وإدريس بن عبد الله «٢» بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇ وأمه عاتكة بنت عبد الملك بن الحرث الشاعر بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. وفي خالد بن العاص يقول الشاعر:
لعمرك إن المجد ما عاش خالد على الغمر من ذي كندة لمقيم
يعني غمر ذي كندة وهو موضع كان ينزله. وقد ذكره عمر بن أبي ربيعة في شعره فقال «٣»:
إذا سلكت غمر ذي كندة مع الصبح قصدا لها الفرقد
يمر بك العصران يوم وليلة فما أحدثا إلّا وأنت كريم
وتندي البطاح البيض من جود خالد وتخصب حتى نبتهن عميم «٤»
حدثني بخبره أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: حدثني أبي وغيره من أهلي، وحدثني به أيضا علي «٥» بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إلى محمد بن موسى يخبرني عن محمد بن يوسف عن عبد الله بن عبد الرحيم بن عيسى:
[ ٤٠٦ ]
أن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن أفلت من وقعة فخ «١» ومعه مولى يقال له راشد فخرج به في جملة حاج مصر وإفريقية. وكان إدريس يخدمه ويأتمر له حتى أقدمه مصر «٢» فنزلها ليلا فجلس على باب رجل من موالي بني العباس فسمع كلامهما وعرف الحجازية فيهما. فقال: أظنكما عربيين «٣» . قالا: نعم. قال:
وحجازيين. قالا: نعم. فقال له راشد: أريد أن ألقى إليك أمرنا على أن تعاهد الله أنك تعطينا خلة من خلتين: إما أن تؤوينا وتؤمننا، وإما سترت علينا أمرنا حتى نخرج من هذا البلد.
قال: افعل: فعرفه نفسه وإدريس بن عبد الله، فآواهما وسترهما. وتهيأت قافلة إلى إفريقية فأخرج معها راشدا إلى الطريق وقال له: إن على الطريق مسالح ومعهم أصحاب أخبار تفتش كل من يجوز الطريق، وأخشى أن يعرف، فأنا أمضي به معي على غير الطريق حتى أخرجه عليك بعد مسيرة أيام، وهناك تنقطع المسالح. ففعل ذلك وخرج به عليه فلما قرب من إفريقية ترك القافلة ومضى مع راشد حتى دخل بلد البربر في مواضع منه يقال لها فاس وطنجة، فأقام بها واستجابت له البربر.
وبلغ الرشيد خبره فغمه، فقال النوفلي خاصة في حديثه وخالفه علي بن إبراهيم وغيره فيه، فشكا ذلك إلى يحيى بن خالد، فقال: أنا أكفيك أمره. ودعا سليمان بن جرير الجزري «٤»، وكان من متكلمي الزيدية البترية «٥» ومن أولى الرياسة فيهم، فأرغبه ووعده عن الخليفة بكل ما أحب على أن يحتال لإدريس حتى يقتله، ودفع إليه غانية مسمومة، فحمل ذلك وانصرف من عنده، فأخذ معه صاحبا له، وخرج يتغلغل في البلدان حتى وصل إلى إدريس بن عبد الله فمتّ إليه بمذهبه وقال: إن السلطان طلبني لما يعلمه من مذهبي، فجئتك. فأنس به واجتباه. وكان ذا لسان وعارضة، وكان يجلس في مجلس البربر فيحتج للزيدية ويدعو إلى أهل البيت كما كان
[ ٤٠٧ ]
يفعل، فحسن موقع ذلك من إدريس إلى أن وجد فرصة لإدريس فقال له: جعلت فداك، هذه قارورة غالية حملتها إليك من العراق، ليس في هذا البلد من هذا الطيب شيء. فقبلها وتغلل بها وشمّها، وانصرف سليمان إلى صاحبه، وقد أعدّ فرسين، وخرجا يركضان عليهما. وسقط إدريس مغشيّا عليه من شدة السم فلم يعلم من بقربه ما قصته. وبعثوا إلى راشد مولاه فتشاغل به ساعة يعالجه وينظر ما قصته، فأقام إدريس في غشيته هاته نهاره حتى قضي عشيا، وتبين راشد أمر سليمان فخرج في جماعة يطلبه فما لحقه غير راشد وتقطعت خيل الباقين، فلما لحقه ضربه ضربات منها على رأسه ووجهه، وضربة كتعت أصابع يديه «١» وكان بعد ذلك مكتعا.
هذه رواية النوفلي.
وذكر علي بن إبراهيم، عن محمد بن موسى:
أن الرشيد وجه إليه الشّماخ مولى المهدي، وكان طبيبا «٢»، فأظهر له أنه من الشيعة وأنه طبيب، فاستوصفه فحمل إليه سنونا «٣» وجعل فيه سما، فلما استن به جعل لحم فيه ينتثر وخرج الشماخ هاربا حتى ورد مصر. وكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولّى الشماخ بريد مصر وأجازه.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال:
حدثني داود بن القاسم الجعفري:
أن سليمان بن جرير أهدى إلى إدريس سمكة مشوية مسمومة فقتله، رضوان الله عليه ورحمته.
قالوا: وقال رجل من أولياء بني العباس يذكر قتل إدريس «٤» بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇.
أتظن يا إدريس أنك مفلت كيد الخليفة أو يقيك فرار «٥»
فليدركنّك أو تحلّ ببلدة لا يهتدي فيها إليك نهار
[ ٤٠٨ ]
إن السيوف إذا انتضاها سخطه طالت وتقصر دونها الأعمار «١»
ملك كأن الموت يتبع أمره حتى يقال تطيعه الأقدار
قال ابن عمار: وهذا الشعر عندي يشبه شعر أشجع بن عمرو السلمي، وأظنه له.
قال أبو الفرج الأصبهاني:
هذا الشعر لمروان بن أبي حفصة، أنشدنيه علي بن سليمان الأخفش له.
قالوا:
ورجع راشد إلى الناحية التي كان بها إدريس مقيما فدفنه «٢»، وكان له حمل فقام له راشد بأمر المرأة حتى ولدت، فسمّاه باسم أبيه إدريس، وقام بأمر البربر حتى كبر ونشأ فولى أمرهم أحسن ولاية.
وكان فارسا شجاعا جوادا شاعرا «٣»، وأنا أذكر خبره في موضعه من هذا الباب إن شاء الله تعالى «٤» .