رغم المشاكل السياسية العديدة التى شهدتها دولة الخلافة العباسية
فى عصرها الثانى فإن اللافت للنظر أن هذه الحقبة تُعدّ أخصب
عصور التاريخ الإسلامى فى عطائها الحضارى المتعدد الجوانب.
وسنكتفى هنا بتقديم نبذة مختصرة عن أهم هذه الجوانب:
١ - الجانب الثقافى:
نشطت حركة التأليف فى فروع العلم المختلفة نشاطًا ملحوظًا طوال
هذه الفترة وقدمت دولة الخلافة المترامية الأطراف علماء أفذاذًا
يعترف لهم العالم كله - حتى يومنا هذا - بالفضل والمكانة.
ففى مجال علوم الحديث: يتألق اسم عمدة المحدِّثين الإمام البخارى
المتوفى سنة (٢٥٦هـ = ٨٧٠م) هذا بالإضافة إلى مجموعة أخرى من
أعلام المحدثين لعل أبرزهم الإمام مسلم المتوفى سنة (٢٦١هـ =
٨٧٥م)، وأبو داود المتوفى سنة (٢٧٥هـ= ٨٨٨م)، وابن ماجة المتوفى
سنة (٢٧٣هـ = ٨٨٦م)، والترمذى المتوفى سنة (٢٧٩ هـ = ٨٩٢م)،
والنَّسائى المتوفى سنة (٣٠٣هـ = ٩١٥م)، وهؤلاء هم أصحاب
الصحاح المعروفون.
وقد برز من غير أصحاب الصحاح أيضًا عدد من أئمة المحدثين، من
أمثال داود الظاهرى المتوفى سنة (٢٧٠هـ = ٨٨٣م) وأبى الحسن
الدَّارَقُطْنى المتوفى سنة (٣٨٥هـ = ٩٩٥م)، الذى يصفه ابن كثير بأنه
كان «فريد عصره ونسيج وحده وإمام دهره فى أسماء الرجال
وصناعة التعليل والجرح والتعديل وحسن التصنيف والتأليف واتساع
الرواية والاطلاع التام فى الدراية». ومن هؤلاء أيضًا الحاكم
النيسابورى المتوفى سنة (٤٠٥هـ = ١٠١٤م)، وقد عرف عنه أنه كان
من أهل الدين والأمانة والصيانة والضبط والتجرد والورع، سمع الكثير
وطاف الآفاق وصنف الكتب الكبار والصغار.
وفى مجال العلوم اللغوية وجدنا أعلامًا نابهين يضيق عنهم الحصر،
ومن هؤلاء محمد بن يزيد المبرِّد صاحب الكامل المتوفى سنة (٢٨٥هـ
= ٨٩٨م)، وقد كان إمام النحاة فى عصره، ومن النحاة المشهورين
[ ٣ / ٩٦ ]
أيضًا الزَّجَّاج المتوفى سنة (٣١١هـ = ٩٢٣م)، وقد احتل عالم اللغة
الشهير أبو على الفارسى (المتوفى ببغداد سنة ٣٧٧هـ = ٩٨٧م)
مكانة متميزة فى بلاط الملك البويهى «عضد الدولة». وقد صنف
الفارسى لعضد الدولة كتاب «الإيضاح» و«التكملة» فى النحو، وكان
عضد الدولة يغدق عليه العطاء ويحيطه بمظاهر التكريم، وكان يقول:
«أنا غلام أبى على فى النحو» وممن عاصروا الفارسى من أعلام
اللغة أبو سعيد السيرافى المتوفى ببغداد سنة (٣٦٨هـ = ٩٧٩م)، وقد
ولى القضاء ببغداد. وكان السيرافى من أعلم الناس بنحو البصريين،
ومن بين مؤلفاته كتاب «أخبار النحويين البصريين» وكتاب «الوقف
والابتداء». يقول عنه ابن خلكان: «كان الناس يشتغلون عليه بعدة
فنون: القرآن الكريم والقراءات وعلوم القرآن والنحو واللغة والفقه
والفرائض والحساب والكلام والشعر والعروض والقوافى».
ويبرز أيضًا من بين علماء اللغة فى القرن (٤هـ= ١٠م) ابن
فارس (أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا) المتوفى سنة (٣٩٠هـ =
١٠٠٠م) على أشهر الأقوال. ومن كتبه الذائعة الصيت كتاب «المجمل»
فى اللغة. وقد كان ابن فارس مقيمًا بهمذان، وله رسائل أدبية أنيقة
وأشعار رقيقة.
على أننا لا نستطيع فى هذا السياق أن نغفل اسم عالم يُعَدُّ من
أعظم علماء اللغة، لا فى العصر العباسى الثانى فحسب؛ بل على
امتداد العصور الإسلامية كلها، وهو «أبو الفتح عثمان بن جنى»
الذى ولد بالموصل وتوفى ببغداد سنة (٣٩٢هـ = ١٠٠٢م). ومن بين
كتبه الذائعة الشهرة الزاخرة بالقيمة فى مجال اللغة كتاب
«الخصائص».
وله أيضًا «سر صناعة الإعراب»، و«المذكر والمؤنث»، و«المقصور
والممدود»، «واللمع» وغير ذلك. وقد شرح ابن جنى ديوان المتنبى
وكان من المعجبين بشعره. وكان ابن جنى صاحب حس أدبى مرهف،
وقد انعكس ذلك على كتاباته العلمية التى اتسم أسلوبها بالجمال
الأخَّاذ فضلًا عن الدقة البالغة.
[ ٣ / ٩٧ ]
وفى مجال الأدب - إبداعًا وتأليفًا - شهد هذا العصر نهضة تأخذ
بالألباب، فقد لمع فيه كوكبة من أعظم شعراء العربية، نذكر منهم -
على سبيل المثال لا الحصر- البحترى شاعر الخليفة المتوكل المتوفى
سنة (٢٨٤هـ = ٨٩٧م)، وقد اشتهر بلغته الموسيقية العذبة ووصفه
الرائع؛ وابن الرومى المتوفى سنة (٢٨٣هـ = ٨٩٦م)، وقد اشتهر
بقدرته على توليد المعانى وابتكار الصور المعبرة؛ والمتنبى
المتوفى سنة (٣٥٤هـ = ٩٦٥م) الذى مازال يحتل مكان السبق بين
شعراء العربية قديمًا وحديثًا، وقد خَصَّ سيف الدولة الحمدانى بعيون
مدائحه، كما مدح الملك البويهى عضد الدولة، وأمير مصر كافور
الإخشيدى وغير هؤلاء من أعيان عصره، ومن أبرز شعراء هذا العصر
أيضًا: الشريف الرضى الذى ينتهى نسبه إلى الحسين بن على بن
أبى طالب، كان وثيق الصلة بالخليفة القادر بالله (٣٨١ - ٤٢٢ هـ =
٩٩١ - ١٠٣١م)، وتوفى ببغداد سنة (٤٠٦هـ = ١٠١٥م)، وعَدَّه بعض
النقاد أشعر قريش. يقول عنه الثعالبى فى يتيمة الدهر: «هو أشعر
الطالبيين من مضى منهم ومن غبر، على كثرة شعرائهم المفلقين، ولو
قلت إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أخبر به شاهد
عدل، من شعره العالى القِدْح الممتنع عن القَدْح، الذى يجمع إلى
السلاسة متانة وإلى السهولة رصانة، ويشتمل على معانٍ يقرب
جناها ويبعد مداها».
ويحتل الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعرى مكانةً مرموقة بين
شعراء هذا العصر، وقد ولد فى عام (٣٦٣هـ = ٩٧٤م) فى معرة
النعمان، وهى بلدة صغيرة فى شمالى الشام بين حلب وحمص
وتوفى فى سنة (٤٤٩ هـ = ١٠٥٧م)، أى أنه عاش فى فترة النفوذ
البويهى وعاصر من خلفاء العباسيين الطائع لله والقادر بالله والقائم
بأمر الله، ولأبى العلاء ديوان «سقط الزند» و«لزوم ما لا يلزم»
المشهور باسم «اللزوميات»، وسمى بذلك لأنه ألزم نفسه فيه بما لا
تفرضه عليه أصول القافية مما يدل على سعة باعه فى اللغة. ويُعَدُّ
[ ٣ / ٩٨ ]
أبو العلاء إمام الشعراء الذين صبغوا شعرهم بصبغة تأملية فلسفية.
وبجانب أصحاب الإبداع الشعرى ظهر مبدعون كثيرون فى ميدان
النثر الفنى فى العصر العباسى الثانى، ففى مطلع هذا العصر لمع
اسم الجاحظ (أبى عثمان عمرو بن بحر) المتوفى بالبصرة سنة
(٢٥٥هـ = ٨٦٩م). والجاحظ إمام المنشئين فى تاريخ الأدب العربى بلا
جدال.
كان على مذهب المعتزلة وكان موسوعى الثقافة متجدد الفكر، وقد
ترك أسلوبه بصمات واضحة على أساليب كثير ممن جاءوا بعده،
ومؤلفات الجاحظ عديدة وذائعة، تنمّ عن ذهن ناضج وفكر متدفق،
ومن أشهر كتبه: كتاب «الحيوان» و«البيان والتبيين» و«البخلاء».
وله رسائل مختلفة طبعت تحت اسم «رسائل الجاحظ»، وهى تتناول
موضوعات شتى.
ومن أبرز الذين تأثروا بالجاحظ وحاولوا أن ينهجوا نهجه أبو الفضل
محمد بن العميد المتوفى سنة (٣٦٠هـ = ٩٧١م)، ولتمكنه فى فن
الإنشاء عرف باسم «الجاحظ الثانى»، وهو الذى قيلت فيه العبارة
المشهورة: «بدئت الكتابة بعبدالحميد وختمت بابن العميد»، وعبدالحميد
هنا هو: عبدالحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد آخر الخلفاء
الأمويين، عاش ابن العميد فى ظل البويهيين وعمل وزيرًا لركن الدولة
- الحسن بن بويه - وكان - كما يصفه ابن خلكان - «متوسعًا فى علوم
الفلسفة والنجوم، وأما الأدب والترسُّل فلم يقاربه فيه أحد فى
زمانه». ويصفه ابن الأثير بأنه كان من محاسن الدنيا، قد اجتمع فيه
ما لم يجتمع فى غيره من حسن التدبير وسياسة الملك، والكتابة التى
أتى فيها بكل بديع».
وقد صحب ابن العميد وتأثر به فى طرائقه «أبو القاسم إسماعيل بن
عباد» المعروف بالصاحب بن عباد. ولقب بالصاحب لصحبته لابن
العميد، وكان يقال له أحيانًا صاحب ابن العميد. وقد تولى الصاحب
بن عباد الوزارة لمؤيد الدولة بن ركن الدولة ثم لأخيه فخر الدولة،
وفضلًا عن براعة الصاحب فى فن الإنشاء - كأستاذه ابن العميد - فقد
[ ٣ / ٩٩ ]
كان محبًا للعلم ذواقة للأدب، كما كان شاعرًا جيد النظم. والجدير
بالذكر هنا أن كلا من ابن العميد والصاحب بن عباد كان له مجلس
يحفل بوجوه الشعراء والعلماء والمفكرين، وكان من بين المترددين
على مجلس ابن العميد أبو الطيب المتنبى شاعر العربية الأكبر، وقد
مدحه بقصيدة من عيون شعره، وتوفى الصاحب بن عباد بمدينة الرى
فى سنة (٣٨٥هـ = ٩٩٥م).
ومن الذين تميزوا فى مجال النثر الفنى بديع الزمان الهمذانى (وهو
أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى) الذى سكن هراة من بلاد
خراسان وتُوفِّى بها فى سنة (٣٩٨هـ = ١٠٠٨م) وكان ذلك فى خلافة
القادر بالله. وقد كتب بديع الزمان مقاماته الذائعة الصيت وأبدع
فيها، وهو أول من استوى على يده هذا الفن فى اللغة العربية. وقد
حذا حذوه ووصل بهذا الفن إلى مداه «أبو محمد القاسم بن على
الحريرى البصرى» الذى اعترف فى صدر مقاماته بأنه جعل مقامات
البديع مثالًا له. وقد توفى الحريرى فى حدود سنة (٥١٦هـ = ١١٢٢م)
بالبصرة إبان فترة نفوذ السلاجقة، وذلك فى خلافة المسترشد بالله.
والملاحظ أن شهرة مقامات الحريرى بلغت من الانتشار حدا تتضاءل
بجانبه شهرة مقامات الرائد الأول بديع الزمان. وتكشف مقامات
الحريرى عن البراعة الكبيرة لصاحبها فى التصرف فى اللغة
وتطويعها لما يريده من معان وأفكار، وهى إحدى الوسائل المهمة
لمن يبحثون عن إثراء ملكاتهم اللغوية.
وبجانب الإبداع الأدبى شعرًا ونثرًا تميز العصر العباسى الثانى
بظهور الكثير من الموسوعات الأدبية التى تُعَدّ مراجع أساسية لطلاب
المعرفة فى هذا المجال، ونكتفى هنا بذكر أمثلة لأبرز هذه
الموسوعات، وقد لمع فى هذا الجانب ابن قتيبة الدينورى (أبو محمد
عبدالله بن مسلم) الذى ولد بالكوفة وتثقف بها وسكن بغداد زمنًا
ولكنه نسب إلى الدينور لأنه تولى قضاءها، وقد توفى ابن قتيبة
فى سنة (٢٧٦هـ = ٨٨٩م) فى خلافة المعتمد على الله، وقد خلّف لنا
[ ٣ / ١٠٠ ]
ابن قتيبة عددًا من الموسوعات الأدبية المهمة يأتى على رأسها كتاب
«عيون الأخبار»، وكتاب «الشعر والشعراء»، ومن كتبه الأدبية المهمة
أيضًا كتاب «أدب الكاتب» الذى يتحدث فيه عما يحتاج إليه الأديب من
فنون المعرفة ليمارس صنعة الكتابة على الوجه الأمثل.
ويُعَدُّ أبو الفرج الأصفهانى أبرز أصحاب الموسوعات الأدبية فى هذا
العصر. وقد كان ملازمًا للوزير المشهور أبى محمد حسن بن محمد
المُهَلَّبى وزير معز الدولة أحمد بن بويه، وكان المهلبى بصحبة معز
الدولة عند انتقاله إلى بغداد، كما ذكرنا ذلك فى موضعه، ومما
يحفظه التاريخ للمهلبى أنه كان محبا للأدب مقرِّبا لأهله، وكان يعرف
لذوى القرائح الجيدة أقدارهم ويغدق عليهم من كرمه ورعايته، ومن
هنا قرب أبا الفرج الأصفهانى ورعى مكانته. ولاشك أن موسوعة
«الأغانى» للأصفهانى تعد من أهم الموسوعات الأدبية وأكثرها
انتشارًا وشمولًا فيما يختص بتاريخ الأدب العربى والثقافة العربية
حتى نحو منتصف القرن الرابع الهجرى. وقد توفى أبو الفرج
الأصفهانى فى سنة (٣٥٦هـ = ٩٦٧م).
ويتميز أيضًا بين أصحاب الموسوعات الأدبية «أبو منصور الثعالبى»
(وهو عبدالملك بن محمد بن إسماعيل)، ولد بنيسابور فى سنة
(٣٥٠هـ = ٩٦١م)، وتوفى فى سنة (٤٢٩هـ = ١٠٣٨م)، أى أنه عاش
حياته كلها فى فترة نفوذ البويهيين، وشهدت فترة تفتحه الأدبى
خلافة الطائع لله والقادر بالله، وتوفى فى خلافة القائم بأمر الله،
وكان الثعالبى غزير الإنتاج متنوع الاهتمامات العلمية، ولكن يقف
على رأس مؤلفاته جميعًا كتابه الموسوعى الضخم «يتيمة الدهر فى
محاسن أهل العصر»، وهو أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها كما يقول
ابن خلكان، وهو من أربعة مجلدات صرف فيها جل اهتمامه لشعراء
القرن (٤هـ = ١٠م) ورتبهم على أوطانهم، فقد تناول فى أبواب
خاصة شعراء الشام ومصر والمغرب والموصل والبصرة وبغداد
وأصفهان والجبل وفارس والأهواز وجرجان، وتحدث عن الدولة
[ ٣ / ١٠١ ]
السامانية وشعرائها وعن خوارزم، وتحدث أيضًا عن بنى بويه
وشعرائهم وكتابهم، وأسهب فى الحديث عن ابن العميد والصاحب بن
عباد، كما تحدث عن بلاط سيف الدولة وشعرائه وكتّابه، ولاشك أن
يتيمة الدهر تعد إحدى الموسوعات الأدبية الأساسية فى تاريخ الأدب
العربى، ولا تزال حتى يومنا هذا مصدرًا لا غنى عنه للباحثين فى
الحياة الأدبية فى القرن (٤ هـ = ١٠م).
ولم تكن أنشطة البحث التاريخى بأقل حظا من الأنشطة الأدبية فى
دولة الخلافة العباسية فى عصرها الثانى، وهذا مجال يطول فيه
الكلام ويتشعب، ولا سبيل إلى استقصاء الحديث فيه، ولكننا نكتفى
بتقديم بعض النماذج لأبرز المؤرخين وأهم أعمالهم التاريخية، ويقف
شامخًا بين أعلام المؤرخين فى صدر العصر العباسى الثانى أبو
جعفر محمد بن جرير الطبرى المتوفى سنة (٣١٠هـ = ٩٢٢م) فى
خلافة المقتدر بالله، وقد عاش الطبرى فى فترة التحول المهمة التى
انتقلت فيها الخلافة العباسية من عصرها الأول-عصر القوة السياسية
المركزية - إلى عصرها الثانى الذى بدأت فيه السلطة المركزية
تضعف ضعفًا ملحوظًا، وهكذا شهد الطبرى معظم عصر نفوذ الأتراك،
وقد ولد فى آمل بطبرستان فى سنة (٢٢٤هـ = ٨٣٩م) وأخذته الرحلة
فى طلب العلم إلى كثير من بقاع العالم الإسلامى كالعراق والشام
ومصر، ثم استقر به المقام أخيرًا فى بغداد وبها مات ودفن، وقد ترك
لنا الطبرى موسوعته التاريخية الذائعة الصيت وهى: «تاريخ الأمم
والملوك» المشهورة باسم «تاريخ الطبرى»، فى عشرة مجلدات،
وتناول الطبرى فى هذه الموسوعة الضخمة تاريخ ما قبل الإسلام منذ
بدء الخليقة بقدر من الاختصار فى المجلد الأول وبعض الثانى، ثم جاء
علاجه المفصل للأحداث منذ بدأ يتناول سيرة الرسول- صلى الله عليه
وسلم - وسيرة الخلفاء الراشدين، وما تلا ذلك من تاريخ الدولة الأموية
والعباسية حتى عصره، وقد توقف الطبرى بتاريخه عند أحداث سنة
[ ٣ / ١٠٢ ]
(٣٠٢هـ= ٩١٤م) فى خلافة المقتدر، وتاريخ الطبرى منجم غنى
بالمعلومات حافل بالروايات المختلفة التى تقدم المادة الأساسية
للباحث، وهناك إجماع فى الشرق والغرب على أن هذا التاريخ يعدُّ
عمدة الباحثين فى التاريخ الإسلامى فى القرون الثلاثة الأولى
للهجرة.
ومن أعلام المؤرخين الذين ظهروا فى القرن (٣هـ= ٩م) أيضًا - بجانب
الطبرى - ابن قتيبة (عبدالله بن مسلم) المتوفى سنة (٢٧٦هـ = ٨٨٩م).
وقد أشرنا إليه قبل ذلك عند حديثنا عن الموسوعات الأدبية، ومن
أبرز الأعمال التاريخية التى تركها لنا ابن قتيبة كتاب «المعارف»،
وينسب إليه أيضًا كتاب «الإمامة والسياسة».
كما ظهر اليعقوبى أيضًا، وهو أحمد بن أبى يعقوب ابن واضح
المتوفى نحو سنة (٢٧٨هـ = ٨٩١م)، وكتابه المعروف ب «تاريخ
اليعقوبى» من المصادر التاريخية الأساسية فى تلك الفترة، وهو يقع
فى مجلدين، يتناول المجلد الأول التاريخ القديم حتى ظهور الإسلام،
ويتناول الثانى تاريخ الإسلام حتى سنة (٢٥٩هـ = ٨٧٣م) فهو يغطى
ثلاث سنين من خلافة المعتمد على الله، وبجانب التأليف التاريخى
ألف اليعقوبى فى الجغرافيا كتابًا ذائعًا هو «البلدان» الذى يعد من
أقدم مصنفات التراث الجغرافى العربى.
وقد برز أيضًا من مؤرخى تلك الفترة - وهى فترة نفوذ الأتراك فى
العصر العباسى الثانى - أحمد بن يحيى البلاذرى وأبو حنيفة
الدينورى. أما البلاذرى فقد كان مقربًا للخليفتين المتوكل
والمستعين، وتوفى فى حدود سنة (٢٧٩هـ = ٨٩٢م)، ويعد كتابه
«فتوح البلدان» من أوثق الكتب التى تحدثت عن تاريخ الفتوح
الإسلامية منذ ظهور الإسلام حتى عصره، وهو يتميز بدقته فى
الأسلوب وموضوعيته فى العرض والبعد عن الحشو، وهو من بين
المصادر التى تحتل قيمة خاصة فى هذا الجانب، وللبلاذرى كتاب آخر
معروف هو «أنساب الأشراف»، وهو يقدم مادة تاريخية غزيرة فى
صدر الإسلام والعصر الأموى والعباسى الأول من خلال أنساب الرجال
[ ٣ / ١٠٣ ]
الذين يتناولهم بالبحث.
أما أبو حنيفة الدينورى المتوفى سنة (٢٨٢هـ = ٨٩٥م) فقد كان
موسوعى المعرفة، برع فى علوم كثيرة كالنحو واللغة والهندسة
والفلك وغير ذلك، ولكن الكتاب الذى اشتهر به الدينورى هو كتابه
التاريخى المعروف باسم «الأخبار الطوال» الذى يتناول فيه التاريخ
الإسلامى منذ ظهور الإسلام حتى وفاة الخليفة المعتصم سنة (٢٢٧هـ=
٨٤٢م)، مع مقدمة مختصرة عن التاريخ القديم.
وقد استمرت حركة التأليف التاريخى على نشاطها وازدهارها طوال
مراحل العصر العباسى الثانى، ومن أبرز المؤرخين الذين شهدوا
بداية مرحلة النفوذ البويهى على بن الحسين المسعودى المتوفى
سنة (٣٤٦هـ = ٩٥٧م)، ومع أن المسعودى نشأ فى بغداد فقد كان
دائم الترحل فى طلب العلم، وهو يقدِّم نموذجًا للعالم الذى جعل العلم
ضالَّته، فهو ينشده لكل ما أوتى من حول وما وسعه من صبر؛ فقد
ذهب إلى الهند والملتان وسرنديب (سيلان) والصين، فضلًا عن مراكز
العلم الشهيرة فى أرجاء العالم الإسلامى، ومن أشهر مؤلفاته
التاريخية كتاب «مروج الذهب ومعادن الجوهر»، وقد تناول فيه
تاريخ الأمم القديمة، ثم تناول تاريخ الإسلام منذ ظهوره حتى خلافة
المطيع لله، وهو أول الخلفاء العباسيين فى العصر البويهى، ومن
بين الكتب التاريخية الذائعة للمسعودى أيضًا كتاب «التنبيه
والإشراف»، وهو محاولة منه لتقديم كتاب تاريخى مختصر يضم
خلاصة ما كتب، وهو يحتوى على معلومات مهمة من كتب أخرى
للمسعودى لم تصل إلينا.
ومن بين المؤرخين المتميزين فى فترة النفوذ البويهى أيضًا الخطيب
البغدادى المتوفى سنة (٤٦٣هـ = ١٠٧١م)، وهو «أبو بكر أحمد بن
على بن ثابت»، وقد عاش فى بغداد التى يُنسَب إليها ومات بها،
ولكنه رحل طلبًا للعلم إلى عدة مراكز علمية بارزة كالبصرة والكوفة
ونيسابور وحلب وبيت المقدس وغيرها، وهو يتميز بغزارة إنتاجه
وتنوع اهتماماته العلمية؛ حيث ألَّف فى فروع مختلفة من العلم
[ ٣ / ١٠٤ ]
كالتاريخ والفقه والحديث والنحو والأدب وغيرها، ومعظم مؤلفاته لم
تصل إلينا، ولكن موسوعته الضخمة المعروفة باسم «تاريخ بغداد»
وصلت إلينا وهى التى أكسبته شهرة واسعة، وهى تاريخ شامل
لبغداد من حيث نشأتها وأحيائها وقصورها ومختلف معالمها، فضلًا
عن تراجم أعلامها من رجال السياسة والعلم والأدب وغير ذلك، ومن
هنا تعد هذه الموسوعة مصدرًا لا غنى عنه للباحثين فى تاريخ
الخلافة العباسية منذ نشأتها حتى بداية العصر السلجوقى.
وقد لمع عدد آخر من المؤرخين فى المراحل المتأخرة من العصر
العباسى الثانى، لعل أبرزهم عز الدين بن الأثير المتوفى سنة
(٦٣٠هـ = ١٢٣٣م)، وهو صاحب الموسوعة التاريخية الضخمة المعروفة
باسم «الكامل فى التاريخ»، وتقع فى اثنى عشر مجلدًا، وقد حذا
فيها حذو الطبرى فى تاريخه، وتوقف فى روايته التاريخية عند
أحداث سنة (٦٢٨هـ = ١٢٣١م).
وقد شهد ابن الأثير نهاية فترة النفوذ السلجوقى وعاش شطرًا من
حياته فى فترة ما بعد السلاجقة، وعاصر مرحلة مهمة فى تطور
الحروب الصليبية إبّان سلطنة صلاح الدين الأيوبى، فكتابه إذن من
بين المصادر الأساسية فى تاريخ الحروب الصليبية، ويمكننا أن نقول
إن موسوعة الكامل فى التاريخ لابن الأثير تحتل بين مصادر التاريخ
الإسلامى مكانة لا يسبقها إلا موسوعة تاريخ الطبرى، ولابن الأثير
مؤلفات أخرى فى غاية الأهمية لعل أبرزها «أسد الغابة فى معرفة
الصحابة»، وهو موسوعة من سبعة مجلدات يتناول فيها تراجم صحابة
رسول الله - ﷺ -.
ونستطيع أن نمضى طويلًا فى تناولنا لمختلف جوانب النهضة
الثقافية فى دولة الخلافة العباسية فى عصرها الثانى، وهى جوانب
لايتسع المجال للحديث التفصيلى عنها هنا، ولكننا نكتفى بالقول
بأن هذه النهضة الثقافية غطت كل مظاهر المعرفة والفن التى عُرفت
فى ذلك الزمان، فقد شهدت دولة الخلافة العباسية وثبة رائعة فى
[ ٣ / ١٠٥ ]
الثقافة الجغرافية، وعرف التراث الحضارى العباسى جغرافيين
أفذاذًا كاليعقوبى صاحب البلدان، وقد أشرنا إليه، والاصطخرى من
علماء القرن (٤هـ= ١٠م)، وهو صاحب كتاب «مسالك الممالك»، وابن
حوقل والمقدسى وهما من علماء القرن (٤هـ = ١٠م) أيضًا، وللأول
كتاب «المسالك والممالك»؛ وللثانى كتاب «أحسن التقاسيم فى
معرفة الأقاليم»، وهو من الكتب المتميزة فى هذا الفن.
ولعل من أشهر الجغرافيين فى دولة الخلافة العباسية ياقوت
الحموى المتوفى سنة (٦٢٦هـ = ١٢٢٩م) وقد ولد فى حماة كما يبدو
من نسبته، ولكنه عاش فى بغداد، ومعجمه الجغرافى المعروف باسم
«معجم البلدان» يُعدُّ من أغزر المصادر مادة فى التراث الجغرافى
الإسلامى على الإطلاق، وهو يقع فى خمسة مجلدات ضخمة.
كما شهد هذا العصر أيضًا نهضة لا تدانى فى الدراسات العقلية
والفلسفية والكلامية، ونبغ فى هذا المجال أعلام يحتلون مكانة
سامقة فى تاريخ الفكر الإنسانى كله، فمن بين هؤلاء الفيلسوف
الكبير الفارابى المتوفى سنة (٣٣٩هـ= ٩٥٠م) فى مطلع العصر
البويهى، وهو صاحب كتاب «إحصاء العلوم» وكتاب «السياسة
المدنية» وغير ذلك. على أن أبرز هؤلاء هو الشيخ الرئيس ابن سينا
المتوفى سنة (٤٢٨هـ = ١٠٣٧م)، وقد عاش شطرًا من حياته فى
بخارى فى ظل الدولة السامانية.
ومن كتبه الفلسفية المعروفة كتاب «الإشارات» وكتاب «الشفاء»،
وكتاب «النجاة» وغيرها، هذا بالإضافة إلى مؤلفاته الطبية الفائقة،
وفى مجال الدفاع العقلى عن الإسلام والرد على مناوئيه برز اسم
حجة الإسلام «أبى حامد الغزالى» المتوفى سنة (٥٠٥هـ = ١١١١م)،
وهو الذى ناضل الفلاسفة وكتب عن تهافتهم كتابه المعروف «تهافت
الفلاسفة»، وقد باشر «الغزالى» التدريس فى المدرسة النظامية
ببغداد والمدرسة النظامية بنيسابور، وكتابه «إحياء علوم الدين» من
أعظم الكتب التى عرضت الإسلام عرضًا بسيطًا مقنعًا مؤثرًا، ونظرًا
[ ٣ / ١٠٦ ]
لقوة تأثير هذا الكتاب قال البعض: «من لم يقرأ الإحياء فليس من
الأحياء.
وقد حظيت العلوم الطبية والرياضية والفلكية والطبيعية بنصيب وافر
من العناية والدراسة فى هذا العصر الحافل بالعطاء الحضارى. بل إن
فن الموسيقى أيضًا وجد له مجالًا من الاهتمام. والملاحظ أن الفلاسفة
العظام، أمثال الفارابى وابن سينا، كانوا يحذقون الطب والرياضة
والفلك بل والموسيقى أيضًا.
ويعتبر «أبو بكر محمد بن زكريا الرازى» أعظم الأطباء المسلمين فى
هذا العصر على الإطلاق. وله كتاب «الحاوى» فى الطب، الذى يمكن
اعتباره عمدة هذا العلم فى العصور الوسطى فى الشرق والغرب.
وقد حظى الرازى برعاية ملوك الدولة السامانية، وتوفى فى حوالى
سنة (٣٢٠هـ = ٩٣٢م)، أما «ابن سينا» فقد كتب «القانون» فى
الطب، وهو الذى كان مع كتاب «الحاوى» للرازى من الأسس المهمة
التى اعتمدت عليها أوربا فى عصر النهضة.
وبعد هذه اللمحة الموجزة عن أهم جوانب النهضة الثقافية فى العصر
العباسى الثانى نستطيع أن نقول: إن هذه النهضة كانت متكاملة
الجوانب، وهذا هو شأن الحضارات العظيمة، فالحضارة روح تعود
بالصحة والعافية على جسد الأمة كله فتتوازن فيه ملامح الاكتمال،
وقد كان أبرز ما يميز تلك الفترة هو الرغبة العارمة فى العلم
والتعطش للمعرفة، ومن هنا وجدنا أصحاب الثقافات الموسوعية الذين
أشرنا إلى بعضهم، والملاحظ أن حب العلم والتنافس فى سبيله جعل
الحكام والأمراء يحتضنونه وينصبون من أنفسهم حماةً له.
وهكذا ظهرت مجالس العلم المعروفة على يد قادة أمراء وجدوا فى
هذا النشاط سُلَّمًا للمجد والسؤدد، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهذا
سيف الدولة الحمدانى يجعل من مجلسه محفلًا للعلماء والأدباء
والشعراء، وهذا عضد الدولة البويهى يفعل الشىء نفسه، وفعل ذلك
أيضًا السلطان محمود الغزنوى، ونظام الملك أعظم وزراء السلاجقة،
وغيرهم، وكل هذا عاد بالخير العميم على الحركة الثقافية فى هذا
[ ٣ / ١٠٧ ]
العصر، فإذا هى تفيض قوة ونشاطًا وتجددًا.
٢ - الجانب الاقتصادى والعمرانى:
من الطبيعى أن يرتبط الجانب العمرانى بالجانب الاقتصادى فى
الدولة، فلا عمران إلا باقتصاد قوى. وقد ازدهرت الحياة الاقتصادية
ازدهارًا ملحوظًا فى بعض ممالك الدولة العباسية فى العصر الثانى،
ولكننا نلاحظ أن السلطة المركزية نفسها لم يعد لها من القوة
الاقتصادية ما كان لخلفاء العصر العباسى الأول، وذلك بسبب تحكم
الأمراء الذين استأثروا بالنفوذ الحقيقى، ومن هنا نلاحظ أن اقتصاد
بعض الإمارات التى كانت تنتمى لدولة الخلافة العباسية من الناحية
الشكلية كان أقوى من اقتصاد الخلافة نفسها، بل إن الخليفة فى
بعض الأحيان كان مجرد موظف تابع لهؤلاء الأمراء الذين يحددون له
راتبه ونشاطه.
وقد توافرت مصادر القوة الاقتصادية فى دولة الخلافة العباسية فى
عصرها الثانى، وكان للتقدم العلمى الكبير الذى شهده هذا العصر
أثره الملحوظ فى تحقيق الازدهار الاقتصادى القائم على أسس علمية
صحيحة، وقد لعبت النهضة الزراعية دورها فى تحقيق هذا الازدهار
الاقتصادى، فقد كانت دولة الخلافة تضم أراضى شاسعة تتسم
بالخصوبة والصلاحية لإنتاج شتىالمحاصيل. وقامت المدارس الزراعية
التى انتشرت فى أرجاء دولة الخلافة العباسية فى ذلك الوقت بجهد
علمى كبير فى نشر الوعى الزراعى الصحيح، فتعددت المحاصيل
وأدخلت أنواع جديدة منها، وزاد إنتاجها نتيجة استعمال الأسمدة
المناسبة.
وارتبط بذلك إعادة تطوير نظام الرى الذى حول منطقة ما بين النهرين
إلى جنة وارفة الظلال، كما ازدهرت فلاحة البساتين القائمة على
أسس علمية ازدهارًا كبيرًا وانتشرت كل أنواع النباتات والزهور،
«وكانت الزهور تزرع حتى فى أصغر المنازل»، وارتبط بنمو الثروة
الزراعية نمو الثروة الحيوانية، كما ظهرت الصناعات المعتمدة على
الإنتاج الزراعى كمصانع النسيج ومعامل تكرير السكر.
وقد اشتهرت صناعات أخرى فى العصر العباسى الثانى كصناعة
[ ٣ / ١٠٨ ]
الورق التى انتشرت فى مصر والشام وسمرقند، ولكن شهرة سمرقند
فى هذا الجانب فاقت غيرها فى ذلك العصر، وازدهرت صناعة الحديد
أيضًا فى بلاد فارس.
وقد ترتب على الازدهار الزراعى والصناعى الازدهار التجارى،
فالمنتجات المختلفة تحتاج إلى تسويق، ومن هنا ظهر الاهتمام
بتوفير الطرق التجارية المناسبة والعناية بالموانى والأساطيل
التجارية، وقد ازدهرت تجارة المسلمين الخارجية فى ذلك العصر مع
الهند والصين والبلاد الأوربية.
والجدير بالملاحظة هنا أن الإسلام انتشر فى بقاع عديدة عن طريق
التجار المسلمين، وكانت بغداد ودمشق والإسكندرية وعدن والبصرة
من بين المراكز التجارية المهمة فى ذلك العصر.
وقد اشتهر عدد من دول العصر العباسى الثانى بالقوة الاقتصادية،
ومن بين هذه الدول - على سبيل المثال - الدولة الصفارية التى يقال:
إن مؤسسها «يعقوب بن الليث» ترك فى بيت المال عند وفاته ثمانين
مليون دينار وخمسين مليون درهم، كما ازدهر أيضًا اقتصاد الدولة
السامانية، وهى التى قامت فى منطقة تتمتع بإمكانات اقتصادية
هائلة، وهى بلاد ما وراء النهر، وكذلك ازدهر اقتصاد الدولة
البويهية، أما اقتصاد الدولة الغزنوية فقد وصل مدى رائعًا من القوة
نتيجة اتساع أطراف تلك الدولة، وما استطاعت أن تحققه من فتوحات
رائعة فى بلاد الهند والسند وأفغانستان وغيرها.
وكان النشاط العمرانى الواضح ثمرة مباشرة للاستقرار الاقتصادى،
فأنشئت الطرق والمدارس والمساجد والقصور والرُّبط فى أماكن
مختلفة من دولة الخلافة العباسية، ولايتسع المقام هنا للدخول فى
تفاصيل هذا الجانب، ولكننا نكتفى ببعض أمثلة قليلة توضح ذلك،
وتستحق الدولة البويهية وقفة خاصة هنا، فقد اهتمت هذه الدولة
اهتمامًا خاصًا بالجانب العمرانى، ولاشك أن عضد الدولة كان أبرز
ملوكها فى هذا الجانب، فقد صرف كثيرًا من جهده للعمارة والتشييد
فى الأماكن التى خضعت لسلطانه فى فارس والرى وأصفهان
[ ٣ / ١٠٩ ]
والجبال وغيرها، أما بغداد - بعد انتقاله إليها - فقد حظيت منه
باهتمام بالغ، يذكر المؤرخ ابن الأثير فى تناوله لأحداث سنة (٣٦٩هـ
= ٩٧٩م) أن عضد الدولة شرع فى عمارة بغداد فى ذلك العام،
وكانت قد خربت بتوالى الفتن عليها، فعمَّر مساجدها وأسواقها ..
وألزم أصحاب الأملاك الخراب بعمارتها، وجدد ما دثر من الأنهار
وأعاد حفرها وتسويتها، وأصلح الطريق من العراق إلى مكة .. واهتم
اهتمامًا كبيرًا بمشهد الإمام على والإمام الحسين ﵄ ..
وأذن لوزيره «نصر بن هارون» -وكان نصرانيًا - فى عمارة البيَع
والأديرة.
ومن بين الإنجازات العمرانية المهمة التى قام بها عضد الدولة فى
بغداد بناؤه لمستشفاه الكبير الذى عرف باسم «البيمارستان
العضدى»، وقد كان فى هذا المستشفى عند إنشائه أربعةوعشرون
طبيبًا فى التخصصات المختلفة، وكان أشبه ما يكون بالمستشفيات
التعليمية الجامعية فى عصرنا هذا؛ فقد كانت المحاضرات تلقى فيه،
وتدرس فيه الكتب ذات المكانة العلمية، وكان لهذا المستشفى مورد
ماء مستمد من دجلة، وله جميع الملحقات التى تزود بها القصور
الملكية كما بنى عضد الدولة فى شيراز مستشفى آخر عرف أيضًا
باسم «البيمارستان العضدى»، وأقام صهاريج الماء فى أماكن
مختلفة من مملكته. وبنى سورًا حول مدينة الرسول - صلى الله عليه
وسلم -.
وتتميز الدولة السلجوقية كذلك بنشاطها العمرانى الكبير فى مجالاته
المختلفة، ويبرز فى هذا الجانب بصفة أخص «ملكشاه» ووزيره
العظيم «نظام الملك»، فقد أنشأ «نظام الملك» مدارسه النظامية
المعروفة، وزودها بكل احتياجات طلابها، ووجد فى ذلك كل تشجيع
من السلطان السلجوقى المتميز «ملكشاه».
والملاحظ أن النشاط العمرانى فى دولة الخلافة العباسية فى العصر
الثانى كان يقوم به فى الأساس أمراء وسلاطين وملوك الدول التى
كانت تخضع للخلافة العباسية خضوعًا روحيا أو شكليا، أما الخلفاء -
[ ٣ / ١١٠ ]
بصفة عامة - فلم يكونوا بالمكان الذى يجعلهم قادرين فى الأمور
بصورة مستقلة طوال معظم هذه الفترة.
٣ - الجانب الإدارى:
كان لضعف الخلافة العباسية المركزية فى العصر الثانى تأثير واضح
فى النظام الإدارى فى دولة الخلافة، وأوضح مظاهر هذا التأثير يبدو
فى نظام «الوزارة»، فقد كانت الوزارة فى العصر العباسى الأول -
بصفة عامة - تابعة للخليفة خاضعة لنفوذه، وعندما كان الوزراء
يحاولون التصرف بصورة مستقلة كانوا يجدون ما يردعهم من بطش
الخليفة، أما فى العصر العباسى الثانى فقد اختلف الأمر، وقد
استمرت الوزارة فى فترة نفوذ الأتراك، ولكن الوزراء كانوا أكثر
استقلالًا ونفوذًا وسطوة وتنامت ثرواتهم لأنهم لم يكونوا يجدون
الخليفة الحازم الذى يحاسبهم أشد الحساب، وهذا إذا استثنينا فترة
صحوة الخلافة.
فلما كانت السنوات الأخيرة فى فترة نفوذ الأتراك بطل منصب الوزارة
وحل محله منصب أمير الأمراء الذى جار تقريبًا على كل سلطات
الخليفة، فلما وقعت الخلافة تحت النفوذ البويهى زال أيضًا منصب
أمير الأمراء، فلم يعد هناك للخليفة وزير ولا أمير للأمراء، وتصرف
البويهيون فى كل شئون الخلافة تصرفًا مطلقًا وحرموا الخليفة حتى
من سلطاته الشكلية، مع أنهم اتخذوا لأنفسهم وزراء.
وفى فترة النفوذ السلجوقى عاد منصب الوزارة، وأصبح للخليفة
وزيره، وللسلطان السلجوقى وزيره، ولكن السلطة الحقيقية كانت
فى يد السلطان السلجوقى ووزيره، رغم أن السلاجقة عاملوا الخلفاء
بما يستحقون من توقير.
وبعد زوال نفوذ السلاجقة أصبح للخلفاء وزراؤهم المستقلون عن
نفوذ الخليفة، ولكن الخلافة فى هذه الفترة كانت فى طريقها إلى
الزوال الكامل، ولم تكد دولة الخلافة تتجاوز بغداد وبعض الأقاليم
الأخرى المحدودة.
وقد تطور منصب الكتابة فى العصر العباسى الثانى تطورًا ملحوظًا،
فاتسعت سلطة الكاتب وتنامى نفوذه، وكان الكاتب يرأس ديوان
[ ٣ / ١١١ ]
الرسائل الذى كان يعد من أخطر دواوين الدولة العباسية، وكان
صاحب هذا المنصب يقوم بكتابة الرسائل السياسية وختمها بخاتم
الخلافة بعد عرضها على الخليفة، وكان ينوب عن الخليفة أحيانًا فى
مكاتبة الملوك والأمراء، على أن من أهم التطورات التى شهدها هذا
المنصب فى العصر العباسى الثانى أنه لم يعد مقصورًا على الخلفاء
بل بدأ الأمراء والسلاطين يتخذون لأنفسهم كتابًا أوسع نفوذًا من
كاتب الخليفة.
وقد كان ذلك نتيجة طبيعية لضعف منصب الخلافة فى هذا العصر.
ومع أن العصر العباسى الأول عرف نظام الحجابة فقد تطور هذا
النظام كثيرًا فى العصر العباسى الثانى، فقد كان الحاجب فى
العصر العباسى الأول يقوم بمهمة أساسية هى حجب العامة عن
السلطان، فلا يأذن بالدخول على السلطان إلا لمن يرى أنه يستحق
هذا الإذن، أما الحاجب فى العصر الثانى فقد تجاوز هذه المهمة
المحددة وادَّعى لنفسه سلطات واسعة أصبح ينافس بها سلطات
الوزير، وأصبح الحجاب يتدخلون فى أهم شئون الدولة، وقد فتح
ذلك مجالًا للصراع بين الحجاب والخلفاء والوزراء.
أما منصب الإمارة على البلدان - وهو من المناصب المهمة فى النظام
الإدارى - فقد طرأ عليه أيضًا كثير من التطور فى العصر العباسى
الثانى، فقد كان هذا المنصب منذ ظهور الإسلام وحتى نهاية العصر
العباسى الأول يخضع فى العادة لسلطة الخليفة؛ فهو الذى يملك حق
الولاية والعزل، أما فى العصر العباسى الثانى فقد اختلفت الأمور
تمامًا، ذلك أن الخليفة أصبح يخضع لسلطة عليا من القوى الدخيلة،
وهى التى تملك غالبًا حق توليته وعزله، وهكذا تدخلت هذه السلطات
أيضًا فى تعيين الأمراء (أو العمال) فى الأقاليم التى تخضع لنفوذهم
وكان هذا التطور متمشيًا تمامًا مع ما آل إليه منصب الخلافة من
تدهور فى ذلك العصر.
وقد اتسع نظام البريد فى العصر العباسى الثانى اتساعًا كبيرًا، فقد
كانت مهمة البريد فى بداية نشأته توصيل رسائل الخليفة إلى عماله
[ ٣ / ١١٢ ]
وولاته ونقل رسائلهم إليه وكذلك أخبارهم، ثم اتسعت مهمة البريد -
وبالذات فى العصر العباسى الثانى - لتشمل أيضًا مراقبة العمال
والتجسس عليهم، وأن يقدم صاحب البريد إلى الخليفة تقارير دورية
وافية بكل ما يحدث فى مكان عمله، هذا إذا كان تابعًا للخليفة،
ويفعل الشىء نفسه إذا كان خاضعًا لنفوذ الدول المختلفة التى
ظهرت فى هذا العصر، ولهذا أصبح نظام البريد فى ذلك العصر أشبه
ما يكون بقلم المخابرات فى عصرنا.
[ ٣ / ١١٣ ]