خرج الرسول - ﷺ - بـ ١٥٠٠ من أصحابه، يريد العمرة، ونزل الحديبية، وفزعت قريش. بعث إليهم عثمان يخبرهم قصده. ثم أشيع أن عثمان قتل، فدعا الرسول - ﷺ - إلى البيعة، فتبادر إليه أصحابه وهو تحت الشجرة (لذا سميت بيعة الشجرة أو بيعة الرضوان) بايعوه على ألا يفروا، ثم عاد عثمان.، فتصالح مع قريش. وتم الاتفاق على هدنة عشر سنوات بينهم. وأن من يأتي محمد من قريش يرده إليهم، ومن جاء قريش من محمد لا يردوه، ومن أراد عهد محمد دخله، ومن أراد عهد قريش دخله. (فدخلت خزاعة في عهد محمد وبكر في عهد قريش)، وأنهم سيعودون العام القادم لأداء العمرة. وفي الطريق أنزل الله سورة الفتح، فبشرهم الرسول - ﷺ - بفتح مكة.
وقفة عند صلح الحديبية:-
كثير من الصحابة امتعض من هذا الصلح واستاء لهذه النتيجة. وعد نفسه مغلوبًا ذليلًا، ومن بينهم عمر بن الخطاب. على أن المدقق المنصف يدرك أن هذه المعاهدة كانت عظيمة الخير للمسلمين. كبيرة النفع لهم. ومن مزاياها:-
- اعتراف قريش بكيان المسلمين.
_________________
(١) المصدر السابق، جـ ٣/ص ٣٦٣.
[ ٨٢ ]
- إعطاء المسلمين فرصة لنشر الدعوة والتفرغ لها.
- دخول خلق كثير في الإسلام بعد هذا الصلح (من هؤلاء بعض عظماء قريش كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة). كذلك أرسل الرسول - ﷺ - للملوك والحكام يدعوهم للإسلام.
- أعطت هذه المعاهدة للمسلمين فرصة ليفرغوا لليهود، لذا غزا الرسول - ﷺ - بعدها خيبر، وانتصر واكتملت معظم التشريعات الإسلامية خلال هذه الفترة.
- أما شرط إعادة من يسلم من قريش إلى قريش. ولا تلتزم قريش برد من يعود لها من المسلمين، فذاك وضحه الرسول - ﷺ - بقوله: " إن من ذهب منا إليهم فقد أبعده الله. ومن جاءنا منهم فرددناه، فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا ". وهكذا كان هذا الصلح فتحًا مبينًا كما وصفه القرآن الكريم.
* * *
حوادث عام ٧ هـ/٦٢٨ م:-
* غزوة خيبر:-
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] برهنت الأحداث طوال القرون على شدة عداوة اليهود للمسلمين حتى عندما أحسن المسلمون إليهم.
كانت خيبر (في شمال المدينة) من أقوى حصون اليهود وأخطرها. وكان خطرهم
[ ٨٣ ]
محدقًا على المدينة.
وكان يهود خيبر حرضوا على غزو المدينة، وجمعوا الأحزاب في غزوة الخندق، سار إليهم الرسول - ﷺ -، وحاصرهم، حتى استسلموا، فصالحهم على شطر ثمرها وزرعها، قالت عائشة: " لما فتحت خيبر، قلنا: الآن نشبع من التمر "، بعد الغزوة أهدت زينت بنت الحارث اليهودية للرسول شاةً مسمومة، فأشعره الله بذلك فكف عنها، وأكل منها بشر بن البراء، فمات فقتلها الرسول - ﷺ - قصاصًا، كان ذلك في محرم سنة ٧ هـ.
ثم أخضع يهود وادي القرى على شطر نخيلهم. وقبل الفدية من يهود فدك ويهود تيماء وعدهم ذميين.
بعد خيبر أصبح المسلمون أكبر قوة في جزيرة العرب، كما انكسرت بذلك شوكة اليهود، وإن كانت لم تزل نهائيًا.
* * *