البعثة
بدء الوحي:-
قالت عائشة - ﵂ -: " أول ما بدأ برسول الله من الوحي: الرؤيا الصادقة، فلا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه ". جاءه جبريل وهو يتحنث بالغار، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، فكررها. ثم قال في الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ الآية [العلق: ١ - ١٩]. فرجع إلى خديجة مسرعًا يرجف فؤاده وهو يقول: زملوني .. زملوني. فطمأنته، وأكدت له أن ربه لن يخذله لكرم خلقه، وذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر في الجاهلية. فأخبراه. فقال: " هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى. ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك ". كان ذلك في رمضان ١٣ ق. هـ. انقطع الوحي ٤٠ يومًا، فحزن الرسول - ﷺ -، ثم عاد إليه جبريل جالسًا على كرسي بين السماء والأرض في هيئته الحقيقة، فارتعب - ﷺ -، وعاد إلى خديجة وهو يقول: " دثروني. . دثروني. فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾ السورة. فتتابع الوحي بعدها (١).
_________________
(١) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما ذكره المؤلف فيه نظر وسورة المدثر من أوائل ما نزل من القرآن والسبب الذي ذكره نزل بعده سورة الضحى والقصة مشهورة.
[ ٥٧ ]
أنواع الوحي وتدرج الرسالة:-
على شكل رؤيا أو الإلقاء في الروع، أو يتمثل له رجلًا فيخاطبه أو يأتيه مثل صلصلة الجرس (وهو الأشد عليه)، أو على صورته الحقيقية (وهذا حصل مرتين)، وما أوحى الله إليه فوق السموات ليلة المعراج (١).
وقد تدرجت الرسالة، فنبأه الله بـ (اقرأ) ثم أرسله بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ فأمره أن ينذر أقاربه، ثم قومه، ثم العرب ثم العالمين.
* * *
مراحل الدعوة
* الدعوة في مكة:-
المرحلة السرية (الفردية):-
كان أول من آمن به من الرجال صاحبه أبو بكر الصديق، ومن النساء زوجه خديجه بنت خويلد، ومن الصبيان علي بن أبي طالب. ومن الموالي زيد بن حارثة. استمرت هذه المرحلة ثلاث سنين. كان الرسول - ﷺ - يجتمع بالمؤمنين في دار الأرقم بن أبي الأرقم يعلمهم أمور دينهم، وبدأت عداوة قريش فحمى الله رسوله - ﷺ - بعمه أبي طالب. وأما أصحابه فمن له عشيرة أو جيرة حمته، وأما الآخرين فقد تعرضوا لأشد أنواع العذاب فكان أمية بن خلف يلقي عبده بلال على رمضاء مكة في شدة الحر، ويقول له اكفر. فلا يزيد أن يردد: أحدٌ .. أحدٌ. وكان أبو جهل يسوم عمار ووالديه سوء
_________________
(١) مختصر السيرة، محمد بن عبد الوهاب ص: ٣٥.
[ ٥٨ ]
العذاب حتى قتل أمه سمية، فكانت أول شهيدة في الإسلام. وكان الرسول - ﷺ - يقول لهم: " صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ". وكان أبو بكر يشتري العبيد المعذبين فيعتقهم، فأعتق بلالًا، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، وغيرهم.
* * *
الدعوة الجهرية (العامة):-
أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. فصعد الرسول - ﷺ - إلى الصفا ودعا جماعته، فقال: " أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي، قالوا: نعم. ما جربنا عليك كذبًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " ثم دعاهم إلى الإيمان بالله. فقال عمه أبي لهب: تبًا لك. ألهذا جمعتنا؟، فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ السورة [المسد: ١ - ٥]. أخذ الرسول - ﷺ - يدعو أقاربه وجماعته. ثم أنزل الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. فدعا الناس عامة.
* * *
مقاومة قريش للدعوة:-
أسباب المقاومة:
- كان الصراع في الجزيرة يدور لأتفه الأسباب. وظهور دين جديد يهاجم معتقداتهم سبب وجيه لمحاربته.
- لم تفرق قريش بين النبوة وبين السيادة والملك. وظنوا أن الدين الجديد يسلم الزعامة لمحمد - ﷺ -.
[ ٥٩ ]
- ولأن الإسلام ساوى بين السادة والعبيد وهذا ما لم يتقبلوه.
- إنكار البعث. حيث أنكروا أن تعاد الحياة للإنسان فيحاسب على أعماله.
- تقليد الآباء. فقد قالوا: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤].
- كما ظن أهل مكة أن الكساد سيصيبهم. إذا بطلت عبادة الأصنام وأعرض الحجيج عن مكة (١).
رأت قريش في دعوة محمد - ﷺ - غير ما توقعت، فقد بدأت الدعوة تنتشر بين مختلف الفئات والطبقات، فبدأت تشن عليه حربًا شاملة، فكان الرسول - ﷺ - يدعو الناس في الأسواق والمنازل والأندية والمواسم، ويغتنم موسم الحج فيدعو القبائل. فكانت قريش توجه وراءه من يقول عنه أنه مجنون وساحر. فكان يلقى الصد ممن يدعوهم. اشتد أذى الكفار على أصحاب النبي - ﷺ - فقال لهم: " لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد " فكانت الهجرة إلى الحبشة.
* * *
الهجرة الأولى إلى الحبشة (٢):-
وكانت في السنة الخامسة من البعثة. وكانوا عشرة رجال وخمسة نسوة. وكان أميرهم عثمان بن مظعون.
ولقوا هناك حسن المعاملة، وأقاموا عدة شهور، ثم عادوا
إلى مكة، لما سمعوا أن قريش أسلمت، فعادت قريش إلى أذاهم.
_________________
(١) التاريخ الإسلامي. د/أحمد شاكر، ص ١٩٤، ١٩٧.
(٢) السيرة/ابن هشام، جـ ١/ص ٣٤٣.
[ ٦٠ ]
إسلام حمزة بن عبد المطلب (عم الرسول - ﷺ -):-
أسلم في السنة السادسة من البعثة، حيث علم بعد عودته من رحلة صيد، أن أبا جهل شتم محمدًا، فذهب إليه غاضبًا، وشج وجهه بقوسه وقال له: تشتم ابن أخي وأنا على دينه. لما أسلم حمزة عرفت قريش أن محمدًا - ﷺ - عزَّ، فقد كان حمزة أعزَّ فتًى في قريش.
* * *
إسلام عمر بن الخطاب:-
أسلم في نفس العام، وكان الرسول - ﷺ - قد دعا: " اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك " عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام (أبو جهل)، وبعد إسلامه صار المسلمون يصلون ويطوفون حول الكعبة.
* * *
طلب المعجزات:-
كان الكفار يطلبون منه المعجزات والآيات لتعجيزه - ﷺ -، فمن ذلك طلبوا منه شق القمر، فتحقق ذلك فقالوا: سحر. قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١، ٢]. وسألوه أن يجعل الصفا ذهبًا، قال تعالى على لسانهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]. وهذه لم تتحقق لحكمة أرادها الله. فلو
[ ٦١ ]
أنها تحققت ثم كذبوا بها، لأتاهم عذاب الاستئصال كما حصل للأمم السابقة.
وكانوا يرسلون إلى أهل الكتاب، يسألونهم عن أمره. قالت لهم اليهود: سلوه عن الروح، وعن رجل طواف، وعن أهل الكهف. فنزلت سورة الكهف وفيها الإجابة. واستمر العناد والضلال.
* * *
قول الوليد بن المغيرة في القرآن:-
استمع إليه فقال عنه: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر. وإن أسفله لمغدق الخ، وقال ما هو بمجنون، ولا كاهن، ولا شاعر، هو ساحر، فأنزل الله ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ١١ - ٢٦].
كانوا يعلمون صدقه ونبوته، ولكنهم كفروا حجودًا. قال أبو جهل: تنازعنا وبنو عبد مناف الشرف، وكنا كفرسي رهان. فقالوا: منا نبي. فمتى ندرك هذا. والله لا نسمع له أبدًا.
* * *
صور من أذى الكفار للنبي - ﷺ -:-
أخذت قريش تفكر في كل وسيلة للتخلص منه، حتى إنهم جاءوا إلى عمه أبي طالب بعمارة بن الوليد، وهو أحسن فتيان قريش. فقالوا: خذه وادفع إلينا محمد نقتله. فرفض بكل شدة. فهددوا بالحرب إن لم يفعل. فبعث إلى الرسول - ﷺ -، وأخبره بأمرهم، ونصحه بالكف عنهم. فقال الرسول - ﷺ -: " والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه "، فقال له عمه: والله لا أسلمك أبدًا.
[ ٦٢ ]
حصار بني هاشم في الشعب:-
اجتمع بنو هاشم على نصرة محمد، فقررت قريش مقاطعتهم، فلا بيع، ولا شراء، ولا زواج، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة، فدخل بنو هاشم شعب أبي طالب. ولبثوا ثلاث سنين حتى اشتد عليهم البلاء، حتى أنهم أكلوا من أوراق الشجر، ثم اتفق نفر من قريش على وجوب نقض الصحيفة فواجهوا بذلك قريشًا، وبعث الله (الأرضة) على الصحيفة فأتت عليها ولم تدع إلا: (باسمك اللهم) وأخبر الله رسوله - ﷺ - بذلك فأخبر عمه. فأخبر قريشًا واشترط عليهم إنهاء الحصار إذا كان الأمر كذلك، فأخرجوها، ووجدوا كما أخبر، فانتهي الحصار، وعادوا إلى مكة.
* * *
الهجرة الثانية إلى الحبشة وإسلام النجاشي:-
لما دخل بنو هاشم في الشعب طلب الرسول - ﷺ - من المستضعفين الهجرة، فهاجروا بأمرة جعفر بن أبي طالب، وكانوا ٨٣ رجل و١٩ امرأة. وأرسلت قريش برسالة وهدايا ورسل إلى النجاشي تطلب ردهم فاستمع إلى دفاعهم، فاقتنع أنهم أصحاب حق ورفض ردهم. وكتب الرسول - ﷺ - إلى النجاشي يدعوه للإسلام فأسلم.
* * *
وفاة خديجة - ﵂ - وأبي طالب:-
كانت وفاتهما، بعد انتهاء الحصار بأشهر (في السنة العاشرة من البعثة)، وقد حزن الرسول - ﷺ - حزنًا شديدًا لذلك. واشتد أذى قريش للرسول بعد ذلك؛ إذ كانا يحميانه من كل أذى. وكان أشد قريش إيذاء للرسول - ﷺ - عمه أبي لهب وامرأته، وأبو جهل، وعقبة بن أبي معيط. وكان أذاهم يصل إلى درجة ضرب الرسول - ﷺ - وإلقاء القاذورات عليه أثناء صلاته.
[ ٦٣ ]
خروجه - ﷺ - إلى الطائف:-
أخذ الرسول - ﷺ - يفكر في قاعدة تحمي هذا الدين، فخرج إلى الطائف ودعاهم، فرفضوا وآذوه أشد الإيذاء، وأغروا به سفهائهم، فسبوه ورموه بالحجارة حتى دميت قدماه، فلجأ إلى حديقة لشيبة وعتبة ابني ربيعة، ثم خرج من الطائف فأرسل الله إليه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الجبلين على أهل مكة، فرفض، وقال: " بل استأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا ".
* * *
الجن تؤمن برسول الله - ﷺ - (١):-
عندما صار الرسول - ﷺ - بمنطقة نخلة (وادي بين مكة والطائف) قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من الجن فاستمعوا إلى تلاوته، فلما فرغ من صلاته، ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا. وأنزل الله في ذلك سورة الجن.
* * *
حادثة الإسراء والمعراج:-
أُسري به - ﷺ - إلى بيت المقدس راكبًا على البراق، يصحبه جبريل، وصلى بالأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - إمامًا، ثم عُرج به إلى السموات، فقابل الأنبياء. ثم صعد إلى سدرة المنتهي، ثم إلى البيت المعمور ورأى جبريل على صورته، وكلمه ربه وأعطاه ما أعطاه. وفرض الصلاة على أمته. فلما أصبح في قومه وأخبرهم، اشتد تكذيبهما فوصف لهم بيت المقدس.
_________________
(١) مختصر السيرة النبوية/محمد بن عبد الوهاب، ص ٧٥.
[ ٦٤ ]
وأخبرهم عن عير لهم في الطريق. فأبى الظالمون إلا كفورًا. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١ - ١٨].
وهذه الحادثة تعتبر تكريم للرسول، وتخفيف معاناة أذى الكفار عنه، وقد تعددت الروايات حول هذه الحادثة.
والذي نراه هو ضرورة أن نؤمن بالإسراء والمعراج بصورتها الإجمالية الواردة في القرآن، دون الدخول في التفصيلات.
* * *
موافاة المواسم:-
يئس الرسول - ﷺ - من إيمان قريش، فبدأ يذهب إلى المواسم التي تقام في الأسواق مثل عكاظ وذي مجنه وغيرها فيعرض نفسه على القبائل، ويدعوها إلى الله وإلى نصرة دينه، وكذلك يعرض نفسه في مواسم الحج. وكانت قريش تحذر هذه القبائل.
* * *
بيعة العقبة الأولى:-
كان الأوس والخزرج (سكان يثرب) سمعوا من اليهود بخروج نبي في هذا
[ ٦٥ ]
الزمان. فلما رأوه في الموسم عرفوا أنه المقصود. فلقيه ستة من الخزرج وأسلموا على يده - ﷺ -، ثم رجعوا إلى المدينة ودعوا إلى الإسلام. وفي العام المقبل، قدم منهم ١٢ رجلًا وامرأة واحدة، فبعث الرسول - ﷺ - معهم مصعب بن عمير ليعلمهم القرآن والإسلام، فأسلم على يديه أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ سيدا الأوس. وبعد فترة لم تبق دارًا في المدينة إلا وفيها مسلمون، وقرروا دعوة الرسول - ﷺ - إلى المدينة ونصرته في الموسم المقبل.
* * *
بيعة العقبة الثانية وهجرة المسلمين إلى المدينة:-
قدموا إليه، فقال لهم: " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ولكم الجنة "، فبايعوه جميعًا ودعوه - ﷺ - للهجرة إلى المدينة وكانوا ٧٣ رجل وامرأتين، ثم عادوا إلى المدينة.
أذن الرسول - ﷺ - للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا جميعًا فلم يبق إلا الرسول - ﷺ - ومعه أبو بكر وعلي. وهو ينتظر إذن الله.
* * *
عوامل ساعدت على دخول الإسلام إلى يثرب:-
وقبل الحديث عن هجرة الرسول - ﷺ - نقف وقفة صغيرة. لننظر للظروف التي ساعدت على دخول الإسلام إلى يثرب. ويبدو أن أهمها:-
- عرب يثرب كانوا أقرب العرب إلى الأديان السماوية لكثرة ما سمعوا من مجاوريهم اليهود.
- كان يهود المدينة يهددون العرب بقرب ظهور نبي وأنهم سيتَّبعونه ويبيدونهم، لذا كان العرب الأسرع إلى إتباع هذا النبي - ﷺ -.
- كان عرب المدينة (الأوس والخزرج) على عداء فكانت كل فئة تسارع إلى الإسلام لتقوى به على الأخرى.
[ ٦٦ ]