مراحل الفتح الإسلامي للمغرب:
لهذه الأسباب -وغيرها- مجتمعة كان فتح المسلمين للمغرب فتحا مميزا عن باقي الأقاليم المفتوحة، وكانت الجبهة المغربية من أعنف جبهات القتال وأطولها في حركات الفتوحات العربية الإسلامية.
ونتيجة لطول مدة الفتح الإسلامي لمنطقة المغرب فإن المؤرخين يميلون إلى تقسيم هذه الفتوحات إلى عدة مراحل، من أجل تسهيل دراستها واستيعابها؛ فهناك من يقسمها إلى مراحل عدة، قد تصل إلى ثماني مراحل، أو سبع، بحسب القادة الذين تولوا الجهاد هناك. ومنهم من يقسم الفتح إلى ثلاث مراحل رئيسية أو مرحلتين رئيسيتين؛ أولاهما: قبل تأسيس القيروان "سنة ٥٠هـ". والأخرى تالية لها. وليس هناك تعارض بين هذه التقسيمات؛ لأن الذين يفضلون تقسيم الفتح إلى مرحلتين رئيسيتين أو ثلاثة كانوا يقسمون كل مرحلة إلى تقسيمات داخلية. وسنتبع التقسيم الثلاثي في عرضنا التالي -المختصر- لفتوح المغرب.
المرحلة الأولى: مرحلة الاستكشاف والاستطلاع "٢٢-٥٠هـ/ ٦٤٣-٦٧٠م"
وقد امتدت هذه المرحلة من سنة "٢٢هـ/ ٦٤٢م" إلى منتصف القرن الأول الهجري. وقادة هذه المرحلة هم: عمرو بن العاص "ت٤٤هـ/ ٦٦٤م"، وعبد الله ابن سعيد بن أبي سرح "ت ٣٧هـ/ ٦٥٧م". ومعاوية بن حديج الكندي "ت٥٢هـ/ ٦٢٧م"، وعقبة بن نافع الفهري "الحملة الأولى" -﵃ أجمعين.
أولا: عمرو بن العاص وأولى المحاولات "فتح برقة -وادن- فزان -طرابلس"
ما كاد عمرو بن العاص -﵁- ينهي فتح الإسكندرية ويستقر فيها حتى بدأ
[ ٤٧ ]
يفكر في تأمين حدود مصر الغربية، فواصل السير إلى أن وصل "برقة"، وذلك في أواخر "سنة ٢١هـ/ ٦٤٢م"، فصالح أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها جزية١ في كل عام "دينار على كل حالم"٢.
وقد كانت "برقة" تابعة لمصر من أيام الاحتلال الروماني والبيزنطي، ولذا أقدم عمرو بن العاص على فتحها؛ لأنه يعتبرها مصرية. وبهذا يمكن إخراج فتح "برقة" من فتوح "إفريقية"، واعتبار فتحها إتماا لفتح مصر، ووقوفا عند حدها الغربي٣.
ولم يكن هدف عمرو بن العاص قاصرا على تأمين حدود مصر الغربية والقضاء على قوة البيزنطيين في ذلك الجانب فحسب، وإنما كانت تحثه دوافع الجهاد الإسلامي من أجل مواصلة نشر الإسلام. فبعد أن انتهى من فتح "برقة" بدأ في الاستعداد لفتح "طرابلس"، ولكن كان لا بد أن يؤمن خط العودة، خشية أن يؤتى من قبل السكان المقيمين في الواحات الداخلية، ومن هناك أدرك ضرورة تقسيم جيشه إلى فرقتين: إحداهما بقيادة تتجه إلى "طرابلس"، والثانية بقيادة عقبة بن نافع الفهري -وكان يومئذ قائدا صغيرا في جيش عمرو- لتتجه إلى المناطق الداخلية٤.
أما عقبة فلم يجد مقاوم تذكر حتى وصل إلى "زويلة"٥، وفتحها بالصلح على ثلاث عشرة ألف دينار٦، وأقام في هذه النواحي الصحراوية المنعزلة نحو عشرين سنة يدعو إلى الإسلام٧، ويضرب لأهلها المثل الجميل للمسلمين الصادق المتفاني في دينه، واستطاع أن يكسب إلى جانبه قلوب الكثير من أهلها، ومعظمهم من قبائل "نفوسة" و"لواتة" و"نفزاوة"، وهم من البربر "البتر"٨.
_________________
(١) ١ فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم ص"١٧٠". ٢ البيان المغرب لابن عذارى ج١ ص"٩". ٣ د. طاهر راغب: التطور السياسي للمغرب من الفتح إلى آخر القرن العاشر الهجري ص"١٤". ومن الجدير بالذكر أن "برقة" استمرت تحت الإدارة المصرية مدة طويلة أيام الخلفاء الراشدين، في الدولة الأموية، ومدة طويلة من الدولة العباسية. ٤ د. محمد عبد الحميد عيسى: دراسات أندلسية -ص "١١"، د. حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب ص"٥٩". ٥ زويلة: مدينة غير مسورة في وسط الصحراء، وهي أول حدود السودان القديم "معجم البلدان "٣/ ١٦٠". ٦ تاريخ الطبري "٤/ ١٤٤"، الكامل في التاريخ لابن الأثير "٢/ ٤٢٣". ٧ وذلك قبل أن يقود حملته الأولى لفتح إفريقية "سنة ٥٠هـ" ويؤسس هناك مدينة "القيروان". ٨ راجع: فجر الأندلس للدكتور حسين مؤنس ص"٣٧"، تاريخ المغرب العربي للدكتور سعد زغلول عبد الحميد، ج١، ص"٨٣-٨٧"، وانظر: فتح مصر والمغرب لابن عبد الحكم، ص"١٧١".
[ ٤٨ ]
وأما عمرو بن العاص فقد واصل المسير بحذاء الساحل، قاصدا "طرابلس" -وكانت هي الأخرى تابعة لمصر من الناحية الإدارية- فوصل إليها "سنة ٢٢هـ/ ٦٤٣م"، "وحاصرها شهرا لا يقدر منهم على شيء"، كما يقول ابن عبد الحكم١ وقد كان لطرابلس أسوارها التي تحيط بها إلا من جهة البحر، وكان حصار عمرو لها من ناحية البر فقط، ولم يؤثر هذا في المدينة أثرا ذا بال لخلو جهة البحر من الحصار ولم يتمكن المسلمون من فتحها إلا بعد أن نجحت إحدى سرايا الاستطلاع من التسلل إلى داخلها من الجهة المطلة على البحر، وتم تحقيق مفاجأة عسكرية جيدة ضد البيزنطيين الذين لم يجدوا فرصة لتنظيم المقاومة، بل هرب من استطاع منهم إلى سفنهم، تاركين وراءهم مغانم كثيرة٢.
وبمجرد استيلاء عمرو بن العاص على طرابلس سير قوة كبيرة من فرسانه، وأمرهم بالإسراع نحو مدينة "سبرت" "Sabrata"، وهي آخر مدن الإقليم الساحلية الهامة في اتجاه الحدود التونسية. ويصف ابن عبد الحكم فتح هذه المدينة بقوله: "وكان من بـ "سبرت" متحصنين فلما بلغهم محاصرة عمرو مدينة طرابلس، وأنه لم يصنع فيهم شيئا، ولا طاقة له بهم أمنوا، فلما ظفر عمرو بن العاص بمدينة طرابلس جرد خيلا كثيفة من ليلته، وأمرهم بسرعة السير، فصبحت خيله مدينة "سبرت"، وقد غفلوا وقد فتحوا أبوابهم لتسرح ماشيتهم، فدخلوها "أي المسلمون"، فلم ينج منهم أحد "أي من أهلها"، واحتوى عمرو على ما فيها"٣.
وفي أثناء حصار عمرو بن العاص لمدينة طرابلس أرسل قائده "بسر بن أرطأة" إلى ميدنة "ودان" في قلب إقليم "فزان"، وتقع جنوب طرابلس على بعد "٨٠٠ كم" في الصحراء، فافتتحها "سنة ٢٣هـ/ ٦٤٣م"٤ "راجع الخريطة.
_________________
(١) ١ فتوح مصر والمغرب ص"١١١". ٢ راجع قصة فتح طرابلس في "فتوح مصر والمغرب" لابن عبد الحكم، ص"١٧١"، والكامل لابن الأثير "٢/ ٤٢٨"، وراجع: فتح العرب للمغرب، لحسين مؤنس ص"٦٠-٦٣". ٣ فتوح مصر والمغرب ص"١٧٢". ٤ فتوح مصر والمغرب ص"١٩٤، ١٩٥". وراجع: معالم تاريخ المغرب والأندلس لحسين مؤنس ص"٣٤، ٣٥".
[ ٥٠ ]
التفكير في فتح "إفريقية" في آخر خلافة عمر بن الخطاب:
بهذا يكون عمرو بن العاص قد نجح في تأمين الحدود الغربية لمصر الإسلامية، وفتح البلاد الليبية الحالية دون عقبات كبيرة. وبعد أن تم له ذلك أخذ يستعد لفتح "إفريقية" "البلاد التونسية"، ولكنه قبل أن يفعل رأى استئذان الخليفة عمر بن الخطاب -﵁، وكتب إليه يقول: "إن الله فتح علينا إطرابلس، وليس بينها وبين إفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها، ويفتحها الله على يديه فعل". فرد الخليفة -رافضا فكرة الغزو- فقال: "لا، إنها ليست بإفريقية، ولكنها المفرقة، غادرة، مغدور بها، لا يغزوها أحد ما بقيت"١.
والسؤال: لماذا لم يسمح عمر بن الخطاب -﵁- لقائده عمرو بن العاص -﵁- بمواصلة الجهاد في هذه المنطقة، وهو الذي دفع بالمسلمين إلى الجهاد في ميادين شتى، وتم على يديه انهيار أكبر امبراطوريتين هما فارس والروم؟
لقد فسر الباحثون هذا الرفض بعدة تفسيرات، يمكن دمجها في سببين اثنين:
الأول: ما تعبر عنه مقالة عمر المذكورة؛ من أنه كان على علم بمجريات الأمور في "إفريقية"، وأنها ليست مأمونة الجوانب، ولا ميسورة الفتح، ولا قريبة الطاعة، وكان محيطا بثورات أهلها ونكثهم بالعهود، ومن هنا خشي على جيوش المسلمين من أن تنساب وتتبعثر في هذه المناطق الشاسعة، وهي لم تزل بعد في حاجة إلى توطيد نفوذها وسلطانها في البلاد التي تم فتحها٢. وهذا الموقف متسق مع إحساس الخليفة بالمسئولية، ومتفق ومجريات الأحداث؛ فما زالت مصر حديثة عهد بالفتح، وخط الإمدادات سيطول، وربما تعرض في فترة أو أخرى لخطر القطع أو التأخر٣.
_________________
(١) ١ فتوح مصر والمغرب ص"١٧٣". وفي البيان المغرب -لابن عذارى "ج١ ص٩": "وكتب "عمر بن العاص" إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- يخبره بما أفاء الله عليه من النصر والفتح، وأن ليس أمامه إلا بلاد إفريقية، وملوكها كثير، وأهلها في عدد عظيم، وأكثر ركوبها الخيل، فأمره بالإنصراف عنها. فأمر عمرو العسكر بالرحيل قافلا إلى مصر". ٢ د. السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير "الجزء الثاني: المغرب في العصر الإسلامي -ص٦٥"، د. أحمد مختار العبادي: في تاريخ المغرب والأندلس ص"٣٨"، د. محمد عبد الحميد عيسى: دراسات أندلسية، ص"١٣"، د. شكري فيصل: حركة الفتح الإسلامي، ص"١٥٧". ٣ د. طاهر راغب: التطور السياسي للمغرب ص"١٨".
[ ٥١ ]
الثاني: كانت أحوال مصر الداخلية تتطلب عودة عمرو بن العاص سريعا، إذ أتاه كتاب ذكر فيه: "أن الروم يريدون نكث العهد، ونقض ما كان بينهم وبينه فانصرف عمرو راجعا مبادرا لما أتاه"١. واكتفى بإرسال البعوث الخفيفة السريعة للتذكير بين حين وحين بقوة المسلمين٢.
أثبتت الأحداث -إذن- أن الوقت لم يحن بعد لمواصلة الجهاد نحو إفريقية.
وإلى هنا ينتهي دور عمرو بن العاص -﵁- في فتوح المغرب، وهو دور ليس بالكبير، فليس فيه مواقع عظيمة، إنما هو تقدم سهل في مناطق قليلة المقاومة. وقد حرص دائما على أن يكون بمقربة من الساحل لا موغلا في الداخل كما سيفعل كثيرون ممن سيأتون بعده من قادة الفتح، وقد اهتم كذلك بأن يؤمن له أمر الساحل؛ فلم يكد يتم فتح "برقة" حتى بعث عقبة بن نافع إلى "فزان"، ولم يكد يتم له فتح "طرابلس" حتى أرسل بسر بن أرطأة إلى "ودان". وهذه السياسة الحكيمة -أي تأمين المناطق الداخلية في خطوط الفتح- سيهملها أكبر القواعد الذين أتوا بعده، وهو عقبة بن نافع، فكان إهمالها سببا في ضياع جهوده كلها هباء؛ بل في استشهاده هو، وانتقاض إفريقية كلها انتقاضا تاما٣.
_________________
(١) ١ فتوح مصر والمغرب ص"١٧٣"، وراجع: تاريخ المغرب العربي للدكتور سعد زغلول عبد الحميد "ج١ ص٩٥"، التطور السياسي للمغرب، للدكتور طاهر راغب، ص"١٨". ٢ يشير ابن عبد الحكم في "فتوح مصر والمغرب -ص١٧٣" إلى ذلك بقوله: "وقد كان عمرو يبعث الجريدة من الخيل فيصيبون الغنائم ثم يرجعون". والجريدة من الخيل: سرية من الفرسان ليس معهم رجالة. ٣ راجع: فتح العرب للمغرب، للدكتور حسين مؤنس، ص"٦٩".
[ ٥٢ ]