ينتسب خلفاء «بنى العباس» إلى جدهم «العباس بن عبد المطلب» عم
النبى - ﷺ -، الذى عاش فى «مكة» وأسلم بها،
وكانت له مكانته عند رسول الله - ﷺ -.
وقد أنجب «العباس» عددًا من الأبناء، أشهرهم: «عبد الله بن عباس»
الذى أُطلق عليه «ترجمان القرآن» و«حَبْر الأمة» لسعة علمه وحدة
ذكائه.
ترك «عبد الله» كثيرًا من الأبناء منهم «على بن عبد الله»، الذى يُقال
له «السجَّاد»؛ لكثرة عبادته، وأنجب «السجاد» أولادًا كثيرين،
أشهرهم «محمد بن على»، الذى نظم الدعوة العباسية وخرج بها إلى
حيز الوجود، وأحاط تحركاته بجو من السرية والكتمان، حتى أطلق
على المرحلة التى مرت بها الدعوة العباسية فى عهده «المرحلة
السرية»، وتمتد من سنة (١٠٠هـ= ٧١٨م) إلى سنة (١٢٩هـ= ٧٤٦م)،
وتحركت الدعوة فيها من ثلاثة أماكن هى:
١ - الحميمة: وهى قرية صغيرة منعزلة فى جنوب «الشام»، اتخذتها
الأسرة العباسية مقرا لها.
٢ - الكوفة: وتعد المركز الرئيسى لنشاط الدعاة العباسيين، وتتوسط
بلاد «الشام» و«العراق» و«خراسان».
٣ - خراسان: حيث نجح الدعاة العباسيون فى اجتذاب الآلاف إليهم.
وبدأت الدعوة بجماعة تُسمَّى «النقباء»، قاموا بتكوين «مجلس
شورى» برئاسة «سليمان بن كثير الخزاعى»، وكان مركز الدعوة
فى «الكوفة» يتلقى التعليمات من مقر البيت العباسى فى «الحميمة»
ويرسلها إلى أنصار الدعوة فى كل مكان، وخاصة «خراسان».
وعقب وفاة الإمام «محمد بن على» سنة (١٢٥هـ= ٧٤٢م) تولى ابنه
«إبراهيم» - المعروف بالإمام - شئون الدعوة، وقد نشطت فى عهده،
واتخذت اللون الأسود شعارًا لها.
وقد تهيأ للدعوة العباسية أسباب النجاح منذ أن أسندت مهمة
الإشراف على الدعوة فى «خراسان» إلى «أبى مسلم الخراسانى»،
الذى جمع حوله الأنصار والأعوان، وخاض بهم ساحات القتال محققًا
العديد من الانتصارات، وقام بدور مهم فى قيام «الدولة العباسية».
[ ٣ / ١ ]
وقد واجه العباسيون بزعامة «أبى مسلم» قوى مختلفة فى
«خراسان»، فور إعلان ثورتهم ليلة الخميس (٢٥من رمضان سنة
١٢٩هـ= ٩من يونيو سنة٧٤٧م)، وتمثلت هذه القوى فى «نصر بن
سياد» الوالى الأموى، وقبائل «اليمن» و«ربيعة»، و«الخوارج»، لكن
«أبا مسلم» استطاع بذكائه ودهائه أن يوقع بينها مستغلا العنصر
القبلى وإثارة العصبية بين أفرادها.
وبعد معارك كثيرة استطاعت قوات «أبى مسلم الخراسانى» أن
تدخل مدينة «مرو» عاصمة إقليم «خراسان»، ثم استولت على
«همدان» و«نهاوند» و«حلوان» و«خانقين» وغيرها، حتى دخلت
«العراق»، وكان وراء ذلك النجاح الكبير الذى أحرزه العباسيون فى
نشاطهم الدعائى والعسكرى أسباب كثيرة، منها:
١ - الدعوة الدائبة والمنظمة التى استمرت ما يقرب من ثلاثين سنة
على أيدى دعاة مدربين.
٢ - كثرة الجيوش العباسية واندفاعها لاكتساح القوات الأموية.
٣ - القيادة الحكيمة التى استطاعت تنظيم أنصار الدعوة العباسية
وتسليحهم وتوجيههم إلى ميادين القتال المختلفة.
٤ - تمزق صفوف الجيوش الأموية بسبب العصبية القبلية.
٥ - نجاح العباسيين فى جذب مجموعة من القادة الأكفاء الذين أداروا
المعركة باقتدار ضد الأمويين، ومنهم «أبو مسلم الخراسانى»، و«أبو
سلمة الخلال» كبير الدعاة العباسيين بالكوفة، و«ابن شبيب الطائى»
الذى قاد الجيوش العباسية المتجهة إلى «العراق».
انتقلت الأسرة العباسية من «الحميمة» سرا إلى «الكوفة»، بعد إلقاء
القبض على «إبراهيم الإمام» وقتله فى أحد سجون «دمشق»، وكان
قد أوصى بتولية أخيه «عبدالله» شئون الدعوة.
وفى «الكوفة» أقامت الأسرة العباسية عند «أبى سلمة الخلال»
كبير الدعاة أربعين يومًا حتى تهيأت الظروف لمبايعة أول خليفة
عباسى وهو «عبد الله بن محمد».
[ ٣ / ٢ ]
الفصل الثاني