لم تتح الفرصة لمعاوية بن حديج أن يعود إلى "إفريقية" لاستكمال الفتح، إذ عزله الخليفة معاوية بن أبي سفيان عن قيادة الجند "عام ٤٨هـ/ ٦٦٨م" وعين بدلا منه القائد المجاهد عقبة بن نافع الفهري "عام ٥٠هـ/ ٦٦٨م".
ويتفق المؤرخون على أن بداية ولاية عقبة بن نافع الفهري تمثل مرحلة جديدة من مراحل الجهاد الإسلامي في منطقة المغرب، وكان اختياره موفقا إلى حد بعيد، ونابعا من قناعة تامة بأنه هو القائد الجديد رجل المستقبل في مرحلة انتهت بها حرب الاستكشاف والسرايا العادية لتبدأ مرحلة ذوي الكفاءات العسكرية من الفرسان الموهوبين؛ مرحلة الفتح الثابت المستقر. ولقد توفر في عقبة من الكفاءات الحربية والخلال الدينية ما يجعله جديرا بحمل هذا العبء الثقيل، حيث مكنه طول عهده بإفريقية، وكثرة اشتغاله بحروبها من تنمية مواهبة الحربية، وتكوين فكرة واضحة عن هذه البلاد التي جال في ربوعها، والتعرف على الكير من أخلاق وعادات أهلها، والتفطن إلى أمثل السبل لفتحها وإخضاعها، وكان رجلا قوي الإيمان، ورعا تقيا، تميل نفسه إلى الجهاد في سبيل الله ونشر الإسلام والدعوة إليه، لا إلى مجرد الفتوح والانتصارات وما وراء ذلك من مكاسب١.
وقد تأكد لعقبة بن نافع أن فتح "إفريقية" وبقية المغرب لا يثبت إلا بأمرين.
أولهما: إنشاء مركز للمسلمين تعسكر فيه جيوشهم، ويأمنون فيه على أموالهم
_________________
(١) ١ راجع ترجمة عقبة بن نافع في "سير أعلام النبلاء" للذهبي "ج٣ ص٣٤٩"، والإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر "٣/ ٣٠"، وعن تاريخ جهاده في "إفريقية" قبل تأسيس القيروان "فتح العرب للمغرب" لمؤنس ص"١٣٠-١٣٥". تاريخ المغرب العربي، لسعد زغلول عبد الحميد "١/ ١٣٤-١٤٢".
[ ٦٢ ]
ونسائهم وذراريهم، ومنه يخرجون للغزو، بدلا من العودة في كل مرة إلى "فسطاط" مصر.
وثانيهما: غزو البربر أنفسهم، والتوغل في قلب بلادهم، وإدراكهم في منازلهم في الهضاب والجبال والصحراء، بدلا من الاكتفاء بغزو مدائن الساحل ثم العود إلى "الفسطاط"؛ لأن المسلمين لا يكادون ينصرفون عن هذه البلاد حتى تعود الأمور إلى ما كانت عليه، لاتصال هذه المناطق عن طريق البحر بالبيزنطيين، تتلقى منهم الإمدادات، وكانوا -كما وصفهم عقبة نفسه- "إذا دخل عليهم أميرا أطاعوا، وأظهر بعضهم الإسلام، فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا، وارتد من أسلم"١.
تلك كانت الخطة التي وضعها عقبة نافع، وأراد أن ينفذها على مرحلتين، لكنه إذا كان قد نجح في أن ينفذ المرحلة الأولى ببناء مدينة القيروان فإنه كان ما كاد يشرع في تنفيذ المرحلة الثانية حتى رأت الخلافة أن تعهد بقيادة الجيوش الإسلامية في "إفريقية" إلى قائد آخر هو "أبو المهاجر دينار". وسيأتي الحديث عن ذلك بعد قليل.
وجه معاوية بن أبي سفيان إلى عقبة -وهو في مستقرة ببرقة وزويلة- عشرة آلاف فارس٢ -من بينهم خمسة وعشرون من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم٣- فضم عقبة إليهم من أسلم من البربر٤. وقد كان لطول الفترة التي قضاها هذا القائد في مناطق برقة وصحراء زويلة وطرابلس، وتتابع حملاته على هذه النواحي "من ٢٢هـ- إلى ٤٩هـ" أثر كبير في دخول بعض أهلها في الإسلام. وكان في ضمة لهم إلى الجيش دليل على أن هؤلاء أحسوا بحلاوة الإسلام، وعرفوا ضرورة الجهاد.
وفي مسيرة إلى إفريقية اتخذ عقبة طريقه في داخل البلاد، مباعدا عن الساحل وقد اتخذ هذه الخطة في كل أعماله، سواء في هذه الغزوة أو فيما بعدها. وربما كان
_________________
(١) ١ البيان المغرب لابن عذارى "١/ ١٩"، الكامل لابن الأثير "٣/ ٣٢٠"، وراجع: "فتح العرب للمغرب" لمؤنس ص"١٣٣"، دراسات أندلسية للدكتور محمد عبد الحميد عيسى، ص"٢٢". ٢ البيان المغرب "١/ ١٩". ٣ طبقات علماء إفريقية، لأبي العرب تميم، ص"٥٦". وفي رواية ابن عذارى "ثمانية عشر صحابيا" "البيان المغرب ١/ ٢٠". ٤ الكامل لابن الأثير "٢/ ٣٢٠"، نهاية الأرب للنويري جـ٢٤، ص"٢٢".
[ ٦٣ ]
دافعه إلى ذلك هو أن الطريق الداخلي المقفر لا تكون فيه إلا مقاومة ضئيلة من القبائل البربرية وسكان الواحات. أما الإقليم الساحلي فهو مليء بالحصون والمسالح١. وبعد أن أتم عقبة إخضاع أقاليم الواحات في صحروات جنوب "طرابلس" مثل -"ودان" و"فزان" و"غدامس"- توجه إلى بلاد الجريد "جنوب البلاد التونسية"، وأخضع كل واحاتها، وافتتح "قفصة" و"قسطيلة". ثم أفضى إلى "قمونية" قلب إفريقية البيزنطية، "وهو الموضع الذي عسكر معاوية بن حديج فيه من قبل"، فوقع اختياره عليه، ليقيم فيه المدينة التي عقد العزم على بنائها٢.
تأسيس القيروان ٣:
وفي "قمونية" -وفي هذا القطر الفسيح الذي يطل على البحر- بدأ عقبة بن نافع في اختيار موقع المدينة الجديدة. ولقد أحسن الاختيار بشهادة جميع المؤرخين؛ إذ راعى أن تكون المدينة في موضع متوسط بين الساحل والجبل، بحيث تكون بعيدة عن كل من ساحل البحر والجبل "جبل أوراس" بمسيرة يوم، وهو مدة كافية للابتعاد عن خطر المفاجأة من غزو بيزنطي بحري، أو من هجوم بربري يأتي من الجبل. كما أنه حرص على أن تكون في موقع يتمتع بوفرة المياه والمرعى والأرض الصالحة للزراعة١.
وقد علق المستشرق الفرنس "كودل" "Caudel" على ذلك بقوله: "وكان اختيار المكان موفقا، بل بلغ من التوفيق في اختياره أن ولاه المغرب ومن خلفهم من الحكام المستقلين أقاموا بها زمنا طويلا، ولم ينتقلوا عنها إلا حينما اضطرتهم ظروف سياسية جديدة إلى ذلك، كما كان موقعها الحربي ملحوظ الأهمية، إذ كان الحاكم الذي
_________________
(١) ١ راجع: فتح العرب للمغرب، لحسين مؤنس، ص"١٣٩". ٢ راجع: فتوح مصر والمغرب، لابن عبد الحكم، ص"١٩٤-١٩٥". ٣ تطلق كلمة "قيروان" على معسكر الجند، أو موضع اجتماع الناس والجيش. ويفهم هذا من قول عقبة حين عزم على تأسيس هذه المدينة: "وأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة نجعل فيها عسكرا، وتكون عزا للإسلام إلى آخر الدهر". فلما انتهى إلى اختيار موضعها قال: "هذه قيرونكم" أي مدينتكم التي تجعلون فيها عسكركم. وكلمة "قيروان" فارسية معربة، أصلها "كروان" أو "كريان" ومعاها: قافلة أو مراح القوافل. راجع: فتح العرب للمغرب لحسين مؤنس، ص"١٥٣-١٥٤". ٤ راجع: ابن عذارى في البيان المغرب "١/ ١٩".
[ ٦٤ ]
يتخذ هذا الموضوع مركزا لأعماله يستطيع أن يرى العدو من بعيد، ويتحرز من الغارات المفاجئة الكثيرة الحدوث عند البربر، وإذا أراد أن يطاردهم إلى هضابهم وجد الطريق مفتوحة أمامه "١.
وقد عمرت "القيروان" بمختلف الأبنية، وقامت فيها الأسواقن وأمها الناس من جميع الجهات، وعظم قدرها جدا، وقدر لها أن تصبح من أكثر المراكز الإسلامية بركة على الإسلام وأهله، وتحولت بسرعة إلى قاعدة سياسية ودينية وفكرية للإسلام في إفريقية. ولعل دعوة عقبة بن نافع قد استجيبت حينما دعا لهذه المدينة بعد اكتمالها بأن تكون عزا للإسلام وموئلا للعلم والعلماء فقال: "اللهم املأها فقها، وأعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزا لدينك، وذلا على من كفر بك، وأعز بها الإسلام، وامنعها من جبابرة الأرض"٢.
أنفق عقبة في تخطيط المدينة وبنائها أربع سنوات كاملة دون أن ينصرف إلى عمل آخر من أعمال الفتوح، باستثناء بعض السريا التي كان يرسلها إلى المناطق المجاورة٣. وقد أبدى بعض المؤرخين دهشتهم من أن المسلمين أنفقوا هذا الوقت الطويل مطمئنين من هجوم الروم عليهم، مع أن "قرطاجنة" -عاصمة الروم- لم تكن تبعد عن "القيروان" أكثر من مسيرة ثلاثة أيام. وقد عللوا ذلك بأن الروم كانوا -إذ ذاك في شغل عن "إفريقية" وغيرها من ولاياتهم بمدافعة هجمات المسلمين- في الشرق -على القسطنطينية وبعض جزر البحر المتوسط القريبة منها، خلال السنوات من "٤٩هـ" إلى "٥٤"٤، فانقطعت الأمداد عن الروم بإفريقية طوال هذه المدة وعدة سنوات بعدها٥.
_________________
(١) ١ نقلا عن "فتح العرب للمغرب" لحسين مؤنس ص"١٤٣". ٢ طبقات علماء إفريقية لأبي العرب تميم ص"٥٦". وراجع ما ذكره أبو عبيد البكري في وصف القيروان ومسجدها الجامع في "المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب" "مستخرج من كتابه: المسالك والممالك" -ص "٢٢-٢٧". ٣ راجع: الكامل لابن الأثير "٣/ ٣٢٠". ٤ راجع: تاريخ البحرية الإسلامية في مصر مصر والشام ص"٢١-٢٤"، ص"٣١-٣٣". ٥ فتح العرب للمغرب -لحسين مؤنس، ص "١٤٥".
[ ٦٦ ]
ونسجل هنا ملاحظتين على قدر كبير من الأهمية فيما يتعلق بتأسيس "القيروان":
أولاهما: لقد أنشأ عقبة للمسلمين قاعدة يحكم فيها البلاد التي يفتحها وتصدر منها الغزوات. ومعنى هذا أنه -بعمله هذا- قد جعل "إفريقية" ولاية إسلامية جديدة، لأنه ما دام قد أنشأ بها مسجدا ودارا للإمارة فقد أصبحت المنطقة كلها جزءا من الدولة الإسلامية، ولا يجوز بعد ذلك للمسلمين أن يتخلوا عنها، وبالفعل كان من الممكن -قبل ذلك- أن ينسحبوا من "إفريقية" إلى "برقة" أو إلى مصر كما كانوا يفعلون. أما الآن فلا بد لهم أن يثبتوا في هذه الناحية، وإن فقدوها -لسبب ما- فيجب عليهم أن يستعدوها مرة أخرى، لأنها جزء من الديار الإسلامية١.
وثانيتهما: وكما أفادت هذه المدينة حركة الفتوح كبرى من الناحية العسكرية فقد أفادت أيضا في العمل على نشر الإسلام والعروبة في المغرب. وهذا هو الغرض الأساسي من الفتوح، وذلك حينما سنحت الفرصة للاتصال السلمي بين البربر والعرب والمقيمين بالمدينة في الفترات التي تتوقف فيها الحروب؛ الأمر الذي ساعد على تقبل بعض البربر للدين الجديد باقتناع دون أي شبهة اضطرار. وقد زاد هذا الأمر أهمية أن الكثيرين من هؤلاء البربر الذين أسلموا أخذوا ينتظمون في جيوش المسلمين، ويسيرون معهم لإتمام فتح البلاد٢.
_________________
(١) ١ معالم تاريخ المغرب والأندلس، لحسين مؤنس -ص"٣٦". ٢ راجع: التطور السياسي للمغرب، للدكتور طاهر راغب ص"٣٨-٣٩"، فجر الأندلس لحسين مؤنس ص"٤٠".
[ ٦٧ ]