كان لا بد للخليفة عبد الملك بن مروان من القيام بعمل كبير يمحو به عن المسلمين ما خلفته تلك السنوات الطوال من الجهاد في الجناح الغربي للدولة الإسلامية، ولكنه لم يكن في وضع يسمح له بالعمل الإيجابي في المغرب؛ فقد كان مشغولا بمحاربة منافسة عبد الله بن الزبير "أحد أبطال سبيطلة". وبعد أن انتهت هذه الأزمة السياسية بمقتل ابن الزبير "سنة ٧٣هـ/ ٦٩٣م" واجتمع المسلمون على خلافة عبد الملك انصب تفكيره واهتمامه على الإعداد لملحمة جديدة؛ فعهد بولاية المغرب إلى أحد مشاهير قادة الشام، وهو حسان بن النعمان الغساني -الملقب بالشيخ الأمين- "سنة ٧٣هـ/ ٦٩٢م"، وأمده بجيش بلغت عدته أربعين ألف مقاتل، وأمره بالمقام في مصر، وفوضه في أموال خراجها للإنفاق منه على الفتح١.
أما أحوال "إفريقية" عقب استشهاد زهير بن قيس في الفترة من "٦٩هـ/ ٦٨٨م" إلى "٧٣هـ/ ٦٩٢م" -بإيجاز- فقد عادت بعض السيطرة البيزنطية على أجزاء من الساحل الإفريقي، وخاصة في "قرطاجنة". كما أن قبيلة "أوربة" -البرنسية التي كان كسيلة الأوربي يتزعمها- بدأت في التقهقر عن مركز الصدارة في جبال "الأوراس"، تاركة المجال لقبيلة أخرى شديدة المراس تدعى "جراوة" -من قبائل البربر "البتر"- وتقودها امرأة لقبها العرب بالكاهنة، واسمها "داهيا بنت ماتية"، وكانت على جانب كبير من المهارة والقدرة، وتمكنت من تجميع قبائل جبال "الأوراس" تحت إمرتها، حتى أصبح "جميع من بإفريقية من الروم منها خائفون وجميع البربر لها مطيعون" حسب تعبير المؤرخين٢.
الجولة الأولى لحسان بن النعمان: النصر ثم الهزيمة:
١- خرج حسان بن النعمان من مصر أوائل سنة ٧٤هـ/ ٦٩٣م" على رأس جيشه، ووصل به إلى "طرابلس"، فانضم إليه من كان هناك من المسلمين، ثم سار إلى "إفريقية" ودخل "القيروان" حيث أعد نفسه للغزو٣.
وقد اتبع حسان خطة عسكرية جديدة أساسها مقابلة أعدائه من الروم والبربر، كل على حده، حتى يسهل القضاء عليهم. وبدأ بالروم، فاتجه بكل قواته إلى "قرطاجنة"، وهي عاصمة "إفريقية" القديمةن ومصدر المقاومة الثابت، ولم يكن أحد من القادة السابقين قد تمكن من فتحها، فضرب عليها الحصار، وكان بها عدد كبير
_________________
(١) ١ البيان المغرب "١/ ٣٤". وراجع: الكامل "٤/ ١٣٥". ٢ البيان المغرب "١/ ٣٥". وراجع: التطور السياسي للمغرب للدكتور طاهر راغب، ص"٦٢". ٣ البيان "١/ ٣٤"، الكامل "٤/ ١٣٥".
[ ٧٩ ]
من الروم، خرجوا عن بكرة أبيهم للتقال مع ملكهم فنصره الله عليهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، وفر الباقون في المراكب إلى جزائر البحر وخاصة نحو "صقلية"١.
٢- وبعد هزيمة القرطاجنيين تصدى حسان بن النعمان لتحالف "بيزنطي/ بربري" جديد. فقد حاول الروم أن ينتقموا من المسلمين لاستيلائهم على "قرطاجنة"، فاجتمعوا في موضع يسمى "صطفورة"، وأمدهم البربر بعسكر عظيم، فزحف إليهم حسان، وقاتلهم حتى هزمهم، وتمخضت المعركة عن عدد كبير من قتلى التحالف البيزنطي البربري، وعلى إثرها هر بمن بقي من الروم إلى مدينة "باجه" خائفين، وتراجع البربر إلى مدينة "بونة". ثم انصرف حسان إلى مدينة "القيروان" فأقام بها حتى برئت جراح أصحابه٢.
٣- بقي أن يتصدى حسان للتجمع البربري الضخم والشرس في منطقة جبال الأوراس في الداخل، بقيادة "الكاهنة" التي تمكنت -كما ذكرنا- من تجميع قوي البربر وئاستها لهم بعد مقتل "كسيلة الأوربي". وكان حسان قد أدرك أن هذا التجمع له خطورة قصوى، ولا بد من التصدي له، وأنه إن تمكن من التغلب عليه فقد دان له المغرب كله، وسقطت فيه آخر قاعدة ضخمة للمقاومة، وقد ذكر ابن عذارى هذا المعنى في قوله: "لما دخل حسان القيروان أراح بها أياما، ثم سأل أهلها عمن بقي من أعظم ملوك إفريقية، ليسير إليه فيبيده أو يسلم، فدلوه على امرأة بجبل أوراس يقال لها الكاهنة، وجميع من بإفريقية من الروم منها خائفون، وجميع البربر لها مطيعون، فإن قتلها كان لك المغرب كله، لم يبق لك مضاد ولا معاند"٣.
ولذلك توجه إليها حسان بجيوشه والتقى معها عند وادي "مسكيانه". ورغم ما تقوله النصوص التاريخية من أن الجيش الإسلامي كان في أعلى الوادي "أي في مركز استراتيجي جيد"، وأن جموع البربر كانت في أسفله فإن القتال المرير انتهى بهزيمة حسان هزيمة منكرة أدت إلى ضياع كل "إفريقية" وراتداد المسلمين إلى حدود مدينة
_________________
(١) ١ الكامل "٤/ ١٣٥". البيان المغرب "١/ ٣٤-٣٥". ٢ المصدران السابقان، إضافة إلى: رياض النفوس للمالكي، ص"٣٢". ٣ البيان المغرب "١/ ٣٥". وراجع: المسلمون في المغرب والأندلس، للدكتور محمد محمد زيتون، ص"٥٣"، التطور السياسي للمغرب، للدكتور طاهر راغب، ص"٦٤".
[ ٨٠ ]
"قابس"١ "راجع موقع قابس على الخريطة". ويصف المؤرخون هذا اللقاء بأن الفريقين "اقتتلوا قتالا شديدا، فعظم البلاء، وظن المسلمون أنه الفناء، وانهزم حسان بعد بلاء عظيم، فاتبعته "الكاهنة" بمن معها حتى خرج من حد قابس، فأسلم إفريقية، ومضى على وجهه، وأسرت من أصحابه ثمانية رجال، وقيل: ثمانين رجلا". وقد سمى الوادي الذي وقعت فيه المعركة بـ "وادي العذارى" لكثرة من قتل فيه من زهرة شباب المسلمين٢.
وعلى إثر هذه الهزيمة استرد الروم عاصمتهم "قرطاجنة"، وكان استردادهم لها متسما بالقسوة والعنف، فقد أعدوا أسطولا كبيرا بقيادة البطريق يوحنا، وهاجموا المدينة "سنة ٧٨هـ/ ٦٩٧م"، وتمكنوا من الفتك بالحامية العربية الموجودة فيها، حتى ليقال: إن قائد الحملة كان يباشر قتل المسلمين بيده٣.
وقد كتب حسان إلى الخليفة بخبر هذه الهزيمة وما ترتب عليها، وكان مما قال: "إن أمم المغرب ليس لها غاية، ولا يقف أحد منها على نهاية، كلما بادت أمة خلفتها أمم، وهي من الحفل والكثرة كسائمة النعم". فعاد الجواب يأمره أن يقيم حيث وافاه، فورد عليه فيه "برقة"، فأقام بها، وبنى هناك قصورا عرفت بصورة حسان٤. وهكذا اضطر المسلمون إلى التخلي عن فتوحهم في المغرب للمرة الثالثة خلال عشر سنوات فقط "من ٦٥- إلى ٧٤هـ"، وتطلب الأمر إلى خمس سنوات طوال لاسترجاع البلاد التي سادتها تلك المرأة الكاهنة.
الجولة الثانية: النصر والتمكين النهائي
تأخر وصول المدد من الخليفة لمدة تصل إلى خمس سنوات، وقيل: ثلاث سنوات، وهي مدة طويلة جعلت الكاهنة صاحبة الشأن في تصريف شئون "إفريقية". وكان مما فعلته -وأجمع عليه المؤرخون القدامى- أنها اتبعت ما يسمى "حرب الأرض المحروقة"، وهي سياسة حربية تقوم على التخريب، وترك الأرض خرابا
_________________
(١) ١ تقع مدينة "قابس" على بعد "٢٥٠" كيلو متر من "طرابلس". ٢ رياض النفوس للمالكي، ص"٣٢"، وراجع البيان المغرب "١/ ٣٦"، والكامل "٤/ ١٣٥-١٣٦". ٣ راجع: فتح العرب للمغرب للدكتور حسين مؤنس ص"٢٥٤"، حركة الفتح الإسلامي، لشكري فيصل، ص"١٧٤". ٤ البيان المغرب "١/ ٣٦".
[ ٨١ ]
أمام الخصم حتى لا ينتفع بخيراتها ويزهد في الإقامة بها. وقد درست الكاهنة موقف العرب والمسلمين، وعرفت أنهم عائدون بعد حين كما فعلوا من قبل، فعمدت إلى تخريب المدن والقرى، وهدم الحصون، وحرق أشجار الزيتون والكروم. ويروي المؤرخون قولها للبربر: "إن العرب إنما يطلبون من إفريقية المدائن والذهب والفضة ونحن إنما نريد منها المزارع والمراعي، فلا نرى لك إلا خراب بلاد إفريقية كلها، حتى ييئس منها العرب، فلا يكون لهم رجوع إليها آخر الدهر"١.
ولقد أخطأت "الكاهنة" هدفها وظنت أن المسلمين إنما يقدمون للسلب والنهب والاستيلاء على المدن والذهب والفضة كما كان يفعل الغزاة سابقا، ولم تعرف أنهم حملة رسالة، ومبلغي دعوة، ودعاة إلى دين الله تعالى. وقد عجل هذا الفعل منها بالقضاء عليها، وجعل أهل البلاد من الروم خاصة وأتباعهم من الأفارقة يفرون إلى جزائر البحر، بل ويستغيثون بحسان بن النعمان فيما نزل بهم من خراب٢.
أما بالنسبة لحسان فقد قضى مدة السنوات الخمس يستعد لخوض المعركة الفاصلة ويأخذ لها الأهبة كاملة، واستطاع -من خلال التخابر والاستطلاع- أن يعرف مواطن القوة والضعف في صفوف العدو. وعندما أتم حالة الاستعداد، ووصلته الأمداد من جنوب العرب وفرسانهم وممن انضم إليهم من مسلمي البربر سار إلى الكاهنة، والتقى بها مع جيشها، وتمكن من هزيمتها وقتلها، "واقتحم جبال الأوراس عنوة، واستلحم فيه زهاء مائة ألف"٣.
وكان من ثمرات هذا النصر المبين أن سارع كثير من البربر يطلبون الأمان ويعلنون الإسلام والطاعة، لكن -لما يعرفه حسان من كثرة ارتداد البربر- "لم يقبل أمانهم إلا أن يعطوه من جميع قبائلهم اثني عشر ألفا يكونوا مع العرب مجاهدين، فأجابوه، وأسلموا على يديه"٤.
_________________
(١) ١ البيان المغرب "١/ ٣٦"، والكامل "٤/ ١٣٦، وراجع: تاريخ العرب العربي، للدكتور سعد زغلول عبد الحميد "١/ ١٨٧-١٨٨". ٢ راجع: تاريخ إفريقية والمغرب، للرقيق القيرواني، ص"٤٨-٤٩". ٣ العبر لابن خلدون، ج٧، ص"٩". وراجع: البيان المغرب "١/ ٣٧-٣٨"، الكامل "٤/ ١٣٦-١٣٧". ٤ البيان المغرب "١/ ٣٨". ومن الجدير بالذكر أن حسان بن النعمان حينما تحرك بالجيش لمحاربة الكاهنة أدركت أن نهايتها قريبة. وعلى الرغم من أنها لم ترض بالاستسلام ووجدت أن ذلك من العار؛ لأن الملوك لا يستسلمون فإنها رأت أن تأخذ لولديها الأمان، وينضموا إلى جانب حسان. وقد أسلما وحسن إسلامهما، وأصبحا من المجاهدين المسلمين، وعهد حسان إليهما بالقيادة.
[ ٨٢ ]
هكذا قضى العرب المسلمون على آخر حركة للمقاومة قام بها أهالي البلاد، إذ كانت الكاهنة هي الحصن الأخير الذي احتمى وراءه البربر والروم، فلما سقطت انتهت كل مقاومة، ولم يبق أمام العرب بعد ذلك إلا "غبار قبائل".
أما عن "قرطاجنة" التي استعادها الروم "سنة ٧٨هـ" بعد حملة حسان بن النعمان الأولى فقد سار إليها حسان، وطرد منها الحامية الرومية التي استقرت فيها بقيادة البطريق يوحنا، واستولى على المدينة عنوة وقام بتخريبها حتى "صارت كأمس الغابر" كما يقول ابن عذارى١. ولم يعد لها بعد ذلك أثر يذكر، غير أن الفرنسيين عندما احتلوا إقليم تونس -في العصر الحديث- أحيوها من جديد في صورة ضاحية لمدينة تونس الحالية، وعرفت باسمها الفرنسي، وهو "قرطاج" وقد أصبحت الآن جزءا من مدينة تونس.
وإذا كان عمرو بن العاص عندما دخل "الإسكندرية" فاتحا -في المرة الثانية- أقسم ليهدمن سورها، فإن حسان بن النعمان قرر أن يتخلص من "قرطاجنة" كلها، وهي الباب الذي يأتي منه الروم، وذلك بسبب تطرفها وصعوبة الدفاع عنها٢.
أعمال حسان بن النعمان الإصلاحية في المغرب وبداية التحول الفعلي لأهل البلاد إلى الإسلام:
بهذا يكون حسان بن النعمان قد أتم فتح "إفريقية" و"المغرب الأوسط"، ورأى أن عليه -قبل أن يسترسل في إكمال الأعمال العسكرية- أن ينظم هذه البلاد الواسعة التي دانت بعد ما يقرب من ستين "٦٠" عاما منذ بدأ عمرو بن العاص فتحها "سنة ٢١هـ/ ٦٤٢م"؛ فقام ببعض الأعمال الإنشائية والإدارية المهمة، كان لها الأثر البعيد في بلاد المغرب، وتثبيت الإسلام فيها إلى آخر الدهر إن شاء الله، فمن ذلك:
١- أنه اهتم بعمران مدينة "القيروان" على نحو تتسع معه لجموع العرب والمسلمين التي سكنتها حتى أصبحت المدينة جديرة بمركزها كعاصمة للبلاد بدلا من
_________________
(١) ١ البيان المغرب "١/ ٣٥". ٢ راجع: تاريخ المغرب العربي، للدكتور سعد زغلول عبد الحميد، ص"١٩٤-١٩٥".
[ ٨٣ ]
"قرطاجنة"، كما أنه جدد مسجدها وأحسن بناءه، وأقام في المدينة يوجه منها شئون البلاد ويدير أحوالها. وقد عمرها المسلمون حتى انتشر فيها العمران، واتسعت رقعتها١.
٢- ولم يكن حسان مطمئنا من ناحية الروم، وكان يرى أن سقوط "قرطاجنة" وتخريبها لا يمنع من عودتهم إلى مكان آخر من الساحل، فعول على إنشاء ميناء إسلامي جديد على مقربة من "قرطاجنة" ليشرف على البحر، ويحول بين الروم وبين الاقتراب. ومن هنا شرع في بناء مدينة "تونس"٢ "سنة ٨٤هـ/ ٧٠٣م"، وتزويدها بدار صناعة لبناء الأساطيل.
وعلى الرغم من أن "تونس" لم تزد -عند إنشائها في عهد حسان بن النعمان- عن محرس صغير به بعض المساجد والمباني السكنية ودار صناعة السفن -فإنها ستصبح بعد ذلك بثلاثين سنة في ولاية عبيد الله بن الحبحاب "١١٦-١٢٣هـ" ثغر إفريقية الكبير، ويتكون فيها أسطول عظيم يغزو المسلمون به جزيرة "صقلية" وجنوب إيطاليا، بل وجنوبي فرنسا، ويمهدون به السبيل للسيطرة على غرب البحر الأبيض المتوسط٣.
٣- وكان حسان بن النعمان أول من أدخل البربر بشكل منظم في الجيش العربي الإفريقي وحرص على أن يشرك معه نفرا من أهل القبائل في حروبه، وجعل اشتراكهم معه في الحرب شرطا لتأمينهم، أي إنه فرض الخدمة العسكرية على أهلها البلاد، جنبا إلى جنب مع العرب. وكانت تلك خطوة موفقة استطاع بها حسان أن يضمن ولاء البربر، وأن يحبب إليهم الإسلام. وإذا كان الغرض من الفتح الإسلامي هو نشر الإسلام والتعريب -وتلك هي رسالة المسلمين- فإن انضمام البربر إلى الجيش العربي، يعني دخولهم في الإسلام.
_________________
(١) ١ فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم ص"٢٠١"، البيان المغرب "١/ ٣٨"، الكامل "٤/ ١٣٦". ٢ سميت بذلك؛ لأنه توجد قرب موضعها قرية قديمة تسمى "تينس" "Tynes" وكانت الأرض التي أقيمت عليها المدينة تسمى "ترشيش" -أو "ترسيس" "بالمهملتين"، وتقع على جزء من خليج واسع يسمى "خليج رادس" "راجع: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب للبكري -ص٣٧، ٨٤". ٣ راجع: فجر الأندلس، لحسين مؤنس، ص"٤٥"، وتاريخ البحرية الإسلامية في حوض البحر المتوسط للدكتور العبادي، والدكتور السيد عبد العزيز سالم، ج٢، ص"٢٨-٣٤".
[ ٨٤ ]
ولم يكتف حسان بأن يشرك هؤلاء البربر في حروبه ويجعل لهم نصيبا من الغنائم وإنما رتب لهم أعطيات تصرف لهم من بيت المال، وساوى بينهم وبين العرب في هذا العطاء وفي المعاملة، فأحبه البربر، وأخلصوا للدولة، حتى صاروا -يفيما بعد- نواة لفتح شبة الجزيرة الإيبيرية "إسبانيا"١.
٤- اهتم حسان بتعليم البربر القرآن وأصول الإسلام، وعهد بهذه المهمة إلى ثلاثة عشر فقيها من أفاضل التابعين٢. وبطبيعة الحال كان تعليم القرآن لهؤلاء البربر وغيرهم يعني تعليمهم اللغة العربية، ونشر الأخلاق الإسلامية، واكتسابهم إلى العروبة بصفة نهائية، وبذلك سار التعريب جنبا إلى جنب مع الإسلام منذ البداية.
٥- قسم الأراضي خططا للبربر، أي اختص كل قبيلة بخطة تتصرف بها، وتؤدي مالها، وتكون مسئولة عنها.
٦- دون الدواوين، أي نظم شئون الحكومة، وعين الموظفين على نواحي الإدارة؛ من خراج، وزكاة، وجند، وما إلى ذلك، واختارهم من ذوي الحزم والحصافة، ومن ذوي الدين والإخلا والنزاهة٣.
٧- اعتبر أرض المغرب مفتوحة صلحا لا عنوة، فأقر البربر على ما بيدهم من الأرض، ومعنى ذلك أن يؤدوا عنها "الخراج". أما الأراضي التي كانت ملكا للبيزنطيين ومن قاوم الفتح من الأفارقة فقد اعتبرها حسان مفتوحة عنوة، ولذا اعتبرها من أملاك المسلمين، واعتبر من وجدهم عليها موالي لهم، فكان لهذه الناحية أثر طيب في نفوس البربر٤.
_________________
(١) ١ فتح العرب للمغرب، لحسين مؤنس، ص"٢٧٤-٢٧٥". تاريخ المغرب والأندلس، للدكتور هاشم عبد الراضي، والدكتور محمد عبد الحميد الرفاعي، ص"٧٤". ٢ نص جديد عن فتح العرب للمغرب -نشره بروفنسال بمجلة المعهد المصري بمدريد، سنة "١٩٥٤م"، ص"٢٢٣". وراجع: تاريخ المغرب العربي للدكتور سعد زغلول، ص"١٩٨"، معالم تاريخ المغرب والأندلس، للدكتور حسين مؤنس، ص"٤٩". ٣ البيان المغرب "١/ ٣٨"، وراجع: فتح العرب للمغرب، ص"٢٧٦". ٤ فتح العرب للمغرب، ص"٢٧٦". المغرب الإسلامي للدكتور حسن علي حسن "الجزء السادس من موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي ص١٩". وراجع أيضا: البيان المغرب "١/ ٣٨"، كتاب الخراج لأبي يوسف "صاحب أبي حنيفة"، الفصل الذي عنوانه: "في إسلام قوم من أهل الحرب وأهل البادية على أرضهم وأموالهم". وراجع: فتح العرب للمغرب، ص"٢٧٦".
[ ٨٦ ]
٨- عين القضاة في النواحي المختلفة للفصل في الخصومات، والحكم بين الناس بكتاب الله، وسنة رسوله -ﷺ.
وبهذه التنظيمات الإدارية والمالية التي وضعها حسان بن النعمان دخل تاريخ "إفريقية" الإسلامية في دور جديد، وتحولت إلى قاعدة إسلامية ينطلق منها المسلمون إلى ما يليها غربا. ولهذا يعتبر هذا الفاتح العظيم من أكابر بناة الدولة الإسلامية، والفاتح الحقيقي لبلاد المغرب. وقد استحق -عن جدارة- أن يسمى "الشيخ الأمين"١.
_________________
(١) ١ البيان المغرب "١/ ٣٩".
[ ٨٧ ]