[٧٧١ - ٩٠٦ هـ = ١٣٢٩ - ١٥٠٠م]
النشأة والتكوين:
ينتسب التيموريون إلى قبيلة «برلاس» المغولية، ويرجعون فى
أصلهم إلى «تيمور بن ترغاى بن أبغاى»، الذى أحاط المؤرخون
نسبه بهالة من الرفعة وعلو الشأن، ليبرروا استيلاءه على «بلاد ما
وراء النهر»، فقد كان أبوه «أمير مائة» عند السلطان المغولى،
وكان المغول يستخدمون الأتراك فى دواوينهم، وأكثروا منهم، حتى
صارت اللغة التركية هى لغة البلاط والمجتمع فى «بلاد ما وراء
النهر»، فلما دخلت «الدولة المغولية» مرحلة الاضمحلال والضعف؛
قامت «الدولة الجغتائية» بمساعدة قبيلة «برلاس»، فحفظ الجغتائيون
هذا الجميل، وولوا «تيمور لنك»، ولاية «كش»، حين التجأ إليهم أثناء
الاضطرابات التى عصفت ببلاد «ما وراء النهر» ثم لم يلبث أن أخرج
الجغتائيين من بلاد «ما وراء النهر»، وطارد قبائل «الجتة» البدوية؛
التى اتسمت بالعنف والوحشية، وتمكن من طردهم من «بلاد ما وراء
النهر»، ثم أعلن نفسه سلطانًا فى بلخ» على هذه المنطقة، واتخذ
«سمرقند» عاصمة لملكه، وأعلن ذلك رسميا فى عام (٨٠٠هـ =
١٣٩٧م)، ثم مضى فى تنظيم حكومته الجديدة، واتبع قانون
«جنكيزخان» (الياسا المغولية)، بما لا يتعارض مع القرآن الكريم
والسنة النبوية.
كان «تيمور لنك» ميالا إلى الفتح والتوسع، وغزا «خوارزم» فى عام
(٧٧٣هـ)، ثم دخلها وسيطر عليها فى عام (٧٨١هـ)، فأضحت «آسيا
الوسطى» كلها تحت سلطانه.
الوضع الداخلى:
بدأ حكم «تيمور كورخان» (تيمورلنك) منذ دخل «سمرقند» فى عام
(٧٧١هـ = ١٣٢٩م)، فكوَّن مجلس شورى من كبار الأمراء والعلماء،
وعلى الرغم من أنه كان الحاكم الفعلى للبلاد، فإنه عمد إلى اختيار
الأمير الجغتائى «سيورغتمش بن دانشمندجة»، وجعله رمزًا للحكم
ولقبه بلقب السلطان فى الفترة من سنة (٧٧١هـ = ١٣٢٩م) إلى سنة
(٧٩٠ هـ = ١٣٨٧م)، ثم اتخذ من بعده «محمود بن سيورغتمش» من عام
(٧٩٠هـ = ١٣٨٧م) إلى عام (٨٠٠هـ = ١٣٩٧م).
[ ٤ / ٧٣ ]
وقد اتسمت سياسة «تيمور لنك» بالتوسع، فزحف إلى «إيران» فى
سنة (٧٨٢هـ = ١٣٨٠م)، وتمكن من الاستيلاء على «خراسان»
و«جرجان»، و«مازندران»، و«سيستان»، و«أفغانستان»،
و«فارس»، و«أذربيجان»، و«كردستان»، ثم دخل «جورجيا» وغرب
«إيران» فى عام (٧٨٦هـ = ١٣٨٤م)، وتمكن من فتح «العراق»
و«سورية» (حلب ودمشق)، وهزم المماليك فى الشام، وحقق
انتصارات عظيمة فى «الهند» عقب وفاة «فيروزشاه» سلطان
«دلهى» فى عام (٧٩٩هـ = ١٣٩٧م)؛ حيث استولت جيوشه على حصن
«أوكا»، وأسقطت «الملتان»، وفتحت «آباد»، ودخلت «هراة»
بالأمان، ولاقى «تيمورلنك» مقاومة شديدة وصعوبة فى دخول
«دهلى» على يد سلطانها «محمود تغلق»، ولكن هذه المقاومة لم
تستمر طويلا، ودخل «تيمور» هذه المدينة، فقدم إليه أعيانها
وعلماؤها فروض الولاء والطاعة، وخُطب له فيها، وعلى الجانب الآخر
حقق «تيمورلنك» انتصارات كثيرة على الأتراك العثمانيين، وأسر
حاكمهم «بايزيد خان».
وتُوفى «تيمورلنك» فى «أترار» عن عمر يناهز السبعين عامًا فى
سنة (٨٠٧هـ = ١٤٠٥م) بعد أن دانت له البلاد من «دهلى» إلى
«دمشق»، ومن «بحيرة آرال» إلى «الخليج العربى»، فلما علمت
بوفاته الأسر الحاكمة من «آل المظفر»، و«آل جلائر» و«ملوك كرت»،
وكذا الأسر التركية والتركمانية أخذت جميعها تطالب باستقلالها عن
خلفاء «تيمور»، وعودتها إلى الحكم ثانية، فأثارت الفتن والقلاقل،
وكثرت الاضطرابات والمشاكل فى طول البلاد وعرضها، وتعرضت
«الدولة التيمورية» إلى نكسة حقيقية عقب وفاة عاهلها ومؤسسها
«تيمور»، وتمكنت بعض الأسر الحاكمة - من قبل - من العودة إلى
الحكم، وإعادة ما سلب من أملاكها وممتلكاتها، فصارت هناك عدة
أسر حاكمة تنافس خلفاء «آل تيمور» ثم خلف «تيمورلنك» ابنه
«شاهرخ» على العرش سنة (٨٠٧هـ = ١٤٠٥م) واستمر فى الحكم إلى
سنة (٨٥٠هـ = ١٤٤٧م) فعاشت البلاد فى عهده أفضل فترات الحكم؛
[ ٤ / ٧٤ ]
إذ كان محبا للعلم والعلماء، وحفيا بالثقافة، كما كان عادلا وتقيا
وورعًا، فاشتهر بسلوكه الحسن وسيرته الطيبة بين الرعية.
ولى «شاهرخ» أملاك «الدولة التيمورية» فيما عدا «سوريا»
و«العراق العربى»، فقام بإصلاحات كثيرة فى البلاد، وشيد
المبانى، وبنى المدارس الكثيرة فى «بخارى» و«سمرقند»، وأنشأ
مرصده الشهير، ثم خلفه ابنه «أولوغ بك» على العرش، وقتله ابنه
«عبداللطيف بن أولوغ» فى سنة (٨٥٣هـ = ١٤٤٩م)، ثم قُتل هو الآخر
من بعده، ولم يستفد، من قتل أبيه، وتمكن «أبو سعيد ميرزا» من
الاستيلاء على الحكم بسمرقند فى سنة (٨٥٤هـ = ١٤٥٠م)، ثم تولى
من بعده «أحمد» فى سنة (٨٧٢هـ = ١٤٦٧م)، ثم من بعده «محمود»
فى سنة (٨٩٩هـ = ١٤٩٣م)، ولم يلبث بالحكم سوى عام واحد فقط،
ثم حدثت الاضطرابات فى سنة (٩٠٦هـ = ١٥٠٠م)، وقضى
«الشيبانيون» على «الأسرة التيمورية» فيما عدا «ظهير الدين بابر»
الذى فر إلى «الهند»، وتمكن بعد ذلك من تأسيس دولة عظيمة بها.
العلاقات الخارجية:
اتسمت علاقة «الدولة التيمورية» بالعالم الخارجى بالعداء والتناحر،
بسبب رغبتها فى التوسع على حساب جيرانها، وقد طرد
«تيمورلنك» الجغتائيين من بلاد «ما وراء النهر»، ثم أسس دولته
التيمورية بها، واستولى على «خوارزم» فى عام (٧٨١هـ)، ثم
استولى على «إيران»، و«أفغانستان»، و«أذربيجان»، و«العراق»،
و«سورية»، ودخل حروبًا كثيرة من أجل تحقيق ذلك، وأحرز
انتصارات متعددة فى بلاد «الهند»، ثم دخل «دهلى»، فأصبح ذا ملك
عظيم، وسيادة على مساحة شاسعة من الأرض، ولكن خلفاءه لم
يحافظوا على ما سعى من أجل تحقيقه طيلة حياته، وكأن وفاته
جاءت إيذانًا بالعودة إلى أعداء الدولة ومنافسيها، لاستعادة
عروشهم، والاستقلال ببلادهم التى اغتصبها التيموريون جبرًا،
وقسرًا، وعدوانًا، وعلى الرغم من ذلك لا يجب إغفال دور «شاه رخ
بن تيمورلنك» (٨٠٧ - ٨٥٠هـ = ١٤٠٥ - ١٤٤٧م)؛ إذ كان رجلا عادلا
[ ٤ / ٧٥ ]
تقيا، غير محب للحرب، وغير ميالٍ إلى سفك الدماء، إلا إذا اضطرته
الضرورة إلى ذلك، وكان اهتمامه موجهًا إلى إصلاح شأن البلاد
والنهوض بها وبعمرانها، فعاشت البلاد فى عصره أزهى فترات
تاريخها.
مظاهر الحضارة فى الدولة التيمورية:
كان «تيمورلنك» رجلا واسع المعرفة، يتقن التحدث بلغات ثلاث هى:
«التركية»،و«الفارسية»، و«المغولية»، محبا للأطباء والفلكيين،
وكذا الفقهاء، وقد جمع الفنيين وأصحاب الحرف من كل أطراف
الدنيا فى عاصمته «سمرقند»، وكانت حياة المحاربين وأخبار
الحروب وتواريخها من أحب المعارف التى يسعى إلى معرفتها،
والقراءة فى الكتب التى تناولتها.
شيد «تيمورلنك» حضارة عظيمة فى بلاده، وأقام بها المنشآت
الشامخة، ولعل المدرسة الدينية الكبيرة التى بناها لزوجته الصينية
«بيبى خاتون» خير دليل على عظمة حضارة «الدولة التيمورية» فى
عهده، فهى تحفة فنية مكونة من أربعة إيوانات، وفى وسطها فناء
واسع، تحيط به عقود ذات قباب، على رأس كل منها منارة، وتعد
المقبرة التى بناها لنفسه آية من آيات البناء، ومثالا لسمات المعمار
فى العصر التيمورى.
ولم يشهد العهد التيمورى ازدهارًا فى مناحى الحياة كافة مثلما حدث
فى عصر «شاهرخ»؛ الذى يعد من أكثر حكام «إيران» ثقافة وذكاءً
ومعرفة، فقد جعل من «هراة» مركزًا ثقافيا لأواسط آسيا، وتبوأ
المهندسون والمعماريون والرسامون والشعراء والعلماء مكانة بارزة
فى بلاده، وأغدق عليهم بالعطايا، وتولى رعايتهم بنفسه، فشهدت
البلاد فى عصره نهضة حضارية فى كل الفنون ومختلف التخصصات،
ويعد مسجد «جوهر شاد» (١٢) من أبرز إنجازات هذا العصر، وظل
العمل فى بنائه اثنى عشر عامًا فى الفترة (٨٠٨ - ٨٢٠هـ = ١٤٠٥ -
١٤١٧م)، وقد أقيم تكريمًا لزوجته - التى حمل المسجد اسمها - بمدينة
«مشهد».
وكذلك بنى المعمارى «قوام الدين الشيرازى» مدرسة كبيرة -
بتكليف من شاهرخ- بمنطقة «خركرد» التى تقع إلى الغرب من
[ ٤ / ٧٦ ]
«هراة»، وتقع حاليا فى شرقى «إيران»، ثم خلف «ألوغ بيك» أباه
على العرش، فكانت فترة حكمه قصيرة، ومع ذلك فقد حرص خلالها
على رعاية الفنون والآداب الفارسية.
يعد «شمس الدين محمد حافظ الشيرازى» ألمع شخصية أدبية عرفها
العصر التيمورى، ويمثل شعره ازدهارًا للحركة الثقافية فى هذا
العصر، وقد توفى فى سنة (٧٩٢هـ = ١٣٨٩م)، وكذلك يُعد
«الجامى» المتوفى فى سنة (٨٩٨هـ= ١٤٩٢م)، من أبرز العلماء
والشعراء فى هذا العصر؛ إذ ألف ستة وأربعين كتابًا فى مختلف
فروع العلم، ثم يأتى «نظام الدين الشامى»، صاحب كتاب
«ظفرنامة»، الذى يعد سجلا لفتوحات «تيمورلنك».
[ ٤ / ٧٧ ]
الفصل الثاني عشر