ولقد ارتبط بنشاط معاوية البحري وتحصين المدن الساحلية بالشام: القيام بمجهودات أخرى لحماية أطراف الشام الشمالية من إغارات البيزنطيين، وكانت الفتوحات الإسلامية الأولى للشام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -﵁- قد وصلت إلى "أنطاكية" و"حلب" و"قنسرين". وما أن انهزم البيزنطيون وعادوا إلى "آسيا الصغرى ""الأناضول" حتى دخلت المنطقة الشمالية من الشام في حظيرة المسلمين. وقد وضع لها نظام جديد يتفق مع متاخمتها لحدود آسيا الصغرى البيزنطية، إذ وقف المسلمون عند السفوح الجنوبية الشرقية لجبال "طوروس"، على حين تحصين البيزنطيون خلف هذه السلسلة الجبلية في آسيا الصغرى "راجع الخريطة". وأدى هذا الموقف إلى تخوف كل من المسلمين والبيزنطيين من بعضهما البعض، ودفعهما إلى تحويل المنطقة التي تفصل بين ممتلكاتهما إلى خراب موحش لا يشجع أحدا على ارتياده، ونقل كل
[ ٣٠ ]
منهما سكان حدودهما إلى داخل البلاد، وترك حصونهما مقفرة، ومنازلهما خالية من العمران.
ولقد لقي المسلمون متاعب جمة وصعاب كبيرة في حملاتهم الألى التي قاموا بها عبر هذه الجهات الجبلية التي تفصل شمال الشام عن آسيا الصغرى، إذ كان عليهم اجتياز بعض الدروب والممرات الجبلية وجبال "طوروس" لمهاجمة البيزنطيين. ولم يلبث المسلمون أن عملوا على تلاقي هذه الأخطار بترك حاميات عسكرية عند الثغرات الجبلية التي ينفذون منها، ثم تطور الأمر إلى اهتمامهم بتحصين المدن التي تتحكم في هذه الممرات، بإعادة بناء الحصون المخربة التي درمها البيزنطيون أثناء تقهقرهم، وبناء حصون جديدة، ومن هنا انتشرت سلسلة من الحصون في المنطقة الإسلامية الملاصقة للدروب والممرات التي ينفذ منها البيزنطيون من جبال طوروس لمهاجمة شمال الشام، وعرفت هذه المنطقة باسم "الثغور"، على حين أطلق اسم "العواصم" على سلسلة الحصون الخلفية لمنطقة الثغور. ولم تلبث هذه المناطق أن اتسعت، واهتم معاوية وقادته بتعميرها وتحصينها، وتشجيع المسلمين على الإقامة فيها، وإرساء نظم عسكرية وإدارية فعالة مكنتها من القيام بوظيفتها على أكمل وجه١، ألا وهي: الهجوم على الدولة البيزنطية ذاتها، وفي عقر دارها.
وقد عرفت الغزوات التي كانت تخرج من منطقة الثغور والقلاع لمهاجمة أراضي البيزنطيين باسم "الصوافي والشواتي"، حيث كانت الغزوات الإسلامية تقوم صيفا وشتاء، وتتوغل في بلاد الروم، ثم تعود إلى قواعدها مرة أخرى بعد الانتهاء من مهمتها. واستهدفت إنهاك قوة الوم وشغلهم في ديارهم بسلسلة لا تنقطع من الحملات، صيفا وشتاء، برا وبحرا، وكانت تهدف -في الوقت نفسه- إلى إيجاد ميدان يتدرب فيه الجند الإسلامي على أساليب القتال والقيادة، وتخريج جيل جديد من المحاربين والقادة العسكرين، وإعدادهم للقيام بمشاريع الفتوحات الكبرى فيما بعد٢، ولا تكاد سنة من سني خلافة معاوية "٤١-٦٠هـ" تخلو من صائفة أو شاتية
_________________
(١) ١ الأمويون والبيزنطيون، للدكتور إبراهيم العدوي "ص١٠٠-١٠٣". ٢ الدولة الأموية دولة الفتوحات لنادية مصطفى "ص١٩"، الأمويون والبيزنطيون للدكتور إبراهيم العدوي "ص١٠٤-١٠٥".
[ ٣١ ]
إلى بلاد الروم كما أنها لم تنقطع طوال العصر الأموي باستثناء فترات الفتن الداخلية١.
وقد أسفرت هذه الغزوات البرية عن تأكيد الهيمنة الإسلامية على نواحي كبيرة من آسيا الصغرى، كما أسفرت عن فتح بعض البلاد والحصون البيزنطية في البر، مثل "زبطرة" و"ملطية" و"أنطاكية" وإقليم "أرمينية".
وهكذا بدت غزوات البر والبحر في خلافة معاوية -﵁- تمهد للاستيلاء على "القسطنطينية" قلعة الروم المنيعة، التي إذا ما سقطت هي سقطوا هم.
[ ٣٢ ]