وممن أخذه أبو جعفر من آل أبي طالب، وحبسه، وضربه بالسوط من أصحاب محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب:- الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
أمه وأم إخوته: يزيد، وصالح ابني معاوية: فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب «٧» وأمها أم ولد.
[ ٢٦٢ ]
وخرجوا جميعا مع محمد بن عبد الله «١» . واستعمل الحسن بن معاوية على مكة «٢» .
فلما قتل محمد بن عبد الله أخذه أبو جعفر فضربه بالسوط وحبسه. فلم يزل في الحبس حتى مات أبو جعفر، فأطلقه المهدي.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير، قال: حدّثني عيسى بن عبد الله قال:
دخل عيسى بن موسى على المنصور، فقال: ألا أبشرك؟ قال: بماذا؟
قال: ابتعت وجه دار عبد الله بن جعفر من بني معاوية بن عبد الله الحسن «٣»، ويزيد، وصالح.
فقال له [أتفرح؟] «٤» والله ما باعوك إيّاها إلّا ليقووا بثمنها عليك.
فخرج الحسن، ويزيد، وصالح، مع محمد بن عبد الله.
أخبرني الحرمي بن العلاء، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثني غسان، عن أبيه قال: حدثني محمد بن إسحاق بن القاسم بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
أن محمد بن عبد الله بعث الحسن، والقاسم بن إسحاق إلى مكة «٥»، واستعمل الحسن على مكة، والقاسم على اليمن.
أخبرني عمر العتكي، والجوهري، ويحيى بن علي، عن عمر بن شبّة، عن عبد الله بن إسحاق، وهو أخو محمد بن إسحاق، الذي روى عنه الزبير،
[ ٢٦٣ ]
قال: حدّثني عبد الله بن يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، قال:
أراد بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر- وكانوا خرجوا مع محمد بن عبد الله- أن يظهروا بعد قتله. فقال أبي للحسن «١» بن معاوية: لا نظهر جميعا، فإنا إن فعلنا أخذك جعفر بن سليمان من بيننا. قال: وجعفر يومئذ على المدينة. فقال لا بد من الظهور.
فقال له: فإن كنت فاعلا فدعني أتغيب فإنه لا يقدم عليك ما دمت متغيبا.
قال: لا خير في عيش لست فيه.
فلما ظهروا أخذ جعفر بن سليمان الحسن، فقال له: أين المال الذي أخذته بمكة؟.
وكان أبو جعفر قد كتب إلى جعفر بن سليمان أن يجلد حسنا إن ظفر به.
فلما سأله عن المال قال: أنفقناه فيما كنا فيه وذاك شيء قد عفا عنه أمير المؤمنين.
قال: وجعل جعفر بن سليمان يكلمه، والحسن يبطئ في جوابه، فقال له جعفر: أكلمك ولا تجيبني! قال: ذلك يشق عليك، لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا.
قال: فضربه أربعمائة سوط، وحبسه. فلم يزل محبوسا حتى مات أبو جعفر، وقام المهدي فأطلقه وأجازه.
قال أبو زيد: وحدثني عيسى بن عبد الله، قال:
لما ضرب جعفر بن سليمان الحسن بن معاوية قال: أين كنت؟ فاستعجم عليه، فقال له: علي وعليّ إن أقلعت عنك أبدا أو تخبرني أين كنت؟.
قال: كنت عند غسان بن معاوية، مولى عبد الله بن الحسن. فبعث جعفر إلى منزل غسان فهرب منه، فهدم داره، ثم جاء بعد فأمّنه.
[ ٢٦٤ ]
قال: ولم يكن الحسن عند غسان إنما كان عند نفيس صاحب قصر نفيس «١»:
قال أبو زيد: فحدثني عيسى بن عبد الله، قال:
لم يزل الحسن بن معاوية في حبس جعفر بن سليمان، حتى حج أبو جعفر، فعرضت له حمادة بنت معاوية، فصاحت به: يا أمير المؤمنين، الحسن بن معاوية قد طال حبسه فانتبه له، وقد كان ذهل عنه، فسار به معه حتى وضعه في حبسه، ولم يزل محبوسا حتى ولي المهدي.
قال الزبير في خبره الذي أخبرني به الحرمي، عن الزبير، قال: حدّثني عبد الله بن الحسن بن القاسم:
أن الحسن بن معاوية قال لأبي جعفر، وهو في السجن، وقد أتاه نعي أخيه يزيد بن معاوية، يستعطفه على ولده:
إرحم صغار بني يزيد إنهم يتموا لفقدي لا لفقد يزيد
وارحم كبيرا سنّه متهدما في السجن بين سلاسل وقيود
ولئن أخذت بجرمنا وجزيتنا لنقتلن به بكل صعيد
أو عدت بالرّحم القريبة بيننا ما جدّكم من جدّنا ببعيد
قال أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني:
ومن مختار ما رثى به محمد بن عبد الله من الشعر، قول غالب بن عثمان الهمداني أنشدنيه عمر بن عبد الله العتكي، عن عمر بن شبّة:
يا دار هجت لي البكاء فأعولي حيّيت منزلة دثرت ودار
[ ٢٦٥ ]
بالجزع من كنفي سويقة أصبحت كالبرد بعد بني النبيّ قفارا «١»
الحاملين إذا الحمالة أعجزت والأكرمين أرومة ونجارا
والممطرين إذا المحول تتابعت دررا تداولها المحول غزارا
والذّائدين إذا المخافة أبرزت سوق الكواعب يبتدرن حصارا
وثبت نتيلة وثبة بعلوجها كانت على سلفي نتيلة عارا
فتصلمت ساداتها وتهتّكت حرما محصّنة الخدور كبارا
ولغت دماء بني النبي فأصبحت خضبت بها الأشداق والأظفارا
لا تسقني بيديك إن لم أبتعث لبني نتيلة جحفلا جرّارا «٢»
لجبا يضيق به الفضاء عرمرما يغشى الدكادك قسطلا موّارا «٣»
فيه بنات بني الصريح ولا حق قبّا تغادر في الخليف مهارا «٤»
يخرجن من خلل الغبار عوابسا يورين في حصب الأماعز نارا «٥»
فننال في سلفي نتيلة ثارنا فيما ينال وندرك الأوتارا
وقال أبو الحجاج الجهني:
بكر النعيّ بخير من وطيء الحصى ذي المكرمات وذي الندى والسؤدد «٦»
بالخاشع البرّ الذي من هاشم أمسى ثقيلا في بقيع الغرقد «٧»
[ ٢٦٦ ]
ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه أن قام مجتهدا بدين محمد «١»
وقال عبد الله بن مصعب «٢»:
سالت دموعك ضلّة قد هجت لي برحاء وجد يبعث الأحزانا «٣»
هلّا على المهدي وابني مصعب أذريت دمعك ساكبا تهتانا
ولفقد إبراهيم حين تصدّعت عنه الجموع فواجه الأقرانا «٤»
والله ما ولد الحواضن مثله أمضى وأرفع محتدا ومكانا «٥»
وأشدّ ناهضة وأقول للتي تتقي مصارع أهلها العدوانا «٦»
رزء لعمرك لو يصاب بمثله ميطان صدّع رزؤه ميطانا»
وقال عبد الله بن مصعب أيضا «٨» . أنشدنيه ابن سعيد عن يحيى بن الحسن، عن اسماعيل بن يعقوب:
يا صاحبيّ دعا الملامة واعلما أن لست في هذا بألوم منكما «٩»
وقفا بقبر ابن النبي وسلّما لا بأس أن تقفا به فتسلما
قبر تضمّن خير أهل زمانه حسبا وطيب سجية وتكرّما «١٠»
[لم يجتنب قصد السبيل ولم يحد عنه ولم يفتح بفاحشة فما] «١١»
[ ٢٦٧ ]
بطل يخوض بنفسه غمراتها لا طائشا رعشا ولا مستسلما «١»
حتى مضت فيه السيوف وربّما كانت حتوفهم السيوف وربّما
أضحى بنو حسن أبيح حريمهم فينا وأصبح نهبهم متقسّما
ونساؤهم في دورهنّ نوائح سجع الحمام إذا الحمام ترنّما
يتوسّلون بقتلهم ويرونه شرفا لهم عند الإمام ومغنما «٢»
والله لو شهد النبيّ محمد صلّى الإله على النبي وسلّما
إشراع أمّته الأسنّة لابنه حتى تقطّر من ظباتهم دما
حقّا لأيقن أنهم قد ضيّعوا تلك القرابة واستحلوا المحرما
وقال إبراهيم بن عبد الله يرثي أخاه:
سأبكيك بالبيض الرّقاق وبالقنا فإنّ بها ما يدرك الطالب الوترا
وإنّا أناس لا تفيض دموعنا على هالك منّا ولو قصم الظّهرا
ولست كمن يبكي أخاه بعبرة يعصّرها من جفن مقلته عصرا
ولكنني أشفي فؤادي بغارة ألهّب في قطري كتائبها جمرا