[٩٣٢ - ١٢٧٥ هـ = ١٥٢٦ - ١٨٥٨ م].
النشأة والتكوين:
ترجع نشأة المغول إلى «عمر شيخ» الذى تولى إمارة «فرغانة»، ثم
دخل فى حروب طويلة مع جيرانه وأصهاره المغول، وإخوته الأتراك،
لتوسيع أملاكه، ثم تُوفى فى عام (٨٩٩هـ = ١٤٩٣م)، نتيجة سقوطه
من فوق حصن له، وخلفه ابنه «ظهير الدين محمد بابر»، وكان عمره
اثنتى عشرة سنة آنذاك، وحكم سلاطين الإمبراطورية المغولية
«الهند» نحو ثلاثة قرون.
الوضع الداخلى:
ولد «ظهير الدين بابر» فى عام (٨٨٨هـ = ١٤٨٢م) بإمارة «فرغانة»
التى كان يحكمها والده، ثم أخرجه منها «الأزبك» و«الشيبانيون»،
فاتجه إلى «أفغانستان»، واستولى على «كابل» فى عام (٩١٠هـ
= ١٥٠٤م)، ثم استولى على «قندهار» فى عام (٩١٣هـ = ١٥٠٧م)،
ومن ثم عقد العزم على غزو «هندوستان»، والاستيلاء عليها، وأعد
العدة لذلك، ثم خرج بقواته وجيوشه، وبصحبته قادته الأتراك الذين
أطلق عليهم اسم «المغول»، وقصد «هندوستان»، فغزا «البنجاب»
واستولى على «لاهور» فى (السابع من شهر رجب سنة ٩٣٢هـ = ٢٠
من إبريل سنة ١٥٢٦م)، وانتصر على «إبراهيم اللودى» وقضى على
اللوديين فى معركة «بانى بت»، وتمكن من السيطرة على «دهلى»
و«آكره»، ثم واصل زحفه إلى «هندوستان»، وسيطر على شمالها
من «نهر السند» إلى سواحل «بنكاله»، ولكن وافاه أجله فى عام
(٩٣٧هـ = ١٥٣٠م)، قبل أن يدخل «بنكاله»، و«كجرات»، و«مالوه».
كان «ظهير الدين» قد بعث بابنه «همايون» على رأس الجيش
للاستيلاء على «آكره»، فاستولى عليها، وعلى كنوزها الثمينة
التى كانت تضم جوهرة «كوه نور» أثمن جوهرة فى العالم، فأثار
ذلك ملوك الهندوس، فتحالفوا ضده، إلا أنه تمكن من الانتصار عليهم،
فى معركة «رانا سنك»، وأسس «بابر» دولته، واهتم بالإصلاحات
الداخلية فيها.
خلف «ناصر الدين هُمايون» أباه «ظهير الدين بابر» فى التاسع من
جمادى الأولى عام (٩٣٧هـ = ١٥٣٠م)، وكان عمره آنذاك تسعة
[ ٤ / ٩٨ ]
عشرة عامًا، فواجه صعوبات شديدة، وتوفى فى عام (٩٦٣هـ =
١٥٥٦م)، وخلفه ابنه «أكبر شاه» الذى انتقل بالبابريين من مجرد
غزاة إلى أصحاب دولة قوية راسخة البنيان؛ إذ استولى على أهم
مناطق «الهند»، وانتصر فى معركة «بانى بت» فى عام (٩٦٤هـ=
١٥٥٦م) - وهى المنطقة نفسها التى انتصر فيها «بابر» من قبل -
ونجح «أكبر شاه» فى تنظيم حكومة أجمع المؤرخون على دقتها
وقوتها، وذلك فضلا عن النهضة الثقافية التى حدثت فى عصره،
والتى بلغت مكانة سامية لم تصل إليها بلاد «أوربا»، ثم تُوفى
«أكبر شاه» فى سنة (١٠١٤هـ = ١٦٠٥م)، وخلفه ابنه «سليم» الذى
تلقَّب باسم «نور الدين بادشاه» «جهانكيز»، وكان عمره -آنذاك- ستا
وثلاثين سنة، فنهج سياسة أبيه فى التسامح، وأشاع العدل بين
رعاياه، ثم خلفه ابنه «شاه جهان» فى عام (١٠٣٧هـ = ١٦٢٨م).
وإذا كانت «نورجهان» زوجة «جهانكيز» قد اشتهرت بمكائدها، فقد
اشتهرت «ممتاز محل» زوجة «شاهجهان» بالطيبة والصفات الحميدة،
والبر بالفقراء، ودفعت زوجها إلى العفو عن المذنبين، واستخدام
«التأريخ الهجرى» بدلا من «التأريخ الألفى» الذى وضع فى عهد
«جلال الدين أكبر».
أحب «شاه جهان» زوجته حبا شديدًا، وبلغ وفاؤه لها مبلغًا عظيمًا،
وبنى لها مقبرة «تاج محل»، التى تعد من روائع الفن المعمارى،
وإحدى عجائب الدنيا، ومازالت قائمة حتى الآن.
وفى عهد «شاه جهان» حدثت مجاعة شديدة بالهند، فاستغلها
البرتغاليون فى خطف الأهالى وأسرهم، ثم بيعهم فى سوق الرقيق،
وقد استطاع «قاسم خان» تخليص عشرة آلاف فرد منهم من
أيديهم، وعهد «شاه جهان» بالحكم إلى ابنه «أورنك زيب»، بعد أن
عهد إلىه بالقضاء على ثورات «الدكن».
تولى «أورنك زيب» العرش فى سنة (١٠٦٩هـ)، فألغى الاحتفال
بأعياد «النيروز»، وتمسك بتعاليم السنة، وأمر بتعمير المساجد،
وعين لها العلماء والوعاظ، وعمل على نهضة هذه البلاد، ثم أدت
[ ٤ / ٩٩ ]
الاضطرابات التى قامت وعمت مناطق واسعة من الإمبراطورية المغولية
إلى سقوط هذه الإمبراطورية فى قبضة الإنجليز فى عام (١٢٧٥هـ =
١٨٥٨م).
العلاقات الخارجية:
أقام المغول علاقات وطيدة مع بعض بلدان العالم الخارجى، لدرجة
أن الشاه الصفوى أمد «ظهير الدين بابر» بجنود من الفرس؛ لكى
يستعيد المناطق التى سلبت من دولته ببلاد «ما وراء النهر»، وأرغم
هؤلاء الجنود الناس على اعتناق المذهب الشيعى بالقوة، وقاموا
بإقامة مذابح لسكان هذه المناطق، فاتحد هؤلاء السكان وطردوا
جنود الفرس، بل اتحدوا مع «الأزبك» وطردوا «بابر» نفسه؛ حيث
فشل فى منع الفرس من قتل الناس وتعذيبهم، فتوجه «بابر» ناحية
«الهندستان» واستولى عليها بعد أن انتصر على «الراجبوتيين» فى
«خانوه».
كما أقام المغول علاقات مع البرتغاليين، الذين أمدوهم بالمدافع
للوقوف أمام حاكم «الكجرات» فى عهد «همايون»، واستعان
«همايون» بالشاه «طهما سب بن إسماعيل الصفوى» فى استعادة
حكمه على «هندستان»، بعد قضائه على أسرة «شيرشاه»، خاصة
أن شاه «إيران» هو الذى آواه فى محنته.
وقد وفد على «الهند» فى عهد «جهانكيز» مبعوثان إنجليزيان هما:
«وليم هوكنز» و«توماس راو»، ليعملا سفيرين لبلادهما من قبل الملك
«جيمس الأول»، وكان الهدف من هذه السفارة منافسة البرتغاليين
فى هذه البقاع؛ حيث كانت لهم عدة مراكز على شواطئ «الهند»،
وقد استعان «جهانكيز» بالإنجليز على طرد البرتغاليين من بلاطه،
ومحاربتهم ببحار «الهند»، ومنح الإنجليز امتيازات تجارية كثيرة.
يرجع زوال إمبراطورية المغول بالهند - فى المقام الأول - إلى
انصراف رجال الدولة إلى شئونهم ومصالحهم الخاصة، وتركهم مصالح
البلاد والعباد، وإيثار أنفسهم بالكنوز التى استولوا عليها فى
فتوحاتهم. ومن الحقائق المهمة أن عظماء الإمبراطورية المغولية
حكموا قرنين من الزمان، وكان هدفهم الأول هو العمل من أجل
[ ٤ / ١٠٠ ]
مصلحة الدولة واستقرار أوضاعها وأمنها، ثم تبدلت الأوضاع خلال
القرن الثالث والأخير لهذه الإمبراطورية، حيث غزا «نادر شاه» بلاد
«الهند»، وخرب عمرانها، وقضى على مظاهر الحضارة فيها، ثم
تركها لأعداء الإمبراطورية المغولية من «السيخ»،و«الهندوس»
و«الإنجليز».
كان «بهادر شاه الثانى» آخر حكام المغول فى «الهند»، وعزل فى
(١٣من شعبان سنة ١٢٧٤هـ = ١٨٥٨م)، ثم استولت «إنجلترا» على
الإمبراطورية المغولية، واستعمرت بلاد «الهند»، فعانت هذه البلاد من
تعسف «الإنجليز» وظلمهم وطغيانهم، واستنزفت الشركة البريطانية
ثروات هذه البلاد واستعبدت أهلها، وأسفر ذلك فى النهاية عن ثورة
وطنية ضد هذا الظلم وذلك الإجحاف.
مظاهر الحضارة فى الإمبراطورية المغولية بالهند:
اتسم حكام الإمبراطورية المغولية بالهند بالتسامح والعدل بين
الرعية، وأدى ذلك إلى اقتراب الناس منهم، ومصاهرتهم، وإلى
انتشار الإسلام فى ربوع دولتهم، وقد تجلى هذا التسامح فى أبهى
صوره فى عهد السلطان «جلال الدين أكبر»، الذى نادى بأن تكون
«الهند» لأهلها من المسلمين والهندوس.
ظلت السلطة الفعلية فى أيدى السلاطين، إذ كانوا يسيطرون على
نظم الحكم كلها، فقويت البلاد فى عهد الحكام الأقوياء، وسقطت
بالسلاطين الضعفاء، ولم تكن للوزير أو الوالى سلطات قوية.
انقسمت إدارة الأراضى الزراعية للدولة إلى نوعين، أولهما: إقطاع
القادة والأمراء مساحات من الأرض، ليقوموا على زراعتها ورعايتها،
ثم ينفقوا من غلتها على جنودهم وخدمهم وتابعيهم، والنوع الثانى:
شبيه بما يحدث اليوم؛ إذ كان الرجل يأخذ قطعة أرض مقابل الالتزام
بدفع بدل يؤديه إلى خزانة الدولة.
ولعل العمارة كانت من أبرز مظاهر الحضارة فى الإمبراطورية
المغولية فى «الهند»، إذ اهتم بها البابريون اهتمامًا بالغًا، وعمدوا
إلى تعمير المدن، وأصبح لهم طرازهم المعمارى المميز، الذى كان
مزيجًا من فنون المسلمين والهندوس، وكانت أهم سماته القباب
[ ٤ / ١٠١ ]
البصلية الشكل؛ المرصعة بالأحجار الكريمة، و«الميناء» و«الخزف»؛
فضلا عن الأقواس الحادة، والأبواب الفخمة التى فى أعلاها نصف
قبة، يُضاف إلى ذلك «تاج محل» إحدى عجائب الدنيا، ذلك البناء
الذى شيده «شاهجهان» ليكون مثوى لزوجته «ممتاز محل» تخليدًا
ووفاءً لذكراها.
عنى أباطرة «الدولة المغولية» عناية فائقة بالحركة الفكرية بالهند،
حيث ساهموا فى إخراج كتب قيمة للناس مثل كتاب: «بابرنامه» الذى
وضعه «بابر» عن نفسه وحكمه، وأظهر هذا الكتاب إلمام «بابر»
الواسع بالتاريخ وتقويم البلدان، والعلوم العقلية والنقلية، كما أظهر
إلمامه بالآداب العربية والتركية والفارسية. وكذلك كتبت «كلبدن
بيكيم» ابنة «بابر» كتاب «همايون نامه» الذى يعد مرجعًا وثيقًا فى
تاريخ «همايون» ثانى سلاطين الإمبراطورية المغولية.
أعفى «أكبر» الهنادكة من ضريبة الرءوس، واهتم بالعلوم والآداب
والفنون، وأصدر القوانين والتشريعات الاجتماعية التى تكفل للناس
حقوقهم، وتحافظ عليهم وعلى ممتلكاتهم، ونبغ فى عصره العديد
من المؤرخين والعلماء والأدباء من المسلمين والهنادكة.
[ ٤ / ١٠٢ ]