عاد عقبة إلى "القيروان"، وكان أول ما فعله هو القبض على أبي المهاجر دينار، وتوثيقه في الحديد، وأخذ ما لديه من أموال "مائة ألف دينار" للإنفاق منها على إعداد الحملة الجديدة، ثم إنه أمر بتخريب معسكره "تكروان"، وجدد ما كان قد خرب من عمارة "القيروان"، ورد الناس إليها، فعمرت وعظم شأنها١، ثم بدأ منها حملة كبرى تختلف عن كل الحملات السابقة. إذ أنه ساح في كل صحروات المغربين -الأوسط والأقصى- حتى وصل إلى سواحل "السوس الأقصى" على البحر المحيط. وقبل الخروج من القيروان قرر عقبة أن يترك فيها حامية عسكرية قدرت بستة آلاف رجل، للدفاع عن المدينة، وحماية ما بها من الذراري والأموال، واختار "زهير بن قيس البلوي" قائدا عليها٢، ثم بدأ حملته الكبرى بهمة عالية، وعزيمة لا تفتر، حبا في الجهاد، وتوقا إلى الاستشهاد، وأملا في الانتهاء من فتوحات المغرب التي طال أمدها.
اتجه عقبة نحو مدينة "باغاية" عند أقدم جبل الأوراس، ولقي جمعا كبير من الروم، فهزمهم، ثم زحف إلى "بلاد الزاب" الفسيحة "في المغرب الأوسط" فاكتسحها بعد عدة معارك انتهت كلها بهزيمة الروم، فلما وصل إلى "تاهرت" وجد نفسه أمام تحالف كبير من الروم والبربر لم يعهد المسلمون له مثيلا من قبل، فالتقى بهم في معركة حامية، فأباد فرسانهم وفرق جمعهم، وقطع آثارهم٣، واستمر في طريقه غير عابئ بالمقاومة مهما اشتدت، حتى وصل إلى ولاية "طنجة" في المغرب الأقصى. وكان يحكمها أمير من الروم يسمى "يليان٤، فأرسل إلى عقبة مهاديا
_________________
(١) ١ فتوح مصر والمغرب ص"١٨٠"، والبيان المغرب "١/ ٢٣"، رياض النفوس للمالكي "١/ ٢٢". ٢ الكامل لابن الأثير "٣/ ٤٥٠"، فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم ص"١٩٨". ٣ راجع تفاصيل هذه المعارك: البيان المغرب "١/ ٢٣-٢٤"، الكامل لابن الأثير "٣/ ٤٥١"، وراجع: تاريخ المسلمين في المغرب والأندلس، لدكتور/ طه عبد المقصود عبد الحميد "ص٧٢-٧٣" "ط دار طيبة للإنتاج والتوزيع -القاهرة ٢٠٠٠م". ٤ سيكون لهذه الشخصية دور في فتح الأندلس، فبعد ثلاثين عاما من تاريخ حملة عقبة بن نافع -وفي ولاية موسى بن نصير آخر الفاتحين المسلمين للمغرب، وفي أثناء فتح الأندلس بقيادة موسى بن نصير، وطارق بن زياد -لقي "يليان" هذا مرة أخرى، وسيكون له شأن مع القائدين المذكورين.
[ ٧٠ ]
ومستعطفا له، وسأله المسالمة والنزول على حكمه، فقبل منه عقبة واجتمع به وأقره على بلاده. ويبدو أن عقبة كان يتطلع إلى فتح الأندلس، فاستفهم من "يليان" عن حالها، فأمده بالمعلومات عن حكامها "القوط"١، ولفت نظره إلى عدم التفكير في فتحها، "وعظم عليه أمرها" وقال له: "قد تركت الروم وراء ظهرك، وما أمامك إلا البربر، لم يدخلوا في دين النصرانية ولا غيرها، ومعظهم المصامدة"٢.
وعلى إثر هذه المشورة انحذر عقبة إلى جنوب المغرب الأقصى، حيث مواطن "صنهاجة" الملثمين وهو يومئذ وثنيون لم يدينوا بالنصرانية، فبدأ "بالسوس الأدنى"، ووصل إلى "وليلى" على مقربة من الموضع الذي ستقام فيه مدينة "فاس"، واستمر في مغامرته الكبرى حتى وطئت جيوشه أرس السوس الأقصى، وانتهى إلى جنوب المدينة الحالية المعروفة باسم "أغادير"، وتقع على مصب وادي السوس الذي يصب في المحيط. وهناك وقع المشهد التاريخي الشهير الذي حدثتنا عنه كتب التاريخ، وهو مشهد عقبة يدخل بفرسه في مياه المحيط الأطلسي حتى وصل الماء إلى تلابيبه، ويشهد الله على أنه وصل براية الإسلام إلى آخر المعمورة، ويقول: "يا رب لولا أن البحر منعني لمضيت في البلاد إلى مسلك ذي القرنين، مدافعا عن دينك، مقاتلا من كفر بك"٣.
بهذا يكون عقبة بن نافع قد أتم فتح بلاد المغرب، ونجح في التغلب على كل الجموع التي تصدت له، وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الفتح بصورة كاملة تقريبا.
استشهاد عقبة في طريقة العودة إلى القيروان:
وفي غمرة هذا النصر المبين يهرب "كسيلة بن لمرم" القائد البربري الذي أسلم على يد "أبي المهاجر دينار"، وأسلمت معه قبيلته "اوربة" وكان عقبة قد اصطحبه -وأبا المهاجر- في غزوته تلك، وأشرك معه جموعا من البربر المسلمين، وتذكر
_________________
(١) ١ راجع عن القوط في الأندلس، ص" ". ٢ البيان المغرب "١/ ٢٦"، والمصامدة: هم قبائل "مصمودة" البربرية. ٣ البيان المغرب "١/ ٢٧"، وراجع: الكامل لابن الأثير "٣/ ٤٥١". والعبر لابن خلدون "٦/ ١٠٧".
[ ٧١ ]
الروايات أن عقبة عامل "كسيلة" بما لا يليق به كقائد، وبما يتناسب معه كحديث عهد بالإسلام١.
بدأ عقبة رحلة العودة إلى القيروان، فاتخذ طريقه نحو "طنجة" لكي يعود إلى "المغرب الأوسط" وعندما وصل إلى "بلاد الزاب" في "بلاد الجزائر" -وعند بلدة "طبنة" "وعلى مسيرة ثمانية أيام من القيروان"- بعث بمعظم جنده إلى القيروان على عجل ولم يبق معه إلا جزءا صغيرا من الجيش يقدر بخمسة آلاف؛ لينهي به لما قد أجله في أول الحملة من ترك عدد من الحاميات الرومية معتصمة بقلاعها. ولعل السبب الذي جعل عقبة يرسل معظم الجيش إلى القيران يعود إلى أن أخبارا مقلقة قد وصلته "على ما يرى بعض الدراسين" أو أنه اطمأن إلى ما أنجزه في المغرب الأقصى كما يرى آخرون٢. ويعلل ابن عذارى إرساله هذا العسكر إلى القيروان برغبة الجند في الإسراء "للإياب إلى أحيائهم، والبدار إلى عيالهم"٣. ويضيف تعليلا آخر فيقول: "ثقة منه بما دوخ من البلاد، وأنه لا يقوم له أحد"٤.
وقد آثر عقبة أن يعرج -بمن بقي معه من الجنود- على مدينة "تهوذة" في أحواز نهر الزاب، للاستيلاء عليها، وإقامة حامية من فرسانه دائمة فيها٥. وهنا يظهر على مسرح الأحداث الزعيم البربري "كسيلة". وكان قد استطاع الفرار من جيش عقبة، وأخذ يتحين الفرصة المناسبة للقضاء عليه. وكان عيون الروم وجواسيسهم في هذه المنطقة قد بعثوا إليه، "فأعلموه بقلة من معه -أي عقبة- فجمع له جمعا كبير من الروم والبربر "قدر بخمسين ألف مقاتل" وزحف إليه ليلا حتى نزل بالقرب منه"٦.
ولم تكن إساءة عقبة إلى "كسيلة" -رغم ما نراه من بعض المبالغة فيما أوردته
_________________
(١) ١ راجع التفاصيل في البيان المغرب "١/ ٢٩"، الكامل لابن الأثير "٣/ ٤٥٢". ٢ د. أحمد مختار العبادي: في تاريخ المغرب والأندلس ص"٤٣"، د. السيد عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص"١٤١". ٣ البيان المغرب "١/ ٢٨". ٤ البيان المغرب "١/ ٢٩". ٥ "نص جديد عن فتح العرب للمغرب" -نشره ليفي بروفنسال في صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد سنة ١٩٥٤م، "ص٢٢٠"؟؟؟ لعبيد الله بن صالح من علماء القرن الثامن. وراجع: البيان المغرب "١/ ٢٨". ٦ رياض النفوس للمالكي "١/ ٢٥". وراجع: البيان المغرب "١/ ٢٩".
[ ٧٢ ]
المصادر بشأنها -هي السبب الوحيد في التفاف هذا الحشد الهائل من البربر والروم، ولكن السبب الأهم هو أن عقبة استطاع أن يفل جمعهم، ويشتت شملهم، وينتصر عليهم في كل المواقع التي خاضها ضدهم، وهذا هو الذي أزعجهم، وأوجد نوعا من التوافق أو التعاطف بينهم، فما زالوا يتربصون به حتى واتتهم الفرصة عندما انفرد بعيدا عن جيشه فتمكنوا من القضاء عليه.
ويروي ابن عذارى قصة هذه الكارثة التي وقعت "سنة ٦٣هـ- أو ٦٤هـ/ ٦٨١-٦٨٢م" فيقول: "لما وصل عقبة إلى مدينة "طبنة" أمر أصحابه، فتقدموا ثقة منه بما دوخ من البلاد، وأنه لا يقوم له أحد، لينفذ قدر الله ومراده، ويتعجل لعبده من كرامته ميعاده. وفصرف أصحابه إلى منازلهم عند قربهم منها، وسار هو إلى مندينة "تهوذة" لينظر فيمن يصلح لها من الفرسان. فلما انتهى إليها في بقية من معه وكانوا قليلا نظر الروم إليهم، فطمعوا فيهم، فأغلقوا باب حصنهم، وجعلوا يشتمونه ويرمونه بالحجارة والنبل، وهو يدعوهم إلى الله ﷿. فلما توسط البلاد بعث الروم إلى كيسلة بن لمزم الأوربي ". ويكمل ابن عذارى سير الأحداث -في موضع آخر قائلا: "فانتهز كسيلة فرصة فنكث، وقام في أهل بيته وقبائله من البربر. فقال أبو المهاجر لعبة: عاجله قبل أن يستعجل أمره. فوقف إليه عقبة، فتنحى "كسيلة" أمامه، فقالت له البربر: لم تنتحي عنه، وهو في خمسة آلاف، ونحن في خمسين ألفا في الزيادة، والرجل ليس عنده من يمده، وقد سار عنه أصحابه؟! فركبه البربر في الجيوش العظيمة "أي قودوه عليهم" وغشيه بهم كسيلة بقرب من تهوذا. فنزل عقبة -﵁- وركع ركعتين وقال لأبي المهاجر: الحق بالمسلمين فقم بأمرهم، فأنا أغتنم الشهادة. فقال له: وأنا والله أغتنمها معك. فكسر كل واحد منهما جفن سيفه، وكسر المسلمون كذلك أغماد سيوفهم، وأمرهم أن يترجلوا عن خيولهم، فقاتلوا قتالا شديدا حتى بلغ منهم الجهد، وكثر فيهم الجراح، وتكاثر عليهم العدو، فقتل عقبة وأبو المهاجر، ومن كان معهما من المسلمين، ولم يفلت منهم أحد إلا بعض وجوههم أسروا "١.
_________________
(١) ١ البيان المغرب "١/ ٢٨، ٢٩". وراجع: فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم ص"١٩٨"، الكامل لابن الأثير "٣/ ٤٥٢". ومن الجدير بالذكر أن موضع "تهوذة" لا يزال يعرف اليوم بسيدي عقبة، وهو عبارة عن واحة من النخيل بالقرب من مدينة "بسكرة" في جنوب "قسنطينة" بالجزائر "على بعد خمسة كيلو مترات من "تهوذة" وبها قبر هذا الفاتح العربي العظيم.
[ ٧٣ ]
وهكذا كان عدم الحذر -حتى بعد الانتصار- هو السبب الذي مكن الروم والبربر من التجمع واغتنام الفرصة الحاسمة، وقد دوى خبر مقتل عقبة في إفريقية والمغرب دويا هائلا، وكان له أثر عميق في نفوس المسلمين. وكان "كسيلة" قد زحف بجيوش لا حصر لها إلى القيروان، "فانقلبت إفريقية نارا وعظم على المسلمين، فخرجوا هاربين"١. ولم يبق في القيروان إلا الشيوخ والنساء والأطفال وكل مثقل بالأولاد، فأرسلوا إلى "كسيلة" يسألونه الأمان فأجابهم إلى ذلك، ودخل المدينة في المحرم "سنة ٦٤هـ-٦٨٢م" وجلس في قصر الإمارة أميرا على البربر ومن بقي في القيروان من العرب٢.
ويتفق المؤرخون على أن زهير بن قيس خليفة عقبة على القيروان أراد -بعد كارثة "تهوذة"- أن يقاتل كسيلة بمن بقي من الجيش، ويداف عن المدينة، وخطب في الناس قائلا: "يا معشر المسلمين، إن أصحابكم قد دخلوا الجنة، وقد من الله عليهم بالشهادة، فاسلكوا سبيلهم، ويفتح الله لكم دون ذلك". فاعترض عليه حنش الصنعاني "وهو من التابعين، وممن اشترك في فتح الأندلس"، وطالبه بالانسحاب مع بقية الجيس إلى المشرق حتى لا يتعرض المسلمون لسيوف البربر، وقال: "لا والله ما نقبل قولك، ولا لك علينا ولاية، ولا عمل أفضل من النجاة بهذه العصابة "الجماعة" من المسلمين إلى مشرقهم". ثم قال: "يا معشر المسلمين، من أراد منكم القفول إلى مشرقه فليتبعني" فاتبعه الناس، ولم يبق مع زهير إلا أهل بيته وذويه، فاضطر إلى اللحاق بهم، ونزل بقصره في "برقة"، وأقام بهها مرابطا إلى أن ولي عبد الملك بن مروان الخلافة "سنة ٦٥هـ-٦٨٣م". وبهذا خرجت "إفريقية" من أيدي المسلمين، وتراجعوا إلى برقة التي كان عمرو بن العاص قد فتحها منذ أربعين سنة، وكان على من أتى بعد "عقبة" أن يبدأ العمل من جديد.
_________________
(١) ١ رياض النفوس للمالكي "١/ ٢٨"، وراجع: البيان المغرب "١/ ٢٩-٣٠". ٢ رياض النفوس "١/ ٢٨"، والبيان المغرب "١/ ٣٠-٣١". ٣ البيان المغرب "١/ ٣١"، وراجع: رياض النفوس "١/ ٢٨".
[ ٧٤ ]
وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت للحملة الجهادية التي قادها عقبة بن نافع لفتح البلاد المغربية، فإنها تعتبر من كبريات الحملات العسكرية في تاريخ هذا الإقليم، شملت المغارب الثلاثة، وأدخلت المسلمين إلى مناطق لم يدخلوها من قبل، وحققت عدة انتصارات عسكرية مهمة، وعرفت البربر في مناطق نائية بالإسلام، وتكفي هذه النتائج التي حققتها هذه الحملة ردا على من قلل من أهميتها، وأضعف من قيمتها.
وبقي أن نقول: إن هذ المجاهد الكبير -عقبة بن نافع- يعتبر بحق من أعظم قادة الفتح الإسلامي، وواحد من أكبر بناء الدولة الإسلامية. ولا يقارن في هذا المجال إلا بالقائد الكبير "قتيبة بن مسلم الباهلي" الذي تولى مهمة الفتوح في الجناح الشرقي لدولة الإسلام، وإليه يرجع الفضل في التغلب على مقاومة الترك الوثنيين وفتح بلادهم للإسلام، والوصول به إلى "كاشغر" في إقليم "سنكيانج" في غرب الصين الحالية. وكان "عقبة" و"قتيبة" متعاصرين، واحد منهما وصل بحدود دولة الإسلام إلى أقصاها غربا، والثاني وصل بها إلى أقصاها شرقا.
[ ٧٦ ]