الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد. . فهذا جهد متواضع قمت بتجميعه وترتيبه على هذا النحو راجيًا أن يحقق الفائدة المأمولة منه.
وأسأل الله أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم.
العمل عبارة عن ملخص مبسط عن التاريخ الإسلامي العريق منذ عهد آدم - ﵇ -، ومرورًا بالأنبياء الكرام، ثم بالعصور الإسلامية المتتالية، إلى وقتنا الحاضر (١٤١٧ هـ - ٩٦/ ٩٧ م).
ولا أدعي أنني بهذا الجهد التواضع قد تمكنت من تغطية هذا الموضوع، أو القيام به على الوجه الأكمل.
فهي مهمة جبارة ضخمة تحتاج إلى جهد عظيم وإلى عدد كبير من المختصين والباحثين للقيام بها، وكل ما قمت به مجرد محاولة متواضعة على قدر استطاعتي. ولا أستغني عن رأي أصحاب الرأي في ما يرونه من ملاحظات وتوجيهات لا شك أنني سأستفيد منها.
وما حملني إلى وضع هذا الكتاب دواعي أهمها:
- شعوري بحاجة العالم الإسلامي إلى جمع شتات تراثهم وتاريخهم في الماضي والحاضر والمتفرق في بطون الكتب القديمة والحديثة ضمن كتاب واحد موجز.
[ ١ ]
- عدم وجود مُؤلَّف في مكتبتنا الإسلامية يتناول جميع العصور بأسلوب مبسط سهل خفيف. لا يتردد القارئ العادي (الغير متخصص) في مطالعته وبسهولة.
- أغلب الموجود حاليًا مؤلفات قديمة ضخمة مجزأة إلى أجزاء كثيرة، لا يعود إليها غالبًا إلا المتخصصين والباحثين.
- وهدفي الخاص هو بيان ما كان عليه أهل الإسلام من ماضي عريق، وتاريخ مشرق، عندما تمسكوا بدينهم، وطبقوا تعاليمه وساروا على منهاجه القويم.
وما صاروا إليه - في الوقت الحاضر - من ضعف وتفرق وذل وخضوع وانكسار بعد ما تركوا دينهم، وحادوا عن منهجه السليم.
يقول عمر بن الخطاب - ﵁ -: " نحن قومْ أعزنا الله بالإسلام، وإذا أردنا العزة بغيره، أذلنا الله ".
وقد قسمت الكتاب إلى الأبواب التالية:-
- التاريخ القديم: يتناول الفترة منذ عهد آدم، ومرورًا بالأنبياء - ﵈ - وإلى ما قبل بعثة محمد - ﷺ -، وضحت أنهم جميعًا جاءوا برسالة واحدة هي الإسلام ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وقد أهلك الله معظم تلك الأقوام نتيجة تكذيبهم وإعراضهم عن الحق.
- السيرة النبوية: (٥٢ ق. هـ - ١١) (٥٧٠ - ٦٣٢ م) وقصة قيام أول
[ ٢ ]
دولة إسلامية، قادها الرسول - ﵇ - واتخذت المدينة المنورة قاعدة لها، ثم ما لبثت أن شملت الجزيرة العربية. وهي السيرة العطرة التي يجب أن يتخذ منها المسلمون (حكامًا وشعوبًا) القدوة الحسنة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
- سيرة الخلفاء الراشدين: (١١ - ٤١ هـ) (٦٣٢ - ٦٦١ م) قال الرسول - ﷺ -: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ " (١) في هذه الفترة المشرقة تمت فتوحات إسلامية واسعة في بلاد فارس وبلاد الشام ومصر وغيرها.
وقد سار الناس على المنهج الإسلامي تمامًا.
- العهد الأموي: (٤١ - ١٣٢ هـ) (٦٦١ - ٧٤٩ م) وصلت الدولة الإسلامية في هذا العصر أقصى اتساع لها وما كان في ديار الإسلام إلا خليفة واحد.
وقل الالتزام بالشريعة الإسلامية عما كان عليه سابقًا، ولكن بدرجة بسيطة حيث يقول الرسول - ﷺ -: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " (٢).
- العصر العباسي: (١٣٢ - ٦٥٦ هـ) (٧٤٩ - ١٢٥٨ م) تميزت هذه الفترة (بالذات في عصرها الثاني) بقيام كثير من الدويلات المستقلة كان لبعضها شأن عظيم
_________________
(١) أخرجه أبو داود والدارمي والترمذي وابن ماجه وابن حنبل.
(٢) أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه وابن حنبل.
[ ٣ ]
في خدمة الإسلام كدولة السلاجقة والزنكية والأيوبية والغزنوية والمرابطين، كما تميزت بكثرة ظهور الحركات الباطنية والدويلات الشيعية، وبدأت الحملات الصليبية الأوروبية الحاقدة على الشرق الإسلامي، وما زادت الفتوحات إلا زيادات بسيطة، وانتهت هذه الفترة بالغزو المغولي المدمر الذي قضى على الدولة العباسية.
- العهد المملوكي: (٦٥٨ - ٩٢٣ هـ) / (١٢٥٩ - ١٥١٧ م) وأعظم إنجاز إسلامي تحقق في هذا العصر إيقاف ورد الزحف المغولي الوحشي عن الديار الإسلامية، وإنهاء بقايا الوجود الصليبي في المشرق الإسلامي، وقد زاد الابتعاد عن الدين عما كان عليه في السابق.
- العهد العثماني: (٩٢٣ - ١٣٤٢ هـ) / (١٥١٧ - ١٩٢٣ م) وقد استطاعت هذه الدولة تحقيق فتوحات عظيمة في بداياتها، وكان مجالها أوروبا الشرقية، ففتحت هنغاريا وبلغراد وألبانيا واليونان، ورومانيا وصربيا وبلغاريا، كما بسطت نفوذها على معظم الشرق الإسلامي.
ومن أعظم إنجازاتها فتح القسطنطينية (عاصمة الإمبراطورية البيزنطية)، وقد ورد عن النبي - ﷺ -: " لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش " (١)، وفي أواخر هذه الفترة نجح الاستعمار في زرع فكرة القومية، فتسبب ذلك في انهيار الخلافة الإسلامية، وتفرق المسلمين إلى دويلات ضعيفة متناحرة بعيدة عن دينها.
_________________
(١) أخرجه ابن حنبل.
[ ٤ ]
- حاضر العالم الإسلامي: (١٣٤٢ - حتى الوقت الحاضر ١٤١٧ هـ) (١٩٢٢ - ١٩٩٦ م) تحدثت عن الدول الإسلامية (كل دولة على حدة) فذكرت نبذة جغرافية مختصرة عنها، وأحوال الإسلام والمسلمين فيها، ثم كيفية دخول الإسلام في كل دولة، وأخيرًا تحدثت بصورة موجزة عن الأقليات المسلمة في العالم ما لها وما عليها، وأهم المشكلات التي تواجهها، وواجب المسلمين تجاهها.
وقد التزمت منهجًا في كتابتي تضمن النقاط التالية:-
- بالنسبة للباب الأول (العصر القديم)، فقد جعلته أقصر أبواب الكتاب (رغم طول فترته الزمنية) وذلك لقلة المعلومات المتوفرة لدينا عن تلك الفترة، فلا يوجد لدينا عن تلك الفترة سوى ما أشار الله إليه في كتابه الكريم، وما ورد في سنة نبيه - ﵇ -، وهذا قليل وأكثر المعلومات التي وصلتنا عن تلك الفترة هي المذكورة في الإسرائيليات.
وقد ورد عن النبي - ﷺ - في هذا الشأن: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " (١)، وقال: " ما حدثكم به أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " (٢)، لذا نلتزم الحذر الشديد عند دراسة هذه الفترة.
وألفت الانتباه هنا إلى اختلاف وتضارب كثير من المؤرخين فيما دونوه عن تلك الفترة. فحرصت بقدر الإمكان ألا أدون من الأحداث إلا ما ورد في القرآن الكريم أو السنة. أو باتفاق أكثر المصادر والمراجع، وتركت من الأحداث ما حصل حولها جدل وتخبط وتباين.
_________________
(١) أخرجه البخاري والترمذي وأبو داود وابن حنبل.
(٢) سنن أبي داود جـ ٢/ص: ٢٨٥.
[ ٥ ]
التزمت فقط بتدوين الأحداث العامة المتفق عليها، وجعلتها كرؤوس أقلام فقط دون الخوض في تفاصيلها، وتجنبت ذكر التواريخ في هذه الفترة (رغم إصرار، بعض المؤرخين على تواريخ محددة كأنهم عاشوا في تلك الفترة) المقصود من تلك الفترة أخذ العظة والعبرة مما حل بتلك الأقوام.
- التزمت بعدم تدوين الأحداث إلا بعد التأكد من صحتها من خلال مطابقة المصادر والمراجع أو بالرجوع إلى باحثين متخصصين.
- وأشير هنا إلى أن كل ما كتبته عبارة عن تجميع من مؤلفات ومصادر مختلفة أشرت إليها في مواضعها.
- ركزت (في حياة الأمم والأفراد) على ذكر جوانب الإحسان أو التقصير في خدمة الإسلام مبينًا أسباب ذلك ونتائجه، وابتعدت عن التفاصيل التي لا يفيدنا معرفتها أو الإطلاع عليها.
- التزمت وتقيدت في كتابي بالتاريخ الهجري والميلادي معًا، ولا أشك في وجود كثير من الملاحظات والأخطاء التي وقعت بدون قصد في هذا المؤلف وأنا بحاجة إلى تنبيهي إليها، وإرشادي وتوجيهي إلى وجه الصواب، فجزى الله خيرًا كل من يفعل ذلك.
وأسأل الله التوفيق والسداد، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به المسلمين.
المؤلف
٢٥/ ١/١٤١٧ هـ
[ ٦ ]