أولًا: النظام السياسى والإدارى، ويشمل:
أ - الخلافة:
وقد أقام العباسيون دولتهم سنة (١٣٢هـ= ٧٤٩م) وتولى أول خلفائهم
«أبو العباس عبدالله بن محمد» السلطة بناءً على وصية أخيه
«إبراهيم الإمام» بعد وقوعه فى قبضة الأمويين، وقد حكم «أبو
العباس» أربع سنوات، وقبيل وفاته عهد إلى أخيه «أبى جعفر
المنصور» بولاية العهد من بعده، ومن بعد «أبى جعفر»، «عيسى بن
موسى»، وكتب العهد بهذا وصره فى ثوب وختم عليه بخاتمه وخواتم
أهل بيته وسلمه إلى «عيسى بن موسى».
ومن هنا نلاحظ أن الحكم قد بدأ وراثيا فى عهد «الدولة العباسية»
منذ اللحظة الأولى، واقتصر على أهل البيت العباسى، كما أن أكثر
الخلفاء كان يوصى بولاية العهد إلى أكثر من شخص؛ مما أدى إلى
صراعات ساعدت على تصدع «الدولة العباسية».
وحين تولى «أبو جعفر المنصور» الخلافة واجه اعتراضًا من عمه
«عبدالله بن على» الذى رفض مبايعته، ودعا لنفسه بالخلافة مدعيًا
أنه ولى عهد «أبى العباس»، مما دعا «المنصور» إلى توجيه جيش له
بقيادة «أبى مسلم الخراسانى» تمكن من القبض عليه والقضاء على
دعوته.
وقد نقل «المنصور» ولاية العهد من ابن أخيه «عيسى بن موسى»
إلى ابنه «محمد»، الذى تولى الخلافة بعد أبيه «المنصور» سنة
(١٥٨هـ= ٧٧٥م) ولقب بالمهدى، واستمر فى منصبه حتى تُوفِّى سنة
(١٦٩هـ= ٧٨٥م)؛ حيث تولى ابنه «موسى» الملقب بالهادى، ولم يمكث
سوى سنة واحدة فى الحكم؛ حيث تولى من بعده أخوه «هارون
الرشيد»، ومنذ عهد «الرشيد» أصبح الصراع السياسى على السلطة
إحدى السمات المميزة للعصر العباسى الأول، وكان الصراع بين
«الأمين» و«المأمون» من الأمثلة المعبرة عن هذه السمة، وقد انتهى
بقتل «الأمين» وتولية «المأمون» الخلافة.
ب - الوزارة:
تُعدُّ الوزارة المنصب الثانى بعد الخلافة فى «الدولة العباسية» وقد
قسَّم فقهاء المسلمين الوزارة إلى نوعين:
- وزارة التفويض:
[ ٣ / ٢٣ ]
حيث يفوض الخليفة الوزير فى تدبير أمور الدولة برأيه واجتهاده،
فتكون له السلطة المطلقة فى الحكم والتصرف فى شئون الدولة.
- وزارة التنفيذ:
حيث يكون الوزير وسيطًا بين الخليفة والرعية والولاة، ومجرد منفذ
لأوامر الخليفة.
وقد أحدث العباسيون نظام الوزارة فى بداية دولتهم متأثرين فى
ذلك بالنظم الفارسية، ولم تكن مسئوليات الوزير فى بداية الأمر تبعد
كثيرًا عن مسئوليات الكاتب، وقد حصر «أبو جعفر المنصور» مهمة
الوزير فى التنفيذ وإبداء الرأى والنصح، ولم يكن له وزير دائم، ومن
وزرائه: «الربيع بن يونس» الذى اشتهر باللباقة والذكاء وحسن
التدبير والسياسة.
وقد ظهرت شخصية الوزراء إلى حد كبير فى عهد الخليفة
«المهدى»، لما ساد الدولة من هدوء نسبى، ومن هؤلاء الوزراء
الأقوياء «يعقوب بن داود»، ثم صار للوزارة شأن كبير فى عهد
«الرشيد»، و«المأمون» لاعتماد الأول على البرامكة، والثانى على
«بنى سهل»، فمُنِحَ «يحيى البرمكى» وزير «الرشيد»، و«الفضل بن
سهل» وزير «المأمون» صلاحيات وسلطات واسعة، جعلت نفوذهما
يمتد إلى جميع مرافق الدولة، ولكن سرعان ما تم التخلص منهما.
ج- الكتابة:
كانت طبقة الكُتَّاب ذات أهمية كبيرة فى «الدولة العباسية»، وكان
الكاتب ذا علم واسع وثقافة عريضة؛ لأنه يقوم بتحرير الرسائل
الرسمية والسياسية داخل الدولة وخارجها، كما يتولَّى نشر القرارات
والبلاغات والمراسيم بين الناس، ويجلس على منصة القضاء بجوار
الخليفة لينظر فى الدعاوى والشكاوى ثم يختمها بخاتم الخليفة.
ومن أشهر الكُتَّاب فى العصر العباسى الأول «يحيى بن خالد بن
برمك» فى عهد «الرشيد»، و«الفضل» و«الحسن» ابنا «سهل»،
و«أحمد بن يوسف» فى عهد «المأمون»، و«محمد بن عبدالملك
الزيات» و«الحسن بن وهب»، و«أحمد بن المدبر» فى عهد
«المعتصم» و«الواثق».
د - الحجابة:
وهى وظيفة تقوم بمساعدة الحكام فى تنظيم الصلة بينهم وبين
[ ٣ / ٢٤ ]
الرعية، فالحاجب واسطة بين الناس والخليفة، يدرس حوائجهم، ويأذن
لهم بالدخول بين يدى الخليفة أو يرفض ذلك إذا كانت الأسباب غير
مقنعة؛ وذلك حفاظًا على هيبة الخلافة وتنظيمًا لعرض المسائل حسب
أهميتها على الحاكم الأعلى للبلاد.
وقد اقتدى العباسيون بالأمويين فى اتخاذ الحُجَّاب، وأسرفوا فى
منع الناس من المقابلات الرسمية، ولعل هذا هو السبب المباشر فى
نشأة ما أسماه «ابن خلدون» «الحجاب الثانى»، فكان بين الناس
والخليفة حاجزان عبارة عن دارين، أحدهما يُسمَّى «دار الخاصة»
والآخر «دار العامة»، وكان الخليفة يقابل كل طائفة حسب حالتها
وظروفها فى إحدى هاتين الدارين تبعًا لإرادة الحُجَّاب على أبوابها.
هـ - ولاية الأقاليم:
المقصود بالأقاليم: المناطق التى تتكون منها الدولة. وقد كان النظام
الإدارى فى «الدولة العباسية» نظامًا مركزيا؛ حيث صار الولاة على
الأقاليم مجرد عمال للخليفة على عكس ما كانوا عليه فى «الدولة
الأموية».
وقد قسم العباسيون الولاية على الأقاليم إلى قسمين، وخصوصًا فى
عهد «الرشيد»، الأول: الولاية الكبرى وهى التى تكون لأحد أبناء
الخليفة أو شخص مقرب من الخليفة؛ حيث يتولى هذا الوالى عدة
أقاليم فى الدولة ويقوم بتصريف أمورها من العاصمة، أو من أحد
تلك الأقاليم بعد الرجوع إلى الخليفة، ويرسل إليها ما يشاء من
الولاة. الثانى: الولاية الكاملة: حيث يتمتع الوالى ببعض السلطات التى
توسع دائرة نفوذه، مثل النظر فى الأحكام وجباية الضرائب والخراج
وحماية الأمن وإمامة الصلاة وتسيير الجيوش للغزو.
والدواوين:
ظهرت الدواوين فى «الدولة الإسلامية»، كبقية المؤسسات الإدارية،
نتيجة لاحتياج المسلمين إليها، وقد جعل «ابن خلدون» وجود الديوان
من الأمور اللازمة للملك.
وللديوان أهمية كبرى فيما يتعلق بأموال الدولة وحقوقها وحصر
جنودها ومرتباتهم، ويرجع الفضل فى تنظيم الدواوين فى العصر
العباسى إلى «خالد بن برمك».
[ ٣ / ٢٥ ]
وقد اهتم الخلفاء العباسيون بالدواوين؛ فكثرت اختصاصاتها
وتنوعت بسبب التعاون الوثيق بين العباسيين والفرس، فقد أخذ
العباسيون الخبرة الفارسية فى مجال الإدارة، كما احتفظوا ببعض
تنظيمات «الدولة الأموية»، خصوصًا فى الدواوين والدوائر الرسمية،
كما استحدثوا بعض الدواوين كديوان المصادرات، وديوان الأزمّة
(المحاسبة) وديوان المظالم، وغيرها.
ز - القضاء:
وهو من الوظائف المهمة فى «الدولة الإسلامية»، ويقوم على
المحافظة على حقوق الرعية وإقرار العدل والإنصاف بين جميع
الطبقات، وحماية الأخلاق العامة، مستمِدا أحكامه من الكتاب والسنة،
ونظرًا لأهمية هذا المنصب فقد وضع العلماء المواصفات التى يجب
توافرها فى القاضى، ومنها: أن يكون رجلًا قويًا عاقلًا حرا مسلمًا
عادلًا، ويتمتع بالسلامة فى السمع والبصر، وأن يكون عالمًا بأحكام
الشريعة.
وقد حظى القضاة فى العصر العباسى الأول بالتبجيل والاحترام،
وكان تعيينهم وعزلهم يتم بأمر الخليفة، وأول من فعل ذلك الخليفة
«المنصور»، فقد عين قضاة البلاد بأمره سنة (١٣٦هـ= ٧٥٣م).
وقد استقرت المذاهب الفقهية فى عهد «الدولة العباسية»، وتحددت
مهام القضاة وكيفية الإجراء القضائى، وتوحد القانون وأصبحت
جلسات القاضى علنية فى المسجد وخصوصًا فى عهد «المأمون».
كما اهتم خلفاء العباسيين بالتثبت من الأحكام، فعيَّنوا جماعة من
المُزَكِّين، وظيفتهم تتبع أحوال الشهود، فإذا طعن الخصم فى
شهادة أحد الشهود سُئل عنه المزكى، كما اهتموا بأحوال القضاة
المادية حتى يعيشوا فى يسر ورخاء.
وقد تطور القضاء بصورة ملحوظة فى العصر العباسى الأول، وظهر
منصب «قاضى القضاة»، وكان يقيم فى عاصمة الدولة، ويقوم
بتعيين القضاة فى الأقاليم والبلاد المختلفة، وأول من لقب «قاضى
القضاة» «أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم»، صاحب كتاب «الخراج»،
فى عهد «الرشيد».
ثانيًا: الأوضاع الاقتصادية والعمرانية:
[ ٣ / ٢٦ ]
أدرك الخلفاء العباسيون أهمية الاقتصاد وتنمية الموارد المالية
لمواجهة النفقات المتعددة للدولة، واتخذ «المنصور» عدة خطوات
لزيادة موارد الدولة، فاستحدث نظام المصادرات للاستيلاء على
الأموال لمواجهة أعباء الثورات والحركات التى واجهها، وأعاد النظر
فى مقادير الضرائب المفروضة على الكور.
وفى عهد «الرشيد» ازدهرت أحوال الدولة الاقتصادية، وارتفع
مستوى المعيشة، بسبب تدفق الأموال على خزانة الدولة فى بغداد،
وتعدد موارد الدولة المالية، فكان منها الزكاة، والخراج، والجزية،
وأخماس المعدن، والرسوم على التجارة الخارجية، وغيرها.
وقد أسهمت تلك الموارد فى سدّ النفقات فى مجال النشاط العسكرى
والأمنى، ومجال البناء والتعمير وإنشاء المدن، مثل مدينة «بغداد»
و«سامراء».
مدينة بغداد:
يرجع الفضل فى بنائها إلى الخليفة «أبى جعفر المنصور» ودفعه
إلى ذلك عدة أسباب، منها:
١ - «ثورة الرواندية» سنة (١٤١هـ = ٧٥٨م) وما شكّلته من خطر كبير
على «المنصور» نفسه؛ الأمر الذى جعله يفكر جديا فى الانتقال من
«الهاشمية» لأنها لم تكن بالعاصمة الحصينة التى يأمن فيها على
نفسه.
٢ - أن «الهاشمية» وهى العاصمة المؤقتة للدولة العباسية كانت
قريبة من «الكوفة» مركز التشيع؛ مما يشكل خطرًا على العباسيين.
٣ - رغبة «المنصور» فى إنشاء عاصمة جديدة تليق بالدولة وتخلد
ذكره من بعده.
وقد جرت عدة محاولات لاختيار المكان المناسب لبناء عاصمة الدولة
الجديدة، حتى وقع الاختيار على المكان الذى بنيت فيه مدينة
«بغداد»؛ وروعى فيها أن تتمتع بمزايا عديدة أهمها:
- أنها قريبة من «خراسان» مهد الدعوة العباسية، فضلًا عن قربها
من المراكز العربية الأخرى، وبعدها عن مراكز الاحتكاك البيزنطى.
- وأنها تقع بين نهرين كبيرين هما «دجلة» و«الفرات»، وهما
يشكلان خطين للدفاع عن المدينة.
- وأنها تقع وسط «العراق» وعلى مسافة متساوية بين «البصرة»
[ ٣ / ٢٧ ]
و«الموصل»؛ مما يجعلها سوقًا للبضائع والمنتجات، وملتقى للقوافل
التجارية البرية والنهرية؛ إذ إنها تقع أيضًا على طريق «الشام» -
الخليج العربى.
هذا بالإضافة إلى طبيعة المكان السهلة والمفتوحة؛ مما يشبع رغبة
العرب والمسلمين الذين اعتادوا السكنى فى مثل هذه الأماكن.
وقد حشد «المنصور» لبنائها العمال المهرة فى الصناعة والبناء،
وابتدأ فى بنائها سنة (١٤٥هـ= ٧٦٢م)، وفقًا لأرجح الأقوال.
وقد تم تصميم المدينة على شكل دائرى، يحيط بها سور، ولها أربعة
أبواب، وبلغت نفقات بنائها حينئذٍ ثمانية عشر مليون درهم، وأُطلق
عليها اسم «دار السلام»، إلا أن الشائع هو اسمها القديم «بغداد».
مدينة سامراء:
أسسها الخليفة العباسى «المعتصم بالله» (٢١٨ - ٢٢٧هـ = ٨٣٣ -
٨٤٢م) وجعلها عاصمة للخلافة، وقد دفعه إلى إنشائها احتكاك
الجنود الأتراك الذين جلبهم الخليفة للإقامة معه فى «بغداد»، بسكان
المدينة وجنودها السابقين، مما أدى إلى حدوث إصابات كثيرة بين
سكان «بغداد» ومقتل كثير من النساء والأطفال والشيوخ، فاضطر
الخليفة «المعتصم بالله» إلى البحث عن مكان جديد، ينتقل إليه مع
جنوده وحاشيته؛ فوقع الاختيار على أرض «سامراء»، على بعد
ستين ميلًا شمالى «بغداد».
وقد حشد لها «المعتصم» العمال والبنائين وأهل الصناعات المهرة،
وشرع فى بنائها سنة (٢٢١هـ= ٨٣٦م).
ثالثًا: الحياة الفكرية:
شهد العصر العباسى الأول نهضة فكرية عظيمة، وطفرة ثقافية
كبيرة فى شتى مجالات العلم والمعرفة نتيجة امتداد رقعة «الدولة
العباسية» ووفرة ثروتها ورواج تجارتها واهتمام الخلفاء بالحياة
الفكرية.
وقد ميز علماء المسلمين بين نوعين من العلوم:
١ - علوم تتصل بالقرآن الكريم، وهى «العلوم النقلية أو الشرعية»،
وتشمل علم التفسير، وعلم القراءات، وعلم الحديث، والفقه، وعلم
الكلام، والنحو، واللغة والبيان والأدب.
٢ - علوم أخذها العرب عن غيرهم من الأمم، وهى «العلوم العقلية»
[ ٣ / ٢٨ ]
وتشمل: الفلسفة والهندسة وعلم النجوم والموسيقى والطب والكيمياء
والتاريخ والجغرافيا.
وقامت المساجد بدور فعَّال فى نشر الثقافة الإسلامية؛ حيث كانت
تكتظ بحلقات العلم والدرس، وبخاصة العلوم الشرعية التى ازدهرت
فى العصر العباسى، ونشأت فى كنف علمى التفسير والحديث، ولم
يكن الحديث مقصورًا على أحاديث رسول الله - ﷺ -،
وإنما ضم أيضًا ما كان مأثورًا عن الصحابة، ومن أشهر رجال الحديث
فى ذلك العصر: «حماد بن سلمة» المتوفى سنة (١٦٥هـ)، و«سفيان
بن عيينة» بمكة المتوفى سنة (١٩٨هـ)، و«وكيع بن الجراح»
بالكوفة المتوفىسنة (١٩٦هـ)، و«عبدالله ابن المبارك» المتوفى سنة
(١٨١هـ)، و«سفيان الثورى» بالكوفة المتوفى سنة (١٦١هـ)،
و«عبدالرحمن الأوزاعى» بالشام المتوفى سنة (١٥٧هـ)، و«عبدالملك
بن جريح» المتوفى سنة (١٥٠هـ)، و«معمر بن راشد» باليمن
(١٥٣هـ)، و«سعيد بن أبى عروبة» بالبصرة المتوفى سنة (١٥٦هـ)،
و«مالك بن أنس» بالمدينة.
ومن أبرز المؤلفات فى هذا المجال: كتاب «الموطأ» الذى ألفه الإمام
«مالك بن أنس» إمام دار الهجرة (المدينة المنورة) بناءً على طلب
«المنصور»، فيروى أن الخليفة «أبا جعفر المنصور» قابل الإمام
«مالكًا» فى موسم الحج، وكلَّمه فى مسائل كثيرة من العلم، ثم قال
له: يا «أبا عبدالله» لم يبقَ فى الناس أفقه منى ومنك، وإنى قد
شغلتنى الخلافة فاجمع هذا العلم ودونه ووطئه للناس توطئة، وتجنب
فيه شدائد «عبد الله بن عمر»، ورُخَص «عبدالله بن عباس»، وشواذ
«عبدالله بن مسعود»، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه
الأئمة والصحابة ﵃. فاعتذر الإمام «مالك»، فلم يقبل
«المنصور» منه، فوضع «مالك» كتاب «الموطأ».
ولم تظهر الطريقة المنظمة فى التفسير إلا فى العصر العباسى الأول؛
حيث كان قبل ذلك غير منظم ويقتصر على تفسير آيات صغيرة غير
مرتبة حسب ترتيب السور والآيات باستثناء تفسير ابن عباس.
[ ٣ / ٢٩ ]
وأهم المفسرين فى العصر العباسى الأول «مقاتل بن سليمان
الأزدى» المتوفى سنة (١٥٠هـ)، و«محمد بن إسحاق» المتوفى سنة
(١٥١هـ)، ولم يصل من تفاسير هؤلاء شىء إلينا.
وازدهرت دراسة الفقه ازدهارًا عظيمًا وكانت له مدرستان، الأولى
مدرسة أهل الرأى والقياس فى العراق ومؤسسها «أبو حنيفة
النعمان» المتوفى سنة (١٥٠هـ)، وخلفه «أبو يوسف يعقوب بن
إبراهيم» المتوفى سنة (١٨٢هـ)، و«محمد بن الحسن الشيبانى»
المتوفى سنة (١٨٩هـ)، والثانية مدرسة أهل الحجاز ومؤسسها «مالك
بن أنس» وتسمى مدرسة أهل الحديث، ثم جاء الإمام الفقيه «محمد بن
إدريس الشافعى» المتوفى سنة (٢٠٤هـ)، وجمع بين هاتين
المدرستين، أى جمع بين طريقة الحجازيين فى الاعتماد على الكتاب
والسنة وطريقة العراقيين فى الاعتماد على الرأى، ومن العلوم التى
ظهرت وتطورت فى ذلك العصر: علم الكلام، ويقصد به الجدل الدينى
فى الأمور العقيدية ويسمى المشتغلون به المتكلمين، ومن أشهر
فرقهم المعتزلة الذين دخلوا فى محاورات ومجادلات مع غيرهم من
المرجئة والرافضة والشيعة، والنصارى، واليهود، والمانويين.
وأهم رجال المعتزلة «واصل بن عطاء» المتوفى سنة (١٣١هـ)،
و«عمرو بن عبيد» المتوفى سنة (١٤٥هـ)، و«بشر بن المعتمر»
المتوفى سنة (٢١٠هـ)، و«ثمامة بن أشدس» المتوفى سنة (٢١٣هـ)،
و«أبو الهذيل العلاف» المتوفى سنة (٢٢٧هـ).
وشهد ذلك العصر نخبة كبيرة من علماء اللغة، منهم: «أبو عمرو بن
العلاء» المتوفى سنة (٥٤هـ)، و«خلف الأحمر» المتوفى سنة
(١٨٠هـ)، و«الأصمعى» صاحب الأصمعيات المتوفى سنة (٢١٣هـ)،
و«أبو زيد الأنصارى» صاحب كتاب النوادر المتوفى سنة (٢١٤هـ)،
و«أبو عبيدة» صاحب «نقائض جرير والفرزدق» المتوفى
سنة (٢١٠هـ)، و«محمد بن سلام الجمحى»، و«حماد الراوية» المتوفى
سنة (١٥٥هـ)، و«المفضل الضبى»، و«أبو عمرو الشيبانى» المتوفى
سنة (٢٠٦هـ)، و«أبو عبيد القاسم بن سلام» المتوفى سنة (٢٢٤هـ).
[ ٣ / ٣٠ ]
وفى النحو: «عيسى بن عمر الثقفى» المتوفى
سنة (١٤٩هـ)،و«الخليل» الواضع الحقيقى لعلم النحو المتوفى
سنة (١٧٠هـ)، و«سيبويه» المتوفى سنة (١٨٠هـ)، و«معاذ بن مسلم
الهراء» المتوفى سنة (١٨٧هـ)، و«الكسائى» المتوفى سنة (١٨٩هـ)،
و«الفراء» المتوفى سنة (٢٠٧هـ)،وعنى كثير من اللغويين والنحاة
بكتابة سيرة النبى - ﷺ - وأشهرهم «محمد بن
إسحاق» المتوفى سنة (١٥١هـ)، و«ابن هشام» المتوفى
سنة (٢١٣هـ)، و«محمد بن عمر الواقدى» المتوفى سنة (٢٠٧هـ)،
و«محمد بن سعد» صاحب الطبقات المتوفى سنة (٢٣٠هـ).
كما نشطت كتابة التاريخ فى العصر العباسى الأول، وأشهر من
اشتغل بذلك العلم: «محمد بن الحسين بن زبالة»، و«أبو مخنف لوط بن
يحيى الأزدى» المتوفى سنة (١٥٧هـ)، و«سيف بن عمر التميمى»
المتوفى سنة (١٨٠هـ)، و«هشام بن محمد الكلبى» المتوفى
سنة (٢٠٤هـ)، و«المدائنى» المتوفى سنة (٢٢٥هـ).
كما شهد ذلك العصر نخبة كبيرة من فحول الشعراء على رأسهم
«بشار بن برد» المتوفى سنة (١٦٨هـ)، و«أبو نواس الحسن ابن
هانىء» المتوفى سنة (١٩٥هـ)، و«أبو العتاهية» المتوفى
سنة (٢١١هـ)، و«مسلم بن الوليد» المتوفى سنة (٢٠٨هـ)، و«أبو تمام
حبيب بن أوس» المتوفى سنة (٢٣١هـ)، وتطور النثر فى العصر
العباسى الأول بعد دخول كثير من الثقافات اليونانية والفارسية
والهندية التى امتزجت به، وأهم فنون النثر فى ذلك الوقت الخطابة
والوعظ، والمناظرات، والرسائل الديوانية- العهود والوصايا
والتوقيعات - والرسائل الإخوانية والأدبية، ومن أعلام الكتاب فى
ذلك العصر:
«ابن المقفع» المتوفى سنة (١٤٣هـ)، و«سهل بن هارون» المتوفى
سنة (٢١٥هـ)، و«أحمد بن يوسف» المتوفى سنة (٢١٣هـ)، و«عمرو بن
مسعدة» (٢١٧هـ).
وقد شجع الرشيد العلم والعلماء، وأنشأ «بيت الحكمة»، وجمع فيه
كثيرًا من المؤلفين، والمترجمين والنساخ.
ومن أشهرهم: «سهل بن هارون»، و«الحسين بن سهل»، و«الفضل
[ ٣ / ٣١ ]
بن نوبخت»، وكانوا يترجمون من الفارسية إلى العربية. و«حنين بن
إسحاق»، و«يوحنا البطريق»، و«يوحنا بن ماسويه»، وكانوا
يترجمون من اليونانية والسريانية إلى العربية، وفى عهد «المأمون»
نشطت حركة الترجمة والنقل من اللغات الأجنبية إلى العربية، فأرسل
البعوث إلى «القسطنطينية» لإحضار المصنفات الفريدة فى الفلسفة
والهندسة والموسيقى والطب.
وبجانب اهتمام الخلفاء بحركة الترجمة والنقل، اهتم ذوو اليسار
(الأغنياء) بتشجيع العلم والإنفاق على الترجمة إلى اللغة العربية،
ومنهم «محمد» و«أحمد» و«الحسن» أبناء «موسى بن شاكر» الذين
أنفقوا أموالًا ضخمة فى ترجمة كتب الرياضيات، وكانت لهم آثار قيمة
فى الهندسة والموسيقى والنجوم، وقد أرسلوا «حنين بن إسحاق»
إلى بلاد الروم فجاءهم بطرائف الكتب وفرائد المصنفات.
وقد اشتغل كثير من المسلمين بدراسة الكتب التى تُرجمت إلى
العربية، وتفسيرها والتعليق عليها، وتصحيح أخطائها، ومن هؤلاء:
«يعقوب بن إسحاق الكندى»، الذى ترجم كثيرًا من كتب الفلسفة
وشرح غوامضها، ونبغ فى علوم الطب والفلسفة والحساب والمنطق
والهندسة وعلم النجوم.
ومن العوامل التى ساهمت فى ازدهار الحركة العلمية فى العصر
العباسى الأول ظهور الورق واستخدامه فى الكتابة، وقد أنشأ
«الفضل بن يحيى البرمكى» مصنعًا للورق فى عهد «الرشيد» ببغداد،
فانتشرت الكتابة فيه لخفته بعد أن كانوا يكتبون على الجلود
والقراطيس المصنوعة بمصر من ورق البردى.
[ ٣ / ٣٢ ]
الفصل الرابع