ارتث جريحا فحمل معهم، وعلي بن الحسين الذي أمه أم ولد، وزينب العقيلة، وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وسكينة بنت الحسين لما أدخلوا على يزيد- لعنه الله- أقبل قاتل الحسين بن علي يقول «٣» .
أوقر ركابي فضة أو ذهبا فقد قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أما وأبا وخيرهم إذ ينسبون نسبا «٤»
ووضع الرأس بين يدي يزيد- لعنه الله- في طست، فجعل ينكته على ثناياه بالقضيب وهو يقول «٥»:
نفلّق هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
وقد قيل: إن ابن زياد- لعنه الله فعل ذلك.
وقيل: إنه تمثل أيضا والرأس بين يديه بقول عبد الله بن الزّبعري «٦»:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
قد قتلنا القرم من أشياخهم وعدلناه ببدر فاعتدل
ثم دعا يزيد- لعنه الله- بعلي بن الحسين، فقال: ما اسمك؟ فقال:
علي بن الحسين، قال: أولم يقتل الله علي بن الحسين، قال: قد كان لي أخ
[ ١١٩ ]
أكبر مني يسمى عليا، فقتلتموه «١» . قال: بل الله قتله، قال علي: الله يتوفّى الأنفس حين موتها «٢»، قال له يزيد: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم «٣» فقال علي: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلّا في كتاب من قبل أن نبرأها إنّ ذلك على الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحبّ كل مختال فخور «٤» .
قال: فوثب رجل من أهل الشام فقال: دعني أقتله، فألقت زينب نفسها عليه.
فقام رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه «٥» أتخذها أمة.
قال: فقالت له زينب: لا ولا كرامة، ليس لك ذلك، ولا له إلّا أن يخرج من دين الله.
فصاح به يزيد: اجلس. فجلس، وأقبلت زينب عليه، وقالت: يا يزيد حسبك من دمائنا.
وقال علي بن الحسين: إن كان لك بهؤلاء النسوة رحم، وأردت قتلي فابعث معهن أحدا يؤديهن «٦» . فرق له وقال: لا يؤديهن غيرك.
ثم أمره أن يصعد المنبر فيخطب فيعذر إلى الناس مما كان من أبيه فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال:
أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا علي بن الحسين، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، أنا ابن السراج المنير. وهي خطبة طويلة كرهت الإكثار بذكرها، وذكر نظائرها.
[ ١٢٠ ]
ثم أمره يزيد، بالشخوص إلى المدينة مع النسوة من أهله وسائر بني عمّه، فانصرف بهم «١» .
وقال سليمان بن قتّة يرثي الحسين «٢»:
مررت على أبيات آل محمد فلم أرها أمثالها يوم حلت «٣»
ألم تر أن الشمس أضحت مريضة لفقد حسين والبلاد اقشعرت
وكانوا رجاء ثم صاروا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجلت «٤»
أتسألنا قيس فنعطي فقيرها وتقتلنا قيس إذا النعل زلت
وعند غنيّ قطرة من دمائنا سنطلبها يوما بها حيث حلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها وإن أصبحت منهم برغمي تخلّت
فإن قتيل الطّف من آل هاشم أذل رقاب المسلمين فذلت «٥»
قال أبو الفرج:
وقد رثى الحسين بن علي- صلوات الله عليه- جماعة من متأخري الشعراء أستغني عن ذكرهم في هذا الموضع كراهية الإطالة.
وأما من تقدم «٦» فما وقع إلينا شيء رثى به، وكانت الشعراء لا تقدم على ذلك مخافة من بني أمية، وخشية منهم.
وهذا آخر ما أخبرنا به من مقتله- صلوات الله عليه ورضوانه وسلامه-.
[ ١٢١ ]