[٧٨٠ - ٨٧٣ هـ = ١٣٧٨ - ١٤٦٨ م].
النشأة والتكوين:
ظهرت جماعة من التركمان أطلقوا على أنفسهم اسم «قراقيونلو»
فى أواخر عهد السلطان «أبى سعيد بهادرخان» آخر حكام «الدولة
الإيلخانية» - فى النصف الثانى من القرن الثامن الهجرى = النصف
الثانى من القرن الرابع عشر الميلادى - فى الشمال الغربى لآسيا
جنوبى بحيرة «وان».
ومما لاشك فيه أن هذه الجماعة قد استفادت استفادة كبيرة من
الضعف الذى منيت به «الدولة الإيلخانية» فى عهد خلفاء السلطان
«أبى سعيد بهادرخان»، ودخلوا فى صراع مع التيموريين، واعتنقوا
المذهب الشيعى، ويرجع نسب أمرائهم إلى الأمير «محمد تورمش ابن
بيرام خواجة».
الوضع الداخلى:
استطاع الأمير «أبو نصر قرا يوسف نويان بن محمد» أول أمراء
«قراقيونلو» أن يقود كتائبهم المنتشرة بالأقاليم المجاورة لأرمينيا
و«أذربيجان»، ويستولى على «تبريز» ويجعلها عاصمة لإمارته، ثم
اصطدم بأحمد بن أويس الجلائرى فى عام (٨١٣هـ = ١٤١٠م)، وتمكن
منه وقتله، ومد سلطانه وسيطرته على «أذربيجان» (أذربايجان).
ولما غزا «تيمور» بلاد «قرا يوسف» فى عام (٨٠٢هـ = ١٤٠٠م)، سلبه
ملكه، ولكنه استعاد ما سلب منه فى عام (٨٠٨هـ = ١٤٠٥م)، ونادى
بابنه «بيربوداق» أميرًا على «أذربيجان» سنة (٨١٠هـ = ١٤٠٧م)،
فاستطاع أن يتخلص من «قرا عثمان» رئيس «الآق قيونلو» فى «ديار
بكر»، ويحقق لقبيلته كثيرًا من الانتصارات والفتوح من ناحية الغرب،
ثم توجه إلى الشرق لصد القوات التيمورية بقيادة «شاه رخ»، ولكنه
توفى فجأة فى الطريق بأذربيجان، وكذلك توفى والده «قرا
يوسف» فى الوقت نفسه، فتولى الأمير «إسكندر بن قرا يوسف»
الحكم فى عام (٨٢٣هـ = ١٤٢٠م)، واستمر حتى عام (٨٤١هـ =
١٤٣٧م).
وفى أثناء هذه الفترة وقعت أحداث كثيرة، فهاجم «شاه رخ» الذى
كان يحكم القسم الشرقى لإيران الأمير إسكندر بن قرا يوسف،
وألحق به الهزيمة فى «تبريز»، وطرده من «أرمينية» فى عام
[ ٤ / ٥٨ ]
(٨٢٤هـ = ١٤٢١م)، ولكن الأوضاع الداخلية للدولة التيمورية أجبرت
الأمير «شاه رخ» على العودة إلى «خراسان»، مما أتاح الفرصة
للأمير «إسكندر» للعودة إلى إمارته واسترداد ملكه، وتحقيق
انتصارات متتالية فى «أرمينية» و«أران»، و«بلاد الأكراد».
واستمر الصراع بينهما حتى قتل الأمير إسكندر سنة (٨٤١هـ) فتولى
أخوه الأمير «جهانشاه» زعامة أمراء «قراقيونلو»، واصطدم
بالتيموريين وهزم «الميرزا علاء الدولة التيمورى» واستولى منه على
«خراسان»، وفى الوقت نفسه تمرد ابن «جهانشاه» عليه فى
«أذربيجان»، فاضطر إلى مصالحة التيموريين ثانية، وأعاد إليهم
«خراسان»، ثم عاد إلى «تبريز» عاصمته ليتمكن من مواجهة ابنه
والقضاء على تمرده، فخرج عليه «حسن بيك» أحد أفراد قبيلة «آق
قيونلو»، وقتله فى سنة (٨٧٢هـ = ١٤٦٧م).
كان الأمير «حسن على» هو آخر أمراء هذه الدولة، وهو ابن الأمير
«جهانشاه» الذى اعتقله فى «باكو» نحو خمسة وعشرين عامًا؛
فلما ولى الأمير «حسن» الحكم، لقى هزيمة منكرة على أيدى قبيلة
«آق قيونلو» بزعامة «أوزون حسن» فى عام (٨٧٣ هـ = ١٤٩٥ م)،
وسقطت أسرة «قراقيونلو»، فكانت النهاية.
العلاقات الخارجية:
كانت دولة أمراء «قراقيونلو» فى «أذربيجان» ذات علاقات عديدة
مع جيرانها، اتصفت -فى المقام الأول- بأنها علاقات ذات صفة حربية،
فقد بدأت هذه العلاقة بتبعية هذه القبيلة للدولة الإيلخانية، ثم أقاموا
علاقات صداقة مع الجلائريين والعثمانيين بهدف مواجهة الغزو
التيمورى، ومما لاشك فيه أنهم استفادوا من هذه العلاقة، خاصة أن
«بايزيد» قد وفر الحماية لأمراء «قراقيونلو»، الذين فروا إلى
«الأناضول» هربًا من التيموريين، ولكن هذه العلاقة لم تسر على
وفاق مع الجلائريين، وقتل «قرا يوسف» «أحمد بن أويس الجلائرى»
فى عام (٨١٣هـ= ١٤١٠م).
أبعد التيموريون أمراء «قراقيونلو» عن مقار حكمهم أكثر من مرة،
[ ٤ / ٥٩ ]
وكانت العلاقة سيئة بينهما، وجاءت نهاية أمراء «قراقيونلو» على
أيدى قبيلة «آق قيونلو» (٩)، إحدى القبائل التركمانية التى تنتمى
إلى عنصرهم ذاته.
مظاهر الحضارة فى دولة أمراء قراقيونلو:
لم تتح الحروب والمعارك العسكرية فرصة كافية أمام أمراء
«قراقيونلو» للاهتمام بمظاهر الحضارة، فقد عاشت دولتهم فى
صراعات متواصلة من أجل الحفاظ على حدودها من الجلائريين
والتيموريين، ولكن ذلك لم يمنع الأمير «جهانشاه» من الاهتمام بالأدب
والشعر، إذ كان هو نفسه ينظم الشعر، وكان محبا له.
وقد شيد «جهانشاه» مسجدًا يعد تحفة فنية فى عمارته، وهو
«المسجد الأزرق» الذى يمثل العمارة الإسلامية فى هذه المنطقة.
لم يمنح التيموريون أيا من أمراء «قراقيونلو» فرصة الاتجاه نحو
الاهتمام بمظاهر الحضارة، لأنهم كانوا يحطمون كل شىء ويقضون
على الأخضر واليابس فى غزوهم الشامل على مناطق نفوذ أمراء
«قراقيونلو»، لذا لم يهتم هؤلاء الأمراء بمظاهر الحضارة، وصرفوا
جهودهم إلى النشاط الحربى.
[ ٤ / ٦٠ ]
الفصل التاسع