حدثنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال:
حدثني محمد بن عبد الله بن حماد الثقفي عمن أخبره، قال أبو زيد، وحدثني محمد بن الحكم، بن عبيدة، عن جدّه مسعود بن الحارث، قال:
لما كان يوم الفطر شهدنا إبراهيم، وكنا قريبا من المنبر، وعبد الواحد بن زياد معنا، فسمعت إبراهيم يتمثل بهذه الأبيات «٢»:
أبا المنازل يا خير الفوارس من يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يعلم أني لو خشيتهم وأوجس القلب من خوف لهم فزعا «٣»
لم يقتلوه ولم أسلم أخي لهم «٤» حتى نموت جميعا أو نعيش معا
ثم بكى فقال:
اللهم إنك تعلم أن محمدا إنما خرج غضبا لك، ونفيا لهذه المسوّدة وإيثارا لحقك فارحمه واغفر له، واجعل الآخرة خير مردّ له، ومنقلب من الدنيا. ثم جرض بريقه «٥» وترادّ الكلام في فيّه وتلجلج ساعة، ثم انفجر باكيا منتحبا، وبكى الناس. قال: فو الله لرأيت عبد الواحد بن زياد اهتز له من قرنه إلى
[ ٢٩٤ ]
قدمه، ثم بلت دموعه لحيته.
حدثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا عبد الله بن شيبان «١»، قال:
قال إبراهيم بن عبد الله: ما أتى عليّ يوم بعد قتل محمد إلّا استطلته حبا للّحاق به.
حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا أبو زيد، قال حدّثنا عمر عن النضر بن حماد وغيره:
أن إبراهيم خرج فعسكر بالمأجور يريد قصر أبي جعفر بالكوفة وقتاله.
حدّثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثني عبد الواحد من آل خليفة بن قيس، قال:
كان على ميسرة إبراهيم برد بن لبيد «٢» اليشكري.
حدثني يحيى، قال: حدثنا عمر قال حدثني إبراهيم بن سلام، قال:
حدثني أخي عن أبي قال: كان على ميمنة إبراهيم عيسى بن زيد.
قال أبو الفرج:
وهذا الحديث يبطل حديث الجعفري في اعتزال عيسى إبراهيم، وهذا أصح.
حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني محمد ابن معروف عن أبيه، وحدثني محمد بن موسى الأسواري:
أنّ أبا جعفر كتب إلى عيسى، وهو بالمدينة: إذا قرأت كتابي هذا فأقبل، ودع ما أنت فيه. فلم يلبث أن قدم فوجهه على الناس. وقدم سلم بن قتيبة «٣» فضمّه إلى جعفر بن سليمان، وبعثه مع عيسى فأنف جعفر من طاعة عيسى فكان في ناحية الناس.
[ ٢٩٥ ]
أخبرنا يحيى بن علي، والعتكي عمر بن عبد الله، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني عبد الله بن عبد الوارث، قال: حدّثنا هاشم بن القاسم، قال:
أراد المضاء أن يبيّت «١» عيسى بن موسى فمنعه بشير.
حدثنا يحيى، قال: حدثنا سعيد بن ستيم، عن عمه:
أن عبد الواحد بن زياد أشار على إبراهيم بأن يبيت عيسى، فقالت الزيدية: إنما البيات من فعال السرّاق.
قال: فارجع إلى البصرة ودعنا نقاتل عيسى فإن هزمنا امددتنا بالامداد، فقالت الزيدية: أترجع عن عدوك وقد رأيته؟.
قال: فخندق على عسكرك، فقالت الزيدية: أتجعل بينك وبين الله جنّة؟.
فقال عبد الواحد: أما لولا أن يقال: إني أوردتك ثم لم أصدرك لعرفت وجه الرأي.
قال عمر: وحدثني إبراهيم بن سلم «٢»، عن أخيه، عن أبيه سلم: أنه قال له: اجعل عسكرك كراديس، إذا هزم منهم كردوس ثبت كردوس، فقالوا: لا نكون إلّا صفا واحدا «٣» كما قال الله تعالى: كأنهم بنيان مرصوص «٤» .
أخبرنا «٥» عمر بن عبد الله، ويحيى بن علي، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني إبراهيم بن محمد الجعفري، قال: حدثني أبي، قال:
لما تصاف العسكران، خرج رجل أزرق طويل، لكأني أنظر إليه من
[ ٢٩٦ ]
عسكر عيسى فقال: يا أصحاب إبراهيم أنا والله قتلت محمدا. قال: فخرج إليه أربعة رهط من عسكر إبراهيم كأنهم الصقور، فابتدروه بأسيافهم، فو الله ما قلت خالطوه حتى رجعوا برأسه «١»، والله ما نصره أحد من أصحاب عيسى.
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني أبو الحسن على الحدّاد من أهل بغداد، قال: حدثني مسعود الرحال الكوفي، قال:
شهدت باخمري، فإني لأنظر إلى إبراهيم وهو في فسطاطه، وبين يديه علم مذهب مركوز فسمعته يقول: أين أبو حمزة؟ فأقبل شيخ قصير على فرس، فلما دنا عرفت وجهه، فإذا هو شيخ كان يعمل القلانس على باب دار ابن مسعود بالكوفة فقال له: خذ هذا العلم فقف به على الميسرة ولا تبرح.
قال: فأخذ العلم ووقف في الميسرة، والتقى الصفان، وقتل إبراهيم فانهزم أصحابه وإنه لواقف مكانه، فقيل له: ألا ترى صاحبك قد قتل وذهب الناس؟ قال: إنه قال لي: لا تبرح، فقاتل حتى عقر به، ثم قاتل راجلا حتى قتل.
أخبر عمر ويحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا محمد بن زياد قال: حدثني الحسن بن حفص، قال: سمعت شراحيل بن الوضاح يقول:
كنت مع عيسى بن موسى بباخمرى فهزمنا حتى جعل عيسى يقول: أهي هي؟.
وأنا أقول في نفسي: اللهم حققها، حتى وردنا على جدول، فو الله ما تركته ينفذ حتى عبرناه معا.
[ ٢٩٧ ]
حدثنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني سهل بن عقيل، قال: حدّثني سلم بن فرقد «١»، قال: وحدثني غيره، قال:
لما التقوا هزم عيسى وأصحابه هزيمة قبيحة حتى دخل أوائلهم الكوفة، وأمر أبو جعفر بإعداد الإبل والدواب على جميع أبواب الكوفة ليهرب عليها. «٢» قال أبو زيد: حدثني سهل بن عقيل «٣» عن سلم بن فرقد، قال: تبعهم أصحاب إبراهيم، وكان محمد بن أبي العباس معسكرا في ناحية، فلما رآهم لفّ أعلامه وانهزم، وأخذ على مسنّاة منهزما، وكان في المسنّاة تعريج فنظروا إليه وقد صار في طرفيها وبعد عنهم، فكان يتبين لهم أنه خلفهم، وأنه كمين فصاحوا:
الكمين الكمين، فانهزموا، وجاء سهم بينهم فأصاب إبراهيم فسقط، وأسنده بشير الرحّال إلى صدره حتى مات إبراهيم وهو في حجره، وقتل بشير وإبراهيم على تلك الحال في حجره وهو يقول: «وكان أمر الله قدرا مقدورا» «٤» .
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أخي أحمد، وحفص بن حكيم:
أن أبا جعفر وجل من إبراهيم حتى جعل يقول ويلك يا ربيع «٥» فكيف ولم ينلها أبناؤها. فأين إمارة الصبيان؟.
أخبرنا يحيى بن علي، وعمر، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني رجل عن هشام بن محمد، قال: صبر مع إبراهيم أربعمائة يضاربون دونه حتى قتل فجعلوا يقولون: أردنا أن نجعلك ملكا فأبى الله إلّا أن يجعلك شهيدا، حتى قتلوا معه.
[ ٢٩٨ ]
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا عمر، قال حدثني عبد الحميد أبو جعفر، قال:
سألت أبا صلابة: كيف قتل إبراهيم؟.
قال: إني لأنظر إليه واقفا على دابة محمد بن يزيد «١»، ينظر إلى أصحاب عيسى وقد ولّوا ومنحوه أكتافهم، ونكص عيسى برايته القهقري، وأصحابه يقتلونهم وعلى إبراهيم قباء زرد، فأذاه الحر فحلّ أزرار القباء فشال الزّرد «٢» حتى سال على يديه، وحسر عن لبّته، فأتته نشّابة عائرة فأصابت لبّته، فرأيته اعتنق فرسه وكرّ راجعا، وأطافت به الزيدية «٣» .
قال أبو زيد: فحدثني ابن أبي الكرام [الجعفري] أنه شهد الأقطع مولى عيسى بن موسى وقد أتاه فقال: هذا وحياتك رأس إبراهيم في مخلاتي، فقال لي: اذهب فانظر فإن كان رأسه فاحلف لي بالطلاق حتى أصدقك، وإن لم يكن رأسه فاسكت، فأتيته فقلت: أرنيه فأخرجه يختلج خدّه، فقلت ويلك، كيف وصلت إليه؟ قال: أتته نشابة فأصابته فصرع، وأكب عليه أصحابه يقبلون يديه ورجليه، فعلمت أنه هو، فعلمت مكانه، وجعل أصحابه يقاتلون دونه لا يبالون، فلما قتلوا أتيته واحتززت رأسه. قال: فأتيت عيسى فأخبرته فنادى بالأمان.
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال حدثني إبراهيم بن سلم، عن أخيه علي قال:
لما انهزمنا يومئذ صرنا إلى عيسى بن زيد فصبر مليا ثم قال: ما بعد هذا متلوّم «٤»، وانحاز فصرنا معه إلى قصره، فكنا فيه، فأزمعنا على أن نبيّت عيسى ابن موسى فلما انتصف الليل فقدنا عيسى فانتقض أمرنا.
[ ٢٩٩ ]
أخبرنا يحيى بن علي، وعمر، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني علي بن أبي هاشم، قال: حدثنا إسماعيل بن عليّة «١»، قال:
خرج إبراهيم في رمضان، سنة خمس وأربعين ومائة، وقتل في ذي الحجة «٢»، وكان شعارهم: أحد أحد.
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال:
قتل إبراهيم يوم الاثنين ارتفاع النهار لخمس بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة، وأتى أبو جعفر برأسه ليلة الثلاثاء، وبينه وبين مقتله ثمانية عشر ميلا، فلما أصبح يوم الثلاثاء أمر برأس إبراهيم فنصب بالسوق فرأيته منصوبا مخضوبا بالحناء.
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال حدثني عبد الحميد أبو جعفر. قال: أخرج رأس إبراهيم.
[فخرجت ومنادي أبي جعفر ينادي هذا رأس الفاسق ابن الفاسق، فرأيت رأس إبراهيم] «٣» في سفط أحمر، في منديل أبيض، قد غلّف بالغالية، فنظرت إلى وجهه رجلا سايل (؟) رجل سائل الخدين، خفيف العارضين، أقنى، قد أثر السجود بجبهته وأنفه، وشخص ابن أبي الكرام برأسه إلى مصر.
حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني الحسين بن علي السلولي، قال:
حدثنا أحمد بن زيد، قال حدثنا عمي أبو معمر سعيد بن خيثم، قال حدثني يونس بن أبي يعقوب، قال: حدثنا جعفر بن محمد من فيه إلى أذني، قال:
لما قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بباخمرى حسرنا عن المدينة، ولم يترك فيها منّا محتلم «٤»، حتى قدمنا الكوفة، فمكثنا فيها شهرا نتوقع فيها القتل، ثم
[ ٣٠٠ ]
خرج إلينا الربيع الحاجب فقال: أين هؤلاء العلوية؟ أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى. قال: فدخلنا إليه أنا والحسن بن زيد، فلما صرت بين يديه قال لي: أنت الذي تعلم الغيب؟.
قلت: لا يعلم الغيب إلّا الله.
قال: أنت الذي يجبي إليك هذا الخراج؟.
قلت: إليك يجبى- يا أمير المؤمنين- الخراج.
قال: أتدرون لم دعوتكم؟ قلت: لا.
قال: أردت أن أهدم رباعكم، وأروع قلوبكم، وأعقر نخلكم، وأترككم بالسراة، لا يقربكم أحد من أهل الحجاز، وأهل العراق فإنهم لكم مفسدة.
فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن سليمان أعطى فشكر، وإن أيوب ابتلى فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت من ذلك النسل.
قال: فتبسم وقال: أعد عليّ، فأعدت فقال: مثلك فليكن زعيم القوم، وقد عفوت عنكم، ووهبت لكم جرم أهل البصرة، حدّثني الحديث الذي حدّثتني عن أبيك، عن آبائه، عن رسول الله ﵌.
قلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي، عن رسول الله (ص): صلة الرّحم تعمر الديار، وتطيل الأعمار، وإن كانوا كفّارا.
فقال: ليس هذا.
فقلت: حدّثني أبي، عن آبائه، عن علي، عن رسول الله (ص)، قال:
الأرحام معلقة بالعرش تنادي: اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني.
قال: ليس هذا.
فقلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي عن رسول الله (ص) أن الله ﷿ يقول: «أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتّته» .
قال: ليس هذا الحديث.
[ ٣٠١ ]
قلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي عن رسول الله (ص) أن ملكا من الملوك في الأرض كان بقي من عمره ثلاث سنين، فوصل رحمه فجعلها الله ثلاثين سنة.
فقال: هذا الحديث أردت، أيّ البلاد أحب إليك؟ فو الله لأصلن رحمي إليكم.
قلنا: المدينة، فسرّحنا إلى المدينة، وكفى الله مؤنته.
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني عمر بن إسماعيل بن صالح بن هيثم، قال: حدثني عيسى بن رؤبة، قال:
لما جيء برأس إبراهيم فوضع بين يدي أبي جعفر بكى حتى رأيت دموعه على خدي إبراهيم، ثم قال: أما والله إن كنت لهذا كارها «١»، ولكنك ابتليت بي، وابتليت بك «٢» .
حدثني أحمد بن محمد الهمداني، قال: قال يحيى بن الحسن، حدثني غير واحد عن علي بن الحسن، عن يحيى بن الحسين بن زيد عن أبيه الحسين عن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، قال:
كنت عند المنصور حين جيء برأس إبراهيم بن عبد الله، فأتى به في ترس حتى وضع بين يديه، فلما رأيته نزت من أسفل بطني غصّة فسدت حلقي،
[ ٣٠٢ ]
فجعلت أداري ذلك مخافة أن يفطن بي، فالتفت إليّ فقال لي: يا أبا محمد أهو هو؟.
قلت: نعم يا أمير المؤمنين ولوددت أن الله فاء به إلى طاعتك، وإنك لم تكن نزلت منه بهذه المنزلة.
قال: فأنا وإلّا فأمّ موسى الطلاق «١» - وكانت من غاية أيمانه- لوددت أن الله فاء به إلى طاعتي، وأني لم أكن نزلت منه بهذه المنزلة، ولكنه أراد أن ينزلنا بها، وكانت أنفسنا أكرم علينا من نفسه.
حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن الحسين، قال: حدثنا هارون بن موسى، قال: حدثني عبد الله بن نافع، قال:
لما وضع رأس إبراهيم بين يدي أبي جعفر تمثل «٢»:
فألقت عصاها واستقرت بها النّوى كما قرّ عينا بالإياب المسافر «٣»
أخبرنا عمر بن عبد الله العتكي، ويحيى بن علي، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا محمد بن زياد، قال: حدّثني الحسن بن جعفر، قال:
كنت بالكوفة فرأيت فلّ «٤» عيسى بن موسى قد دخل الكوفة نهارا، فلما كان الليل رأيت فيما يرى النائم كأن نعشا تحمله رجال يصعدون به إلى السماء ويقولون: من لنا بعدك يا إبراهيم؟ قال: وأيقظني أخي من نومي فقلت: ما لك؟ فقال: أسمع التكبير على باب أبي جعفر، ولا والله ما كبّروا باطلا، فإذا الخبر قد جاء بقتل إبراهيم [بن عبد الله] بن الحسن بن الحسن.
[ ٣٠٣ ]