وعبد الله بن معاوية «٢» بن عبد الله بن جعفر بن علي بن أبي طالب ﵇. ويكنى أبا معاوية. وإيّاه عني إبراهيم بن هرمة بقوله «٣»:
أحب مدحا أبا معاوية الما جد لا تلقه حصورا عييا
بل كريما يرتاح للمجد بسّا ما إذا هزه السؤال حييا «٤»
إن لي عنده وإن رغم الأع داء ودا من نفسه وقفيا
إن أمت تبق مدحتي وثنائي وإخائي من الحياة مليا «٥»
يا ابن أسماء فاسق دلوى فقد أو ردتها مشربا يثجّ رويا «٦»
يعني أمه أسماء، وهي أم عون بنت العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب «٧» .
وكان عبد الله بن معاوية جوادا فارسا شاعرا، ولكنه كان سيئ السيرة، رديء المذهب، قتالا، مستظهرا ببطانة السوء ومن يرمى بالزندقة، ولولا أن يظن أن خبره لم يقع علينا لما ذكرناه مع من ذكرناه. ولا بد من ذكر بعض أخباره.
[ ١٥٢ ]
حدّثني أحمد بن عبد الله بن عمّار، قال: حدّثني علي بن محمد النوفلي، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمي عيسى، قال:
كان عمارة بن حمزة يرمى بالزندقة، فاستكتبه عبد الله بن معاوية، وكان له نديم يعرف بمطيع بن إيّاس «١»، وكان زنديقا مأبونا، وكان له نديم آخر يعرف بالبقلي وإنما سمي بذلك لأنه كان يقول الإنسان كالبقلة فإذا مات لم يرجع، قتله المنصور بعد أن أفضت إليه الخلافة. وكان هؤلاء الثلاثة خاصته، وكان له صاحب شرطة يقال له: قيس وكان دهريا لا يؤمن بالله، معروفا بذلك، فكان يعس بالليل فلا يلقاه أحد إلّا قتله، فدخل يوما على ابن معاوية، فلما رآه قال:
إن قيسا وإن تقنّع شيبا لخبيث الهوى على شمطه
ابن تسعين منظرا وشيبا وابن عشرين يعدّ في سقطه
فأقبل على مطيع فقال: أجز أنت. فقال:
وله شرطة إذا جنّه اللي ل فعوذوا بالله من شرطه «٢»
قال أبو العباس بن عمّار: أخبرني أحمد بن الحرث الخراز «٣»، عن المدائني، عن أبي اليقظان، وشهاب بن عبد الله «٤» وغيرهما. قال ابن عمّار:
وحدثني سليمان بن أبي شيخ، عمن ذكره:
إن ابن معاوية كان يغضب على الرجل فيأمر بضربه بالسياط، وهو يتحدث، ويتغافل عنه حتى يموت تحت السياط. وأنه فعل ذلك برجل فجعل يستغيث فلا يلتفت إليه، فناداه يا زنديق، أنت الذي تزعم أنه يوحى إليك.
فلم يلتفت إليه، وضربه حتى مات «٥» .
حدّثني أحمد بن عبيد الله [بن عمّار]، قال: حدثني النوفلي، عن أبيه،
[ ١٥٣ ]
عن عمّه عيسى، قال:
كان ابن معاوية أقسى خلق الله قلبا، فغضب على غلام له، وأنا عنده جالس في غرفة بأصبهان، فأمر أن يرمي به منها إلى أسفل، ففعل ذلك به، فسقط وتعلّق بدرابزين كان على الغرفة، فأمر بقطع يده التي أمسكه بها، فقطعت وخرّ الغلام يهوي حتى بلغ الأرض فمات. وكان مع هذه الأحوال من ظرفاء بني هاشم، وشعرائهم، وهو الذي يقول:
ألا تزغ القلب عن جهله وعما تؤنب من أجله
فيبدل بعد الصبي حكمة ويقصر ذو العذل عن عذله «١»
فلا تركبنّ الصنيع الذي تلوم أخاك على مثله «٢»
ولا يعجبنك قول امرئ يخالف ما قال في فعله
ولا تتبع الطرف ما لا ينال ولكن سل الله من فضله
وكم من مقل ينال الغنى ويحمد في رزقه كله «٣»
أنشدنا هذا [الشعر] ابن عمّار، عن أحمد بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين.
وذكر محمد بن علي بن حمزة العلوي أن يحيى بن معين أنشد له:
إذا افتقرت نفسي قصرت افتقارها عليها فلم يظهر لها أبدا فقر
وإن تلقني في الدهر مندوحة الغنى يكن لأخلائي التوسع واليسر «٤»
فلا العسر يزري بي إذا هو نالني ولا اليسر يوما إن ظفرت هو الفخر «٥»
أنشدنا أحمد [بن محمد] بن سعيد [بن عقدة] قال:
أنشدني يحيى بن الحسن لعبد الله بن معاوية في الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس «٦»:
[ ١٥٤ ]
قل لذي الود والوفاء حسين اقدر الودّ بيننا قدره
ليس للدّابغ المقرظ بدّ من عتاب الأديم ذي البشرة
[قال]: وقال أيضا:
إن ابن عمّك وابن أم ك معلم شاكي السّلاح
يقص العدو وليس ير ضى حين يبطش بالجراح «١»
لا تحسبن أذى ابن عم ك شرب ألبان اللّقاح
بل كالشجا تحت اللها ة إذا يسوغ بالقراح «٢»
فانظر لنفسك من يحبك تحت أطراف الرماح
من لا يزال يسوءه بالغيب أن يلحاك لاح «٣»
(ذكر السبب في خروجه ومقتله) أخبرني به أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدّثني علي بن محمد النوفلي، عن أبيه ومشايخه. قال: علي بن الحسين: وأضفت إلى ذلك ما ذكره محمد بن علي بن حمزة في كتابه:
قالوا: لما بويع ليزيد بن الوليد الذي يقال له يزيد الناقص، تحرّك عبد الله بن معاوية بالكوفة، ودعا الناس إلى بيعته علي الرّضا من آل محمد، ولبس الصوف، وأظهر سيماء الخير، فاجتمع إليه نفر من أهل الكوفة فبايعوه، ولم يجتمع أهل المصر كلهم عليه، وقالوا له: ما فينا بقية فقد قتل جمهورنا مع أهل هذا البيت، وأشاروا عليه بقصد فارس ونواحي المشرق، فقبل ذلك، وجمع جموعا من النواحي، وخرج معه عبد الله بن العباس التميمي «٤» .
قال علي بن الحسين: قال محمد بن حمزة، عن سليمان بن أبي شيخ، عن محمد بن الحكم، عن عوانة: أن ابن معاوية قبل قصده المشرق ظهر
[ ١٥٥ ]
بالكوفة ودعا الناس إلى نفسه، وعلى الكوفة يومئذ عامل ليزيد الناقص يقال له:
عبد الله بن عمر، فخرج إلى ظاهر الكوفة مما يلي الحرة، فقاتل ابن معاوية قتالا شديدا «١» .
قال علي بن الحسين، قال محمد بن علي بن حمزة، عن المدائني، عن عامر بن حفص «٢»، وأخبرني به ابن عمّار، عن أحمد بن الحرث، عن المدائني:
أن ابن عمر هذا دسّ إلى رجل من أصحاب ابن معاوية من وعد عنه بمواعيد على أن ينهزم عنه، وينهزم الناس بهزيمته «٣»، فبلغ ذلك ابن معاوية فذكره لأصحابه وقال: إذا انهزم ابن ضمرة «٤» فلا يهولنكم. فلما التقوا انهزم ابن ضمرة، وانهزم الناس معه، فلم يبق غير ابن معاوية، فجعل يقاتل وحده ويقول:
تفرقت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد
ثم ولّى وجهه منهزما فنجا وجعل [يقول للناس، و] «٥» يجمع من الأطراف والنواحي من أجابه، حتى صار في عدة، فغلب على مياه الكوفة، ومياه البصرة، وهمدان، وقم، والري، وقومس وإصبهان، وفارس، وأقام هو بإصبهان «٦» .
قال: وكان الذي أخذ له البيعة بفارس محارب «٧» بن موسى مولى بني
[ ١٥٦ ]
يشكر فدخل دار الإمارة بنعل ورداء، فاجتمع الناس إليه فأخذهم بالبيعة فقالوا: علام نبايع؟ فقال: على ما أحببتم وكرهتم. فبايعوه على ذلك.
وكتب عبد الله بن معاوية، فيما ذكر محمد بن علي بن حمزة، عن عبد الله بن محمد بن إسماعيل الجعفري، عن أبيه، عن عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن جعفر بن الوليد مولى أبي هريرة [ومحرز بن جعفر] «١» .
أن عبد الله بن معاوية كتب إلى الأمصار يدعو إلى نفسه لا إلى الرضا من آل محمد. قال: واستعمل أخاه الحسن على اصطخر، وأخاه يزيد على شيراز، وأخاه عليا على كرمان، وأخاه صالحا على قم ونواحيها. وقصدته بنو هاشم جميعا، منهم السفاح، والمنصور [وعيسى بن علي. وقال ابن أبي خيثمة، عن مصعب: وقصده وجوه قريش من بني أمية وغيرهم، فمن قصده من بني أمية سليمان بن هشام بن عبد الملك، وعمر بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان] «٢»، فمن أراد منهم عملا قلّده، ومن أراد صلة وصله. فلم يزل مقيما في هذه النواحي التي غلب عليها حتى ولى مروان بن محمد الذي يقال له: مروان الحمار، فوجّه إليه عامر بن ضبارة «٣» في عسكر كثيف، فسار إليه حتى إذا قرب من أصبهان ندب ابن معاوية أصحابه إلى الخروج إليه وقتاله، فلم يفعلوا ولا أجابوه، فخرج على دهش هو وإخوته قاصدين لخراسان، وقد ظهر أبو مسلم بها، ونفى عنها «٤» نصر بن سيار، فلما صار في طريقه نزل على رجل من التناء ذي مروءة ونعمة وجاءه فسأله معونته. فقال: أنت من ولد رسول الله (ص)؟ قال: لا.
قال: أفأنت إبراهيم الإمام الذي يدعى له بخراسان؟ قال: لا. قال:
فلا حاجة لي في نصرتك.
فخرج إلى أبي مسلم وطمع في نصرته فأخذه أبو مسلم فحبسه عنده «٥» .
[ ١٥٧ ]
واختلف في أمره بعد محبسه. فقال بعض أهل السير: إنه لم يزل محبوسا حتى كتب إلى أبي مسلم رسالته المشهورة التي أولها:
من الأسير في يديه المحبوس بلا جرم لديه «١»، وهي طويلة لا معنى لذكرها ها هنا. فلما كتب إليه بذلك أمر بقتله «٢» .
وقال آخرون: بل دس إليه سما فمات منه، ووجه برأسه إلى ابن ضبارة، فحمله إلى مروان.
وقال آخرون: سلمه حيا إلى ابن ضبارة فقتله، وحمل رأسه إلى مروان.
أخبرني عمر بن عبد الله العتكي، قال: حدثنا عمر بن شبه قال: حدثنا محمد بن يحيى: أن عمر بن عبد العزيز بن عمران حدثه عن محمد بن عبد العزيز «٣»، عن عبد الله بن الربيع، عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة:
أنه حضر مروان يوم الزّاب، وهو يقاتل عبد الله بن علي [فسأل عنه] «٤» فقيل: هو الشاب المصفّر الذي كان يسب عبد الله بن معاوية يوم جيء برأسه إليك. فقال: والله لقد هممت بقتله مرارا،- كل ذلك يحال بيني وبينه، وكان أمر الله قدرا مقدورا، والله «٥» لوددت أن علي بن أبي طالب يقاتلني مكانه، فقلت: أتقول مثل هذا لعلي في موضعه ومحله؟ قال: لم أرد الموضع والمحل،
[ ١٥٨ ]
ولكن عليا وولده لا حظّ لهم في الملك. فلما ورد الخبر على أبي جعفر المنصور أن إبراهيم بن عبد الله بن حسن هزم عيسى بن موسى، أراد الهرب، فحدثته بهذا الحديث، فقال: بالله الذي لا إله إلّا هو إنك صادق؟ فقلت: بنت سفيان بن معاوية طالق ثلاثا إني لصادق.
وكان مخرج عبد الله بن معاوية في سنة سبع وعشرين ومائة «١» .
وفيه يقول أبو مالك الخزاعي:
تنكرت الدنيا خلاف ابن جعفر علي وولّي طيبها وسررها