عهد الإمارة الأموية الأندلسية
[١٣٨ - ٣١٦هـ = ٧٥٥ - ٩٢٨م].
عبدالرحمن الداخل يحكم الأندلس (١٣٨ - ١٧٢هـ = ٧٥٥ - ٧٨٨م):
سقطت الدولة الأموية بالمشرق سنة (١٣٢هـ = ٧٤٩م)، واضطهد
العباسيون الأمويين، وطاردوهم فى كل مكان، لكن واحدًا منهم هو
«عبدالرحمن ابن معاوية بن هشام بن عبدالملك» تمكن من الوصول
إلى الأندلس، بعد أن عبر فلسطين ومصر، ثم لحق به مولاه «بدر»
وهو رومى الأصل، ومولاه «سالم» ومعهما شىء من المال
والجواهر، ثم وصل «عبدالرحمن» إلى «برقة» والتجأ إلى أخواله من
«بنى نفزة» - من برابرة طرابلس - وأقام عندهم مدة، ثم غادر إلى
المغرب الأقصى، وتجول هناك، متغلبًا على ما قابله من صعاب،
وأقام حينًا عند شيوخ البدو، وحينًا عند بعض رجال قبيلة زناتة،
وكان أثناء ذلك يدرس أحوال الأندلس، ويرقب الفرصة المناسبة للعبور
إليها.
وقد اتصل بمعونة مولاه «بدر»، الذى كان قد نزل بساحل «لبيرة»
فى كورة «غرناطة» موطن أهل «الشام» بموالى خلفاء البيت الأموى
والقرشيين عامة، وبالكلبية اليمنية، خصوم الوالى يوسف الفهرى، ثم
عبر عبدالرحمن إلى الأندلس فى ربيع سنة (١٣٧هـ = ٧٥٤م)، ونزل
بثغر «المنكبّ» لموقعه الممتاز، وقد التف الناس حوله بما فى ذلك
جماعات البربر، على أمل أن ينقذهم من الأوضاع المتردية.
تقدم عبدالرحمن نحو العاصمة «قرطبة»، وجمع «يوسف الفهرى»
و«الصميل» ما أمكنهما من قوات، والتقى الفريقان عند «المصارة»
أو «المسارة» بالطرف الغربى، وتمكن عبد الرحمن من تحقيق انتصار
حاسم، دخل على إثره قرطبة وصلى بالناس الجمعة، وخطب الجند،
وعُد ذلك اليوم ميلادًا للدولة الأموية فى الأندلس، ولقب «عبدالرحمن بن
معاوية» بعبدالرحمن الداخل، لأنه أول من دخل الأندلس من بنى أمية
حاكمًا.
ولم يكن عمر «عبدالرحمن الداخل» حين حقق هذا الإنجاز يتجاوز
السادسة والعشرين من عمره، لكنه كان رجل الموقف، شحذت همته
[ ٧ / ١٧ ]
الخطوب والمحن، وأعدته لحياة النضال والمغامرة، فقضى بقية عمره
اثنين وثلاثين عامًا فى كفاح مستمر، لاينتهى من معركة إلا ليخوض
أخرى، ولايقمع ثورة إلا تلتها ثورة، ولم تبق بالأندلس ناحية أو مدينة
إلا ثارت عليه، ولاقبيلة إلا نازعته فى الرياسة، فكانت الأندلس طوال
عهده بركانًا يشتعل بنيران الحرب والثورة والمؤامرة، لكنه صمد لتلك
الخطوب جميعًا، واستطاع بما أوتى من حزم وحسن سياسة وبعد
الهمة والجلد والإقدام أن يغالب تلك الأخطار والقوى وأن يقبض على
زمام الأمور بالأندلس بيده القوية.
وقد تصور اليمنيون أن من حقهم ماداموا قد ناصروا «عبدالرحمن» أن
يفعلوا ما يشاءون، فينشروا الفوضى ويستولوا على أموال الناس،
ويغرقوا البلاد فى مستنقع العصبيات القبلية كما كان الحال من قبل،
لكن عبدالرحمن أثبت أنه لايفرق بين شامى أو بلدى، أو بين بربرى
ويمنى، فجميعهم يضمهم وطن واحد، وعليهم أن يخضعوا لسلطان
العاصمة المركزية.
غير أن تلك السياسة لم تعجب اليمنيين، وعدُّوها لونًا من الجحود
والنكران فثاروا عليه، لكنه تمكن من القضاء عليهم فى الجزيرة
الخضراء، وإشبيلية، وطليطلة، وباجة، معتمدًا على حشود البربر
وأهل البلاد وأعوان بنى أمية.
ولعل من أخطر الثورات التى واجهت عبدالرحمن ثورة «العلاء بن
مغيث الحضرمى»، من وجوه باجة ومن ذوى الرئاسة بها، وكان قد
كاتب «أبا جعفر المنصور» الخليفة العباسى، واستصدر منه سجلا
بولاية الأندلس، وجمع حوله جندًا عظيمًا، ورفع العلم الأسود شعار
العباسيين سنة (١٤٦هـ = ٧٦٣م)، فاشتعلت باجة بنيران الثورة،
وتحالفت «شذونة» مع الثائر، فخرج عبدالرحمن من قرطبة ولجأ إلى
الدفاع أولا، فلما ضعف خصمه تحوَّل إلى الهجوم، ونشبت معارك
هزم فيها العلاء وتشتت جنده، وقتل الآلاف بما فيهم العلاء نفسه،
وحمل عبدالرحمن رءوس الزعماء والقادة وبعث بها إلى القيروان،
ووضع رأس العلاء فى سفط ومعه اللواء الأسود، وسجل المنصور
[ ٧ / ١٨ ]
بتوليته، وحمله بعض ثقاة التجار إلى مكة، وكان المنصور يحج،
وألقى هذا أمام سرادقه، فلما حمل إليه قال: «مافى هذا الشيطان
مطمح، فالحمد لله الذى جعل بيننا وبينه البحر».
ولم يكن على عبدالرحمن أن يواجه مشاكل الجنوب فقط بل شمالى
الأندلس أيضًا، فقد ثار عليه «سليمان بن يقظان» والى «برشلونة»
و«الحسين بن يحيى» والى «سرقسطة»؛ مستغلين طبيعة بلادهم
الجبلية وانشغال عبدالرحمن بحركات الثائرين فى الجنوب، ثم
استفحل خطرهم بعد انتصارهما على جيش أرسله عبدالرحمن.
ولم يكتفِ الثائران بذلك بل قدما على رأس وفد إلى «شارلمان
الأكبر» إمبراطور الدولة الفرنجية، وكان فى ولاية «سكونيا» شمالى
ألمانيا حاليا، واقترحا عليه غزو الولايات الأندلسية الشمالية، وتعهدا
بمعاونته ضد عبدالرحمن، وأن يعمل جميعهم على خلعه، وتسليم
البلاد إلى شارلمان والخضوع له.
وقد رحب شارلمان بهذا العرض واجتاز جبال البرت، والتقى بحلفائه
على نهر الإيرو عند سرقسطة، لكن حاكم سرقسطة عدل عن موقفه
فى آخر لحظة، ورفض تسليم مدينته لشارلمان، وحصّنها فتمكنت من
رد هجماته عليها، وكذلك فعل والى برشلونة، واضطر «شارلمان»
أن يرتد إلى بلاده بسبب ثورات قامت عليه سنة (١٦١هـ = ٧٧٨م)،
وهكذا شاءت العناية الإلهية أن يبوء عاهل الفرنج بالفشل بعد أن
اختلف معه هؤلاء الخارجون على عبدالرحمن، وانقلبوا إلى مقاومته.
وفى الوقت الذى كانت تجرى فيه هذه الحوادث فى الشمال، كان
عبدالرحمن فى الجنوب يحارب الثائرين عليه، فقضى على ثورة
مؤيدة للعباسيين فى «مرسية»، وقمع ثورات أخرى فى غرناطة
وطليطلة والجزيرة الخضراء، ثم توجه إلى سرقسطة فى جيش ضخم
وعقد صلحًا مع الثائرين بها، ثم عاد إليها مرة أخرى فحاصرها
وضربها بالمنجنيق، ثم اتجه إلى الشمال الشرقى واخترق بلاد
البشكنس، ففرض عليها الجزية، ثم عاد مظفرًا إلى قرطبة سنة
(١٦٧هـ = ٧٨٣م) وبعدها عقد صداقة مع شارلمان استمرت بقية
[ ٧ / ١٩ ]
حياته، ثم قاد حملة سنة (١٦٨هـ = ٧٨٤م) إلى طليطلة؛ حيث هزم زعيم
الفهرية هناك بعد معارك شديدة وقتال فى أكثر من موقع.
ولما شعر عبدالرحمن بهدوء نسبى، استدعى بنى أمية من المشرق،
فأقبل إليه كثيرون، استعان بهم فى تحمل بعض المسئوليات، لكنه
فوجئ بأن من بينهم من ينقم عليه، ويقيم ضده المؤامرات، فاضطر
إلى أن يعتمد على المخلصين من موالى بنى أمية ومن انضم إليه من
أهل البلاد، بالإضافة إلى قوة من الصقالبة اشتراهم صغارًا من بلاد
النصارى ورباهم تربية إسلامية، ونشأهم تنشأة عسكرية، وأصبح
هؤلاء عنصرًا أساسيا من عناصر القوة السياسية فى الأندلس.
وتُوفِّى عبدالرحمن فى (١٠من جمادى الآخرة ١٧٢هـ = ١٦ من أكتوبر
٧٨٨م) بعد حياة طويلة قضاها فى كفاح متواصل، ومواجهة للصعاب
والأهوال، وأقام ملكًا ودولة فوق بركان يضطرم بالثورات والمؤامرة،
وأثبت أنه بطل فريد من أبطال التاريخ، لا يجود الزمان بمثله كثيرًا،
فتى شريدًا بلا أنصار وأعوان يفر من الموت الذى تعرضت له أسرته،
لكنه يستغل ظروف الأندلس فيقودها بكثير من الدهاء والحزم
والعزيمة والذكاء، ويقيم دولة على أسس إدارية وسياسية ومالية
ثابتة.
ويزيد من قيمة ما قام به أن من حكمهم تعودوا على الفوضى
والأنانية، وتقديم المصالح الشخصية على المصالح القومية، ولم يكن
باستطاعة عبدالرحمن إلا أن يعامل هؤلاء بما يستحقون من شدة
وقسوة، لكنه أصبح فى أخريات أيامه شديد الاستبداد، لايقبل
المناقشة من أحد حتى مولاه «بدر» غضب عليه، وأقصاه بعد طول
خدمة.
وأفضل ماتميز به؛ عقله المرتب وأسلوبه المنظم، فقد كان يدرس
مشاكله، ويتلقى أخبار الثورات بجنان ثابت، ثم يرسم خطته للقضاء
عليها، ويصفه ابن حيان أمير مؤرخى الأندلس بقوله: «كان راجح
العقل، واسع العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم .. متصل الحركة لايخلد
إلى راحة، ولايسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، ثم لاينفرد
فى إبرامها برأيه، شجاعًا، مقدامًا ..».
[ ٧ / ٢٠ ]
نظام حكومة عبدالرحمن:
لم يكن هناك نظام لولاية العهد، وكان اختيار ولى العهد يترك للأمير،
وأنشأ عبدالرحمن منصب الحجابة، وأحاط نفسه بمجموعة من الأعوان
يساعدونه فى القيام بمهام الحكم بدلا من الوزراء، وقد اختارهم فى
أول الأمر من بين أعوانه الذين استقبلوه وقاتلوا معه، فكانت
حكومته عربية شكلا وروحًا، ثم مال إلى البربر والموالى بعد أن
استراب فى العرب وشك فى ولائهم له، لثوراتهم المتعددة عليه.
وقد منح الجيش عناية خاصة، فجنَّد مائة ألف عدا حرسه البالغ
أربعين ألفًا من العرب والموالى والرقيق، كما عنى بالبحرية فى
أخريات حياته، وأنشأ عدة قواعد لبناء السفن.
عناية الداخل بالإنشاء والتعمير:
عنى «عبدالرحمن الداخل» عناية فائقة بالإنشاء والتعمير فى قرطبة
على الرغم من كثرة مشاغله، فحصَّن العاصمة وزينها بالحدائق،
وأنشأ منية الرصافة وقصرها العظيم فى الشمال الغربى على بعد
(٤) كم من قرطبة، وقد أحاطها بالحدائق الزاهرة، وأطلق عليها
الرصافة، تخليدًا لذكرى الرصافة التى أنشأها جده «هشام بن
عبدالملك» بالشام، وكان هذا القصر يطل من ناحية الجنوب على
الحقول التى تفصله عن قرطبة، ويطل من الشمال على أرض واسعة
تسمى «فحص السرادق»، وقد اتخذ عبدالرحمن من ميدانها الفسيح
منازل لجنده وقواده، ومكانًا يتدرب فيه الجنود بصورة مستمرة
ومنتظمة.
كما بدأ عبدالرحمن سنة (١٥٠هـ= ٧٦٧م) فى إنشاء سور قرطبة الكبير
الذى استمر العمل فيه أعوامًا، كما أنشأ مساجد محلية كثيرة فى
قرطبة وغيرها، وعلى رأسها المسجد الأموى الجامع الذى بدأ فى
إنشائه سنة (١٧٠هـ = ٧٨٦م)، وجلب إليه الأعمدة الفخمة، والرخام
المنقوش بالذهب واللازورد؛ وبلغ ما أنفقه عليه ١٠٠ ألف دينار، ثم
زاد خلفاؤه من بعده فى هذا العمل، حتى أصبح أعظم مساجد
الأندلس.
ويقع هذا المسجد فى الجهة المقابلة لقصر الإمارة، وبينهما مساحة
واسعة استغلها عبدالرحمن فى إنشاء قصر خاص لنفسه، وعدد من
[ ٧ / ٢١ ]
القصور الصغيرة لآل بيته، أحاطها بالحدائق الغناء، وبسور يدور
حولها، وقد امتدت هذه القصور حتى وصلت إلى ضفة نهر الوادى
الكبير، فبنى عبدالرحمن قصور الإدارة ناحية النهر، وفتح بابًا فى
الشارع بين النهر والسور سمى «باب السدة»، فتح للجمهور،
ويفضى إلى المكاتب الحكومية، وإلى جانب باب السدة خُصِّصت
مواقع الكتَّاب الذين يعاونون الناس فى كتابة شكاواهم وطلباتهم،
والذين يشبهون من نسميهم اليوم بالكتاب العمومين.
ومن منشآت عبدالرحمن التى بناها فى قرطبة، «دار السكة» لضرب
النقود على النحو الذى كانت تضرب عليه نقود بنى أمية فى المشرق
من حيث الوزن والنقش.
هشام الأول بن عبدالرحمن المعروف بالرضى [١٧٢ - ١٨٠هـ = ٧٨٨ -
٧٩٦م]
خلف «هشام» أباه «عبدالرحمن» على حكم الأندلس، الذى اختاره لا
لأنه أكبر أبنائه، بل لما توسَّمه فيه من المزايا الخاصة، وقد أبدى
«هشام» لينًا وورعًا، وحسن سياسة، وبصرًا بالأمور، فجذب الناس
إليه بإقامته للحق وتحريه للعدل، ومعاقبته للولاة المقصرين.
ولم يعكر صفو أيام «هشام» إلا اشتعال بعض الثورات، منها: الثورة
التى قام بها أخواه «سليمان» و«عبدالملك»، وانتهت بالصلح سنة
(١٧٤هـ = ٧٩٠م) على أن يقيما بعدوة المغرب، كما قاد حملة على
نصارى الشمال الذين أغاروا على البلاد، فنجح فى القضاء عليهم
سنة (١٧٥هـ = ٧٩١م) ثم تكررت حملاته عليهم، حتى قضى على
محاولاتهم التي استهدفت التوسع جنوبًا.
وأهم ما يتميز به عهد «هشام» ذيوع مذهب الإمام «مالك بن أنس»،
وحلوله محل مذهب الأوزاعى إمام أهل الشام الذى اتبعه الأندلسيون،
وكان الإمام مالك معاصرًا لهشام بن عبدالرحمن، كثير الثناء عليه،
وقد وفد بعض الأندلسيين إلى المشرق وتتلمذوا على الإمام مالك،
أمثال: الغازى بن قيس، وزياد بن عبدالرحمن المعروف بشيطون،
وغيرهما، فلما عادوا إلى الأندلس رحَّب بهم هشام، وسمح لهم
بتدريس مذهب «مالك»، وأخذ القضاة يصدرون أحكامهم بناءً عليه،
[ ٧ / ٢٢ ]
واتخذ منهم هشام كبار قضاته ومستشاريه، وشيئًا فشيئًا أصبح
المذهب المالكى هو المذهب الرسمى للدولة.
وحرصت الإمارة الأندلسية على جعل اللغة العربية لغة الدواوين
الرسمية، ولغة الدرس والتعليم، ولم تكن تقبل إلا ما هو عربى، وكان
ذلك اتجاهًا عاما سار عليه الأمويون فى حياتهم وتبعهم الناس فى
ذلك، وبلغ من اهتمام هشام بالعربية أن جعلها لغة نصارى الأندلس
ويهودها، وترجم إليها الكتاب المقدس ونصوص الصلوات، وساعد ذلك
كله على التحول إلى الإسلام، وانتشار اللغة العربية وأصبحت الأندلس
مركزًا من أهم مراكز الحضارة العربية.
ويكاد يجمع المؤرخون على أن «هشامًا» كان رقيقًا تقيا، صارمًا
فى الحق، محبا للجهاد، أنفق كثيرًا من الأموال فى فداء الأسرى،
كما كان شغوفًا بالإصلاح والتعمير، فأتم بناء مسجد قرطبة الجامع،
وأنشأ مساجد أخرى، وزين «قرطبة» بكثير من الحدائق والمبانى،
وجدَّد قنطرة قرطبة التى بناها «السمح بن مالك»، ونظَّم وسائل
الرى، وجلب إلى الأندلس الأشجار والبذور.
وكان هشام يحب مجالس العلم والأدب، وبخاصة مجالس الفقه
والحديث، فقرَّب إليه الفقهاء والعلماء، وبوَّأهم أهم المناصب، خلافًا
لما كان عليه زمن والده، وقد ترتب على ذلك نتائج سياسية
واجتماعية ظهرت فيما بعد.
الحكم الأول بن هشام المعروف بالربضى [١٨٠ - ٢٠٦هـ = ٧٩٦ - ٨٢٢م]
بدأ «الحكم» عهده بالجهاد ضد البشكنس (ثافارا)، لكنه اضطر إلى
تركه لمواجهة الثورات التى اشتعلت ضده فى الثغر الأعلى سنة
(١٨١هـ = ٧٩٧م)، وكان عمَّاه «سليمان» و«عبدالله» قد أتيا إليها
سرا واتصلا بملك الفرنج وطلبا مساعدتهما، ولما علم «الحكم» سار
بجيوشه إلى الشمال، فاضطر الفرنج إلى الانسحاب، فأحكم سيطرته
على هذه المناطق، وفى هذه الآونة حاول عمَّاه الإغارة على
قرطبة، فعاد الحكم وهزمهما، وقتل «سليمان»، على حين فرَّ «عبد
الله» إلى «بلنسية» والتزم الهدوء طوال فترة الحكم.
[ ٧ / ٢٣ ]
وفى سنة (١٨٥هـ = ٨٠١م) سير «شارلمان»، جيشًا لغزو «برشلونة»،
وكان الحكم مشغولا بمطاردة الخارجين عليه، فلم يتمكن من نجدة
المدينة، فسقطت بعد كفاح مشرف، وقد استقل حكام القوط بهذه
المنطقة عن الفرنج بعد فترة وأنشئوا إمارة «قطلونية» النصرانية،
التى اتحدت مع مملكة أراجون، وتمكنوا من غزو الجانب الشرقى من
مملكة الإسلام فى الأندلس، وخسر المسلمون بذلك حصنًا منيعًا،
وارتدت حدود الأندلس إلى الثغر الأعلى بعد أن كانت قد تجاوزت
جبال البرت.
ولم تهدأ العواصف والثورات ضد الحكم، فاكتشف فى سنة (١٨٩هـ =
٨٠٥م) مؤامرة للإطاحة به، لكنه أحيط علمًا بما يدبره خصومه فقضى
عليهم، وأعدم (٧٢) منهم فى صورة بالغة القسوة، مما أثار غضب
أهل قرطبة وحنقهم عليه، كما قضى على الثورات المتكررة التى قام
بها أهالى طليطلة، مستخدمًا أسلوب القتل والاغتيال، حتى إن واليه
على طليطلة أعد وليمة دعا إليها كبار زعماء طليطلة، ثم أعدمهم،
وألقى جثثهم فى حفرة خلف القصر سنة (١٩١هـ = ٨٠٧م)، وفى تلك
الأثناء غزا الفرنج الثغر الأعلى وحاصروا مدينة «طرطوشة» لكن
المسلمين تمكنوا من هزيمتهم، وإنقاذ المدينة المحاصرة سنة (١٩٣هـ
=٨٠٩م)، كما توالت حملات النصارى على أطراف الثغر الأدنى
والمنطقة التى بين نهرى دويرة والتاجة لبعدها عن قرطبة، وضعف
وسائل الدفاع عنها، وعانى المسلمون كثيرًا فى تلك المناطق من
جراء تلك الغزوات، ولما بلغت الأنباء مسامع «الحكم بن هشام» خرج
بنفسه سنة (١٩٤هـ = ٨١٠م) على رأس جيشه، وهزم النصارى فى
عدة مواقع وأسر وغنم غنائم كثيرة، كما أرسل فى العام التالى
جيشًا إلى الثغر الأعلى، غزا قطالونية، وهاجم برشلونة، وانتهى
الأمر بصلح دام حتى وفاة «شارلمان» سنة (١٩٨هـ= ٨١٤م)، ثم كانت
آخر غزوات الحكم سنة (٢٠٠هـ = ٨١٥م) إلى «جليقية» حيث توغل
المسلمون فيها، ونشبت بينهم وبين النصارى مواقع حربية، انتهت
بهزيمة النصارى وارتدادهم إلى الداخل.
[ ٧ / ٢٤ ]
وفى أواخر عهد الحكم اشتعلت فى «قرطبة» ثورة عنيفة سميت
ثورة الربض، بسبب كراهية «المولِّدين» للحاكم، وبغضهم له لصرامته
وقسوته، واتهامهم له بممارسة اللهو والشراب، والمبالغة فى فرض
الضرائب، وقد تأجج لهيب الثورة فى الربض الجنوبى المسمى
«شقندة» بصفة خاصة يوم (١٣ من رمضان ٢٠٢هـ = ٢٥ من مارس
٨١٨م) وتوجه الثوار إلى القصر، وتأهب الحكم ورجاله لردِّهم، وقد
نجحوا فى ذلك، ثم مالبث أن شقت قوات الحكم طريقها إلى النهر،
وعبرته إلى الضاحية الأخرى موطن الثائرين وأضرمت النيران فى
جوانبها، فأسرع الثوار إلى دورهم، لإطفاء النيران وإنقاذ الأهل
والعشيرة.
وفى هذه اللحظة أحاط الجنود بالثوار، وأوسعوهم قتلا ومطاردة
ونهبوا دورهم، واستمرت هذه المأساة ثلاثة أيام، فرَّ خلالها إلى
طليطلة من استطاع، ثم نودى بالأمان بعد أن هدأت الفتنة، ثم أصدر
الحكم قرارًا بهدم دور الثوار ولاسيما فى الضاحية التى شهدت ميلاد
الثورة، فتم محوها تمامًا، ثم أمر بإخراج الثائرين من قرطبة،
فتفرقوا فى الثغور، وعبر بعضهم إلى العدوة الأخرى بالمغرب،
وهاجر بعضهم إلى طليطلة وشمالى غربى الأندلس.
كما ركب نحو (١٥) ألفًا منهم سفنًا رست بهم فى ميناء الإسكندرية،
حيث أقاموا فيها، غير أن والى مصر «عبدالله بن طاهر» أجبرهم
على الرحيل، فتوجهوا إلى جزيرة «كريت» وفتحوها سنة (٢١٢هـ =
٨٢٧م)، وأسسوا بها دولة زاهرة، بقيت هناك إلى أن استولى عليها
البيزنطيون سنة (٣٥٠هـ = ٩٦١م).
وعلى الرغم من نجاح «الحكم» فى القضاء على هذه الحركة الثائرة،
فإن أهل «قرطبة» تضاعفت كراهيتهم له، وزاد من نفورهم منه ما
فرض عليهم من ضرائب.
مرض الحكم بعد ذلك، وأخذ البيعة لولى عهده فى حياته، وأبدى
أسفه لما وقع منه لأهل الربض، ثم مات فى (٢٦ من ذى الحجة ٢٠٦هـ
= ٢٢ من مايو ٨٢٢م) بعد أن لُقِّب بالربضى، نسبة إلى ماقام به من
أعمال شنيعة فى منطقة الربض الجنوبى.
[ ٧ / ٢٥ ]
ولم يكن الحكم الربضى كأبيه محبا للعلماء والفقهاء، فتراجعت
مكانتهم فى زمنه وآثر عليهم حضور مجالس الإماء والشعراء،
وانصرف إلى حياة اللهو والصيد.
ويُعدُّ الحكم أول من أظهر هيبة الملك بالأندلس وفخامته، ورتَّب للبلاط
نظمه ورسومه، واستكثر من الموالى، فظهر «الصقالبة» بكثرة فى
بلاطه، وأسند إليهم معظم شئون الحكم والحرس الخاص، ووصل بهم
إلى مراتب القيادة والرياسة، كما كانت له شرطة قوية وعيون على
الناس.
وضمَّت حكومته شخصيات بارزة فى تاريخ الأندلس، منهم: «ابن
مغيث» الذى تولَّى حجابته، واستحدث منصبًا يهتم بشئون أهل الذمة،
سمَّى شاغله بالقومس أو «القمط».
وعلى الرغم من اشتعال الفتن والثورات فى عهد الحكم، فقد ازدهرت
العلوم والآداب ونبغ عدد كبير من الكتاب والشعراء والعلماء، منهم
«عباس بن ناصح الثقفى»، وابنه «عبدالوهاب»، و«أبو القاسم عباس
بن فرناس»، و«يحيى الغزال».
عبدالرحمن الثانى (الأوسط) بن الحكم [٢٠٦ - ٢٣٨هـ = ٨٢٢ - ٨٥٢م]
تولى «عبدالرحمن» الحكم فى (٢٧ من ذى الحجة ٢٠٦هـ = ٨٢٢م)
بعهد من أبيه؛ وكان «عبدالرحمن» منذ صغره شغوفًا بدراسة الأدب
والحديث والفقه، ذا عقل مستنير، خبيرًا بشئون الحرب والسياسة،
هادئ الطباع، حسن العشرة، متقربًا إلى الناس، حازمًا فى أمره،
ولهذا كان مؤهلًا لإزالة ما خلفته إمارة أبيه الحكم من آثار سيئة.
وقد واجه «عبدالرحمن» فى أول ولايته سنة (٢٠٧هـ = ٨٢٣م) ثورة
فى «بلنسية» دامت عدة سنوات، ولم تنته إلا فى سنة (٢١٣هـ =
٨٢٨م) حيث نجح فى القضاء عليها وإخماد فتنتها، كما واجه ثورة
فى قرطبة نجح فى القضاء عليها أيضًا.
استأنف «عبدالرحمن الثانى» برنامجه فى الجهاد مبكرًا، فأرسل فى
سنة (٢٠٨هـ = ٨٢٣م) حملة عسكرية بقيادة «عبدالكريم بن عبدالواحد
بن مغيث» إلى «ألبة والقلاع» بعد أن أغار ملك جليقية (ليون) على
مدينة سالم فى الثغر الأعلى، وقد نجحت الحملة فى إلحاق الهزيمة
[ ٧ / ٢٦ ]
بالنصارى فى عدة مواقع، وخربت مدينة «ليون» وأحرقت حصونها،
وأطلقت سراح المسلمين، وألزمت القوات المعتدية بدفع جزية كبيرة
وعادت الحملة بقيادة «عبدالكريم» إلى قرطبة مثقلة بالغنائم، وكانت
تلك آخر غزوات هذا القائد المظفر الذى استمر يدافع عن الأندلس فى
ميادين القتال أكثر من ثلاثين سنة؛ حيث توفى فى سنة (٢٠٩هـ =
٨٢٤م)
ثم تعرَّضت البلاد لعدد من الثورات والفتن والقلاقل فى «طليطلة»
و«ماردة» دامت سنوات طوال، واستنفدت كثيرًا من الجهد والمال
وإراقة الدماء حتى تمكن «عبدالرحمن» من القضاء عليها.
عاود «عبدالرحمن» نشاط الجهاد، فبدأ يرسل الصوائف كل عام إلى
الشمال تارة إلى أطراف الثغر الأعلى لتشتبك مع الفرنجة، وتارة إلى
«ألبة والقلاع» حيث تغير على بلاد البشكنس وأطراف مملكة جليقية
(ليون)، وكان أحيانا يقود تلك الصوائف، مثلما فعل سنة (٢٢٨هـ =
٨٤٣م) حيث سار بجيشه إلى الشمال، وزحف على بلاد البشكنس،
وألحق بملكها الهزيمة، واضطر إلى طلب الأمان، وعاد عبدالرحمن
إلى قرطبة بعد أن وطد نفوذه هناك، وفرض هيبته وقوته على
البشكنس، حتى لايتجرءوا على مهاجمة أراضى المسلمين مرة أخرى.
غزوات النورمان:
المقصود بالنورمان: هم أهل الشمال سكان اسكنديناوه ودانيماركه،
الذين اشتهروا بجوب البحار ومحاولة التغلب على قسوة الجليد
وأهوال الطبيعة، وبدأت جموعهم تغزو فرنسا وشواطئ أوربا
الغربية فى أوائل القرن التاسع الميلادى، تحملهم سفن صغيرة ذات
أشرعة سوداء، تدخل مصبات الأنهار، وتنشئ لها مراكز داخل البلاد،
وتغير على المدن وتنهب خيراتها، ثم توقد النيران للتعمية، ثم تهرب
مسرعة.
وكان ظهور هؤلاء فى مياه الأندلس لأول مرة سنة (٢٣٠هـ= ٨٤٥م)؛
حيث جاء أسطول لهم فى ثمانين سفينة، ورسا فى مياه «إشبونة»
فكتب حاكمها إلى «عبدالرحمن» يخبره بذلك، وحدث احتكاك بين
هؤلاء والمسلمين مدة ثلاثة عشر يومًا، ثم سار الأسطول النورمانى
[ ٧ / ٢٧ ]
إلى «قادش»، ومنها إلى «شذونة» ونهب كل ما وجده فى طريقه،
ثم اخترق نهر الوادى الكبير إلى «إشبيلية»، وظهر هناك بصورة
مفاجئة، ولما لم تكن هناك بحرية تدافع عن تلك المنطقة أو استعداد
لمواجهة هذا النوع من العمليات، فقد عاث النورمان فيها فسادًا لمدة
سبعة أيام، وأحرقوا الدور والمسجد الجامع، ثم غادروا مدينة
«إشبيلية»، وعسكروا فى الناحية الغربية منها.
وإزاء هذه التحركات هرع المسلمون لرد العدوان، ونشبت معارك
تفوق فيها النورمان فى أول الأمر، ثم هزمهم المسلمون بعد قتال
عنيف عند «طليطلة» شمالى «إشبيلية» فى (٢٥ صفر سنة ٢٣٠هـ =
٨٤٥م) ولقى قائدهم مصرعه، وأحرقت ثلاثون سفينة من سفنهم،
فأقلعت السفن الباقية نحو الجنوب حيث غادروا مياه الأندلس بعد
أسابيع من الفزع والرعب.
نشأة الأسطول:
كان لمفاجأة النورمان أثرها، فبدأت الحكومة الأندلسية تعطى
الاهتمام الكافى للأسطول والتحصينات البحرية، فبنى «عبدالرحمن»
سورًا ضخمًا حول «إشبيلية»، واتخذ قواعد بحرية، ودورًا لصناعة
السفن فى «إشبونة» و«إشبيلية»، و«المرية» و«بلنسية» و«مالقة»،
وعنى بصناعة السفن الكبيرة، وأعد لها المقاتلة، وأصبح للأندلس
أسطولان، أحدهما فى المحيط الأطلسى ومركزه إشبونة، والآخر
فى البحر المتوسط وقاعدته مالقة.
وبدأت تظهر أهمية البحرية الأندلسية منذ منتصف القرن التاسع
الميلادى وأثمرت جهوده فى فتح الجزائر الشرقية (جزر البليار)،
وهى ميورقة ومنورقة ويابسة، وتم ضمهما إلى الإمارة الأندلسية
سنة (٢٣٤هـ = ٨٤٨م).
وقد أدرك النورمان أن الأندلس لن تكون فريسة سهلة لغزواتهم،
فسعوا إلى الصلح مع الأمير عبدالرحمن، وبعثوا رسلهم يطلبون
السلام، فأرسل الأمير إليهم الشاعر «يحيى الغزال» ردًا على
سفارتهم.
وبعد الانتهاء من مشكلة النورمان استأنف «عبدالرحمن» عمليات
الجهاد فى الشمال، فأرسل صائفة اخترقت قشتالة القديمة، وسارت
[ ٧ / ٢٨ ]
فى اتجاه نابارَّا (نافار)، وغزت بنبلونة سنة (٢٣٠هـ = ٨٤٥م)، ثم
توجهت فى العام التالى صائفة إلى «جليقية»، وحاصرت «ليون»
عاصمتها، وحملت النصارى على اللجوء إلى الجبال، كما أرسل قوة
بحرية إلى جزيرتى ميورقة ومنورقة سنة (٢٣٤هـ = ٨٤٨م) تمكنت من
السيطرة عليهما.
وفى سنة (٢٣٧هـ = ٨٥١م) قامت حرب بين المسلمين وبعض قوات
البشكنس الذين هاجموا أراضى المسلمين فى أطراف بلاد الثغر
الأعلى، انتهت بانتصار المسلمين.
وقد حرص «عبدالرحمن» على موالاة إرسال الصوائف فى كل عام
إلى الحدود الشمالية مما يلى «طليطلة» شمالا، لأن الصراع هناك كان
شديدًا، ولأن أهل طليطلة كانوا يستنجدون بالإمارات النصرانية فى
منازعاتهم مع الإمارة الأندلسية، ويستنجدون أيضًا بنصارى الشمال
وبخاصة ملوك ليون.
المتعصبون النصارى يثيرون فتنة فى الأندلس:
تعرضت البلاد فى أواخر عهد «عبد الرحمن» الأوسط لفتنة شديدة،
أملتها روح التعصب، فقد كره بعض القساوسة والرهبان سيطرة
الثقافة واللغة العربية على المجتمع، وانتشار الإسلام، فلجئوا إلى
الشكوى لموت الثقافة المسيحية وإلى مواجهة المسلمين وتحديهم فلم
يفلحوا، فراحوا يجهرون بسب النبى - ﷺ - والإساءة
إليه، وإهانة المقدسات الإسلامية علنًا وعلى مرأى الناس وفى
الطرقات العامة.
وقد حمل رجال الشرطة هؤلاء القساوسة والرهبان إلى القضاة،
فكرروا الشىء نفسه أمامهم وأصروا على رأيهم، وحاول القضاة
استعمال الرفق معهم فى ثنيهم عن أفعالهم فلم ينجحوا، وتكررت
الجرائم، فاضطر القضاة إلى الحكم بإعدام هؤلاء المتعصبين، وقتل
كثير منهم فى صيف سنة (٢٣٧هـ = ٨٥١م)، فعدهم أحبار النصارى
شهداء، وكان هذا هو هدف هؤلاء المتعصبين، وتأزم الموقف،
والتهبت نيران الفتنة.
واجه «عبدالرحمن» هذه المشكلة بما تستحقه من صبر، فطلب من
قادة النصارى عقد مجمع دينى فى قرطبة لمعالجتها بحكمة واتزان،
[ ٧ / ٢٩ ]
فأوضح المجمع عواقب هذا العمل الوخيمة، وأن المعتدلين من
النصارى يبرءون منه ويستنكرونه، وكان من نتيجة ذلك استقرار
الأوضاع وعودة الوئام بين المسلمين والنصارى بفضل معالجة
عبدالرحمن وحسن تأنيه فى الأمور.
وفاة عبدالرحمن الأوسط:
توفى «عبدالرحمن» فى (٣ من ربيع الآخر ٢٣٨هـ = ٢٣ من سبتمبر
٨٥٢م) عن عمر يناهز (٦٢) سنة، بعد أن حكم البلاد أكثر من إحدى
وثلاثين سنة، عدت من أزهى سنوات الحكم الإسلامى فى الأندلس،
فقد عاش الناس فى رخاء وعم الهدوء والاستقرار البلاد، وقام الحكم
على أسس من العدالة والنظام.
وقد اعتمد «عبدالرحمن الأوسط» على عدد من الزعماء والوزراء
والقادة المخلصين، وكان الوزراء يعقدون اجتماعاتهم فى قصر
«السدة» فى بيت يسمى بيت الوزارة، ويحمل «الحاجب» رئيس
الوزراء نتيجة مناقشاتهم للأمير، لاتخاذ ما يراه مناسبًا. وكان الوزير
يتقاضى مرتبًا شهريًا قدره (٣٥٠) دينارًا وجرى عبدالرحمن على سنة
أبيه فى اصطفاء الموالى والصقالبة، وكان له خمسة آلاف، منهم
ثلاثة آلاف يرابطون إزاء أبواب القصر على الرصيف، وألفان على
أبواب القصر، وهم الذين كانوا يسمون الخرس بسبب عجمتهم.
ولم يكن عبدالرحمن الأوسط أميرًا فحسب، وإنما كان أديبًا شاعرًا
وعالمًا حكيمًا، أحاط نفسه بجماعة كبيرة من الشعراء والعلماء
والأدباء، كما كان أول من عُنى بجمع الكتب من أمراء الأندلس، وقد
أوفد شاعره «عباس بن ناصح» إلى المشرق يبحث له عن كتب،
فجمع منها طائفة كبيرة كانت نواة مكتبة قرطبة العظيمة، ومن
الشخصيات التى أحاطت به:
- على بن نافع:
الموسيقى المعروف بلقب زرياب (الطائر الأسود)، وكان قد غادر
بغداد إلى قرطبة، فاستقبله «عبدالرحمن الأوسط» بكل حفاوة،
وعاونه على إظهار فنه، فأنشأ معهدًا لتعليم الموسيقى وابتكر
طريقة لكتابتها، وأنشأ فرقة موسيقية تجمع بين العازفين
والمنشدين، واخترع وترًا خامسًا أدخل به تعديلا على العود، كما
[ ٧ / ٣٠ ]
أدخل كثيرًا من مظاهر الحياة المتحضرة فى المجتمع الأندلسى،
وتوفى فى (ربيع الأول ٢٣٨هـ= أغسطس ٨٥٢م).
- عباس بن فرناس:
كان من رجال الحكم الربضى وابنه عبدالرحمن، وهو فيلسوف
ورياضى وشاعر وموسيقى وكيميائى، من أصل بربرى، توصل إلى
صناعة الزجاج من طحن الأحجار، واخترع آلة تسمى «الميقانة» تعتمد
على الظل فى معرفة الوقت، واشتهر بأول محاولة يقوم بها الإنسان
للطيران فى الجو، كما اخترع شيئًا شبيهًا بقلم الحبر، وقد أدركته
الوفاة فى عهد الأمير محمد بعد ذلك.
- يحيى بن الحكم الجيانى «الغزال»:
هو فيلسوف شاعر، من أصل عربى، ولد فى جيان بالأندلس، ولقب
بالغزال لأناقته وجمال هيئته، كان من الندماء المقربين من
عبدالرحمن الأوسط، فأعجب به وكلفه بالسفارة عنه إلى إمبراطور
الدول البيزنطية، فقام بمهمته خير قيام، فشجع ذلك النجاح الأمير
عبدالرحمن فبعث به إلى ملك النورمان فى الدنيمارك ليتباحث معه
فى أمر الصلح بين الدولتين. وتوفى يحيى الغزال سنة (٢٥٠هـ=
٨٦٤م).
المظاهر الحضارية فى عهد عبدالرحمن الأوسط:
ظهرت آثار الرخاء وترف الحضارة فى عهد عبدالرحمن فيما بناه
الناس من قصور جميلة، تم تزيينها بالأثاث الفاخر والفرش الوثيرة،
والجوارى الحسان اللاتى جلبن من المشرق، وانتشرت فى قرطبة
البيوت المحاطة بالحدائق المزدانة بالأشجار وأطلقوا عليها اسم
«المنى»، وتوسَّع بعض الأغنياء فى الحدائق المحيطة بهذه المنازل
حتى أصبحت رياضًا، أطلق عليها اسم «الجور»، وفى كل منها مكان
معد لغناء المغنيات.
وامتاز عهد عبدالرحمن بالأمن والسكينة. وازدهار الصناعة والزراعة
والتجارة، وازدياد موارد الدولة التى بلغت نحو مليون دينار سنويا
مكنت الأمير من الإنفاق على الحملات العسكرية وإقامة المنشآت
العامة، كما أشرفت الحكومة المركزية على أعمال الحكام من خلال
ديوان المظالم المختص بالنظر فى شكاوى الناس من تصرفات بعض
رجال الحكومة.
[ ٧ / ٣١ ]
ونالت إقامة المبانى والمنشآت قسطًا عظيمًا من عناية «عبدالرحمن
الأوسط»، فبنى مسجد إشبيلية الجامع، وزاد فى المسجد الجامع
بقرطبة قدر بهوين كبيرين من ناحية القبلة، ونقل المحراب إلى الجزء
الجديد، وأقام أعمدة أخرى، وأقواسًا فوق الأعمدة الأصلية، فكانت
الأقواس المزدوجة التى يعدها المعماريون من روائع العمارة
الإسلامية، وكان صحن المسجد مكشوفًا يدور حوله سور، وتزرع فيه
أشجار النارنج، ولهذا سُمِّى بهو النارنج، وهو الآن صحن الكنيسة.
ولايزال مسجد قرطبة الجامع باقيًا حتى اليوم بكل عقوده الإسلامية
وأروقته ومحاريبه، وقد تحوَّل إلى كاتدرائية فى القرن السادس
عشر الميلادى، وأقام المسيحيون هياكلهم فى عقوده الجانبية،
وبنوا مصلى على شكل صليب فى وسطه، وأزالوا كثيرًا من قباب
المسجد وزخارفه الإسلامية، وجعلوا مكانها زخارف نصرانية، وعلى
الرغم من ذلك فإن آيات القرآن الكريم، والنقوش الإسلامية لاتزال تزين
محاريبه الفخمة وأبوابه.
تجديد الشعر الأندلسى:
بدأت طلائع الشعر الشعبى الأندلسى فى الظهور فى عهد
عبدالرحمن الأوسط، وهو شعر يصاغ بعامية الأندلس التى هى خليط
من العربية والبربرية وغيرهما مع الالتزام بأوزان بحور الشعر العربى
وبخاصة بحرا الرمل والرجز، وهو ما عرف باسم «الزجل» وقد وصل
هذا الفن إلى أوج رقيه بعد ذلك فى زمن ملوك الطوائف على يد ابن
قزمان وغيره.
وقد برز من الشعراء فى هذا العصر «ابن عبدربه»، صاحب العقد
الفريد، ومؤمن بن سعيد، والشاعر الضرير أبو بكر بن هذيل.
الأمير محمد بن عبدالرحمن الأوسط [٢٣٨ - ٢٧٣هـ = ٨٥٢ - ٨٨٦م]
رشَّحه أبوه لولاية العهد، لأنه رأى أنه أصلح من يتولى الملك، وإن
لم يكن أكبر أبنائه، وقد وصفه المؤرخون بالاتزان والذكاء والعقل
وهدوء الأعصاب.
تولى الأمير «محمد» الحكم فى (٤من ربيع الآخر ٢٣٨هـ = ٢٤ من
سبتمبر ٨٥٢م)، وقدر له أن يقضى فترة حكمه فى إخماد الثورات
[ ٧ / ٣٢ ]
ومواجهة أعداء دولته من النصارى، فخرج فى (المحرم سنة ٢٤٠هـ =
يونيو ٨٥٤م) على رأس جيشه إلى «طليطلة» لمواجهة الثائرين فيها
من المولدين والنصارى الذين استعانوا بملكى «ليون» ونبرة
«نافارة»، وقد سار الأمير ببعض قواته، وترك بقية جيشه متخفية
وراء تلال «وادى سليط»، فاغترت قوات طليطلة بقلة قوات الأمير
فخرجت لقتاله، وتظاهر الأمير بالهزيمة، وارتد إلى الخلف، وعندئذ
برزت بقية قوات المسلمين، وأطبقت على الثوار وحلفائهم من
النصارى ومزقتهم تمزيقًا، وقتل منهم ما بين أحد عشر إلى عشرين
ألفًا، بينهم كثير من القساوسة.
وعلى الرغم من ذلك فقد استمرت الفتنة فى طليطلة، وواصل
النصارى تحريضهم زاعمين أنهم يتعرضون لاضطهاد دينى
واجتماعى، فاضطر الأمير «محمد» إلى أن يخرج إلى «طليطلة» سنة
(٢٤٤هـ = ٨٥٨م) بعد أن أرسل حملتين قبل ذلك لم تنجحا فى إخماد
الفتنة، فحاصر المدينة، ولجأ إلى الحيلة فى تحقيق النصر، فهدم
قواعد القنطرة الكبيرة مع تركها قائمة، فلما احتشد الثائرون لقتاله
سقطت بهم القنطرة فى نهر تاجة وغرق منهم عدد كبير، ثم استخدم
كل إمكاناته فى سحق المدينة حتى استسلم أهلها وطلبوا الأمان
والصلح سنة (٢٤٥هـ = ٨٥٩م)، ثم حاكم الأمير كثيرًا من القساوسة
مشعلى الفتنة ونالوا جزاءهم، وخبت جذوة التعصب.
ويجدر بالذكر أن «طليطلة» تعد من أمنع مدن العصور الوسطى بسبب
موقعها على المنحدر الصخرى من نهر تاجة، وإحاطة النهر بهذا
المنحدر، ثم لما فيها من حصون قوية وأسوار عالية ضخمة.
ولم تكن «طليطلة» هى المدينة الثائرة وحدها، فقد قامت ثورات
أخرى فى شمال غربى الأندلس فى المناطق الجبلية هناك، وكانت
«ماردة» الواقعة فى النواحى الغربية المعروفة الآن باسم البرتغال
الموطن الرئيسى للمتمردين المولدين بزعامة «عبدالرحمن بن مروان
الجليقى» فخرج إليها الأمير محمد سنة (٢٥٤ هـ = ٨٦٨م)، وداهم
«ماردة» وهدم أسوارها وحصونها، فاضطر الثوار إلى طلب الأمان.
[ ٧ / ٣٣ ]
ثم تجددت الثورة بعد ذلك بأعوام فى «ماردة» و«بطليوس»،
واستولى الثوار على بعض القلاع وتحصنوا بها وكثرت جموعهم، ولم
تفلح حملات الأمير محمد فى إخماد الفتنة والقضاء على الثورة،
وانتهى الأمر بقبول شروط زعيم الثائرين عبدالرحمن الجليقى، بأن
يستقل بحكم بطليوس، ويعفى من الفروض والمغارم، وأن يكون من
حلفاء الإمارة.
ولم تشغل تلك الثورات المتتابعة الأمير محمد عن أمر الجهاد، فتتابعت
حملاته العسكرية إلى «ألبة» و«القلاع» وهزمت النصارى فى عدة
مواقع، كما اتجهت إلى «نبرة» سنة (٢٤٦هـ = ٨٦٠م)، وقامت
بتخريب بنبلونة وحصونها وقراها لمدة أسابيع أسر خلالها ابن ملك
«نبرة»، وكان ملك «نبرة» قد تحالف مع ملك «ليون» وقاما بمهاجمة
الأراضى الإسلامية.
وكان يمكن للأمير «محمد» أن يحقق نتائج أفضل فى جهاده مع
النصارى لولا كثرة الثائرين عليه، واتساع أراضى البلاد ووعورتها،
مع قلة العرب بالمقارنة إلى المستعربين والمولدين الذين كثرت
ثوراتهم وقوى ميلهم إلى الاستقلال.
وكان على الأمير «محمد» أن يواجه خطر النورمان الذين عادوا
للهجوم على الأندلس من جديد، فجاءوا بسفنهم إلى «جليقية» فى
(٦٢) سفينة عاثت فسادًا فى الشاطئ الغربى، لكن السفن الأندلسية
كانت متأهبة لها هذه المرة فطاردتها، فاتجهت نحو مدينة صغيرة
تسمى «باجة» تقع فى البرتغال اليوم، لكن المسلمين هزموهم هناك
واستولوا على بعض سفنهم، فاتجهت باقى السفن نحو الشواطئ
الجنوبية عند مصب الوادى الكبير، ثم انحدرت جنوبًا نحو مياه
الجزيرة الخضراء، وقد اتجهت وحدات الأسطول الإسلامى ناحية الغرب
وتمت تعبئة القوات وتجهيز السفن بالنفط والرماة، وحدثت معارك
برية وبحرية عند «شذونة» انتصر فيها المسلمون أولا، لكن السفن
النورمانية عادت وتغلبت ثم توجهت جهة الجزيرة الخضراء وأحرقوا
مسجدها الجامع وأفسدوا ونهبوا، ثم قصدت بعض سفنهم نحو عدوة
[ ٧ / ٣٤ ]
المغرب ونزلوا شاطئ الأندلس الجنوبى، وجرت هناك معارك برية
وبحرية استمرت أشهرًا، فقد النورمان فيها كثيرًا من سفنهم،
فاتجهوا نحو شواطئ أسبانيا الشرقية، وعبرت وحدات منهم نهر
«ابرو» إلى «نافار»، فى حين أغارت وحدات أخرى على الجزائر
الشرقية وشواطئ «بروفانس» ومن هناك عبروا مصب نهر «الرون»
عائدين إلى بلادهم.
وهكذا لم يسلم من تخريب هؤلاء؛ لا الأندلس الإسلامية ولا إسبانيا
النصرانية، ولكن غزوتهم هذه المرة لم تكن مفاجئة ولم يتمكنوا من
القيام بعمل كبير، ولم يكن تأثير عملياتهم واسعًا كما حدث فى المرة
الأولى، وعلى كل حال فتلك آخر محاولة قام بها النورمان ضد
الأندلس، وانتهى خطرهم نهائيا، فلم نعد نسمع بهم بعد سنة (٢٤٥هـ
= ٨٥٩م).
ثورة عمر بن حفصون:
وهو من أصل إسبانى قوطى، ظهر فى جبل «ببشتر» ضمن سلسلة
الجبال بين «رندة» و«مالقة» التى تعد مأوى العصاة والخارجين
على القانون.
وقد قامت ثورة ابن حفصون فى ولاية «رية» بمحافظة «مالقة» الآن،
وقد التف حوله جماعة من المفسدين ونزلوا جميعًا بجبل «ببشتر»
شمال شرقى «رندة».
ويرجع السبب المباشر للثورة إلى إصرار الحكومة المركزية على بسط
سلطانها الكامل على النواحى كافة. وعنف الوالى مع المواطنين
وإرهاقهم وتشدده فى جباية الأموال ومطالبتهم بالعشور المتأخرة،
كل ذلك دون أن ينال سكان هذه المناطق الجبلية شيئًا من عناية
الحكومة المركزية، مما شحنهم بالغضب وجعلهم مهيئين للثورة.
وقد بدأ هؤلاء تمردهم وعدم استجابتهم لواليهم عام (٢٦٥هـ= ٨٧٨م)،
واعتصموا فى جبالهم، وحاول الأمير «محمد» إخماد حركتهم بالقوة
فلم يصل إلى ما يريد، وفى العام التالى أرسلت صائفة إلى كورة
«رية» اشتدت فى التعامل مع الثائرين وبقيت مع ذلك حركة العصيان
وعمت الإقليم كله وانتشرت الفوضى هنا وهناك.
فى وسط هذه الظروف ظهر «عمر بن حفصون»، وناب عن الناس فى
[ ٧ / ٣٥ ]
تقديم مطالبهم للحكومة المركزية، لكنه لم يصل إلى شىء. وبدأ يُغِير
على أطراف الإقليم وينهب ويخرب؛ ثم يعود إلى الاعتصام بجبل «
ببشتر»، وقد سارع عامل «رية» إلى التوجه إليه لكنه تعرض للهزيمة
على يدى «ابن حفصون»، فساعد هذا على تقوية مركزه والتفاف
العصاة والمفسدين والأشرار حوله، وتولى على الإقليم عامل جديد،
اتجه إلى محاربة ابن حفصون الذى اعتصم بحصونه وانتهى الأمر
بهدنة بين الفريقين.
وقد رأى الأمير محمد ضرورة حسم ثورة ابن حفصون هذه فأرسل
إليه جيشًا كبيرًا على رأسه الوزير «هاشم بن عبدالعزيز»، الذى شدد
حصاره على «ابن حفصون»، حتى حمله ومن معه على التسليم
وحملهم جميعًا إلى قرطبة؛ حيث عفا الأمير «محمد» عن ذلك الثائر
وضمه إلى ضباطه لما لمسه فيه من شجاعة وفروسية.
اشترك «ابن حفصون» فى الحملات العسكرية التى قادها «المنذر بن
محمد» إلى الشمال، لكن الرجل كان بطبعه ميالا إلى التمرد والعمل
لحسابه الخاص؛ لذلك فرَّ هاربًا من جيش الإمارة، وعاد مرة أخرى
إلى الاعتصام بجبال «رية» وضم إليه كثيرًا من العصاة واستأنف
ثورته مرة أخرى سنة (٢٧١هـ = ٨٨٤م)، ونشر الرعب فى المنطقة.
وفى صيف (٢٧٣هـ = ٨٨٦م) قاد «المنذر بن محمد» جيشًا توجه إلى
«ابن حفصون» لمقاتلته، وبدأ بالزحف على مدينة «الحامة» شمالى
شرقى «مالقة» حيث يوجد واحد من حلفاء «ابن حفصون» وقد سار
الأخير لنجدة حليفه، وحاصرهما «المنذر» مدة شهرين ثم خرجا لمقاتلة
جند الإمارة عندما أوشكت أقواتهما على النفاد، وبعد معركة عنيفة
هزم الثوار، وارتد «ابن حفصون» إلى «الحامة» واعتصم بها، وبينما
«المنذر» يحاصره ويشتد عليه تلقى نبأ وفاة والده فترك «الحامة»،
وعاد إلى قرطبة فى (٢٩ صفر ٢٧٣هـ =٢٦ أغسطس ٨٨٦م)، وبذلك
تنفس «ابن حفصون» الصعداء، واستأنف غاراته وفساده ونشر
سلطانه على «رية» و«رندة» و«أستجة» وغيرها.
سياسة الأمير محمد:
[ ٧ / ٣٦ ]
عُنى الأمير محمد بالجيش بسبب الظروف التى عاشتها الإمارة فى
زمنه، وكان حريصًا على فرض أعداد من الفرسان على كل ناحية
أندلسية تحشد دائمًا للصوائف، وهؤلاء كانوا يسمون «الفرسان
المستقرين» يضاف إليهم حشود المستنفرة والمتطوعة، مما يدل على
ضخامة الجيش الذى كانت الإمارة تستطيع تعبئته.
كما عنى بالأسطول لحماية الشواطئ الغربية من ناحية، وغزو مملكة
«جليقية» من ناحية أخرى، واهتم بتحصين أطراف الثغور، وأقام
قلاعًا منيعة؛ لحماية مدينة «سالم» و«طليطلة»، وبنى حصونًا فى
«طلمنكة» و«مجريط» بمنطقة وادى الحجارة.
أما من ناحية سياسته الخارجية فقد جمعته مع أمراء المغرب
المعاصرين علاقة صداقة متينة خاصة «بنى رستم» فى «تيهرت»
و«بنى مدرار» فى «سجلماسة»، وكان يشاورهم فى أموره ويهتم
بأخبارهم ويستنصحهم، وتتردد الكتب والرسل بينه وبين هذه الدول
بهدف متابعة أخبار «بنى العباس» وأعمالهم فى إفريقية وبلاد
الشام. كذلك قامت علاقة صداقة بين الأمير «محمد» وملك «فرنسا»
وتبادلا الرسائل والهدايا.
أما من الناحية المالية فقد خفَّف الضرائب على المواطنين رغم حاجته
إلى المال للإنفاق على الجهاد والقضاء على الثورات المستمرة،
وكان يكتفى من أهل «قرطبة» بجهادهم ولايكلفهم أعباء مالية،
وكان الأمير «محمد» بارعًا فى مراجعة الحسابات وموازنة الدخل
والخرج، وقد ساعده هذا الضبط للأمور المالية على مواجهة بعض
المحن الطبيعية التى تعرضت لها الإمارة فى زمنه.
النظام الإدارى ومظاهر الحضارة:
فقد الصقالبة والجوارى كثيرًا من نفوذهم فى القصر أيام الأمير
«محمد» واستمر النظام الإدارى سائدًا كما كان أيام أبيه وتولى
مناصب الوزارة الرجال أنفسهم، ونظمت أعمال الوزراء وتحددت
اختصاصاتهم حتى أصبحت قريبة من اختصاص الوزراء فى أيامنا
هذه؛ حيث اختص كل واحد منهم بفرع من فروع الإدارة، وقدم وزراء
أهل الشام على غيرهم، وقد تولى الحجابة للأمير «محمد» «عيسى
[ ٧ / ٣٧ ]
بن شهيد» وهو الذى تولى الحجابة لوالده ورشحه عنده لولاية العهد،
واجتمعت السلطات فى أيدى أسرتى بنى «شهيد» وبنى «أبى
عبدة» - من أعظم الأسر القرطبية آنئذ - ثم آل منصب الحجابة إلى
«هاشم بن عبدالعزيز» من أسرة مولَّدة، وكان وزيرًا أيام
«عبدالرحمن الأوسط» وأصبح من أكثر الوزراء حظوة عند الأمير
«محمد»، وهو من أشهر رجالات الحرب والسياسة. وكان مع ذلك من
الأدباء والشعراء المطبوعين.
ومن وزراء الأمير «محمد» «تمام بن عامر الثقفى» الشاعر المؤرخ
صاحب «أرجوزة» فى فتح «الأندلس» وأشهر لاعب شطرنج فى
زمنه، و«سليمان بن وانسوس» من أصل بربرى، وكان أديبًا تولى
خطة السوق والحسبة، ومنهم الكاتب البليغ «عبدالملك بن عبدالله ابن
أميتة».
وقوى نفوذ الفقهاء فى بلاط الأمير «محمد»، وكان لهم دور فى
توجيه سياسته مع النصارى، وكان متسامحًا معهم كما كان يفعل
أبوه، وقد أبقى عددًا منهم فى مناصبهم.
وقد عُرف الأمير «محمد» بالحلم والأناة ومودة آل بيته، كما كان
أديبًا ذواقة، يجتمع حوله أكابر الناس والعلماء والشعراء من أمثال:
«عباس بن فرناس» و«ابن عبدربه» و«ابن حبيب»، ومن أمثال: «بقى
بن مخلد» أعظم فقهاء الأندلس فى زمنه.
وعلى الرغم من أن أحداث فترة حكم الأمير «محمد» لم تتح له فرصة
كبيرة للقيام بأعمال إنشائية، فإنه أولى للمسجد الجامع فى قرطبة
اهتمامًا كبيرًا، فأتم الزيادة التى بدأها أبوه فى وسط الجامع وأقام
فيه المقصورة، وكان أول من اتخذها، وأصلح القسم القديم الذى
بناه جده «الداخل» وجدده، كما أصلح جوامع «استجة» و«شذونة»
وغيرها .. وأضاف زيادات لقصر الإمارة، وجدد «منية الرصافة»
واستجلب لها الأشجار النادرة واتخذها متنزهًا، وأنشأ منية خاصة
جنوب غربى قرطبة أسماها «منية كنتش» جعلها متنزهًا له كذلك.
الأمير المنذر بن محمد [٢٧٣ - ٢٧٥هـ = ٨٨٦ - ٨٨٨م].
كان «المنذر» ولى عهد أبيه ومحل ثقته، وفارسًا شجاعًا، وقائدًا
[ ٧ / ٣٨ ]
متميزًا اعتمد عليه أبوه كثيرًا فى مواجهة المشاكل ومحاربة العصاة
وقيادة الحملات.
وفى أول ولاية «المنذر» عادت «طليطلة» إلى الثورة كعادتها،
وانضم إلى أهلها كثير من البربر، فأرسل الأمير حملة قضت على
الثورة وقتلت الألوف، وفى العام نفسه قام حاكم الثغر الأعلى بغزو
«ألبة والقلاع» ودخل فى حرب ضد النصارى وهزمهم، لكن أعظم
ماكان يشغل «المنذر» هو القضاء على «ابن حفصون»، بعد أن
استفحل خطره وانتشر سلطانه فى نواحٍ كثيرة وانضم إليه
المغامرون والثائرون والعصاة فى كل الأندلس.
وكان «ابن حفصون» صاحب دعوة سياسية تبغض العرب والبربر معًا،
وعنده نزعة إلى الاستقلال والتحرر؛ لأن العرب حملوا الناس فوق
طاقتهم وزادوهم رهقًا وهو إنما قام ليثأر لهم، وقد لقيت دعوته
استجابة لدى سكان المناطق الجبلية خاصة، وكان الرجل متواضعًا
يكرم الشجعان، فساعد ذلك على التفافهم حوله.
وقد أرسل «المنذر» بعض قواته، فاستردت قسمًا من الحصون التى
كان «ابن حفصون» قد سيطر عليها، وفى ربيع (٢٧٤هـ = ٨٨٧م)
خرج «المنذر» بنفسه مصممًا على القضاء على «ابن حفصون»
واجتثاث ثورته من جذورها، وقد نجح فى فتح بعض الحصون، وأسر
بعض أعوان ذلك الثائر، وبعث بهم إلى قرطبة حيث صلبوا، بينما بقى
«ابن حفصون» ممتنعًا بجبال «ببشتر».
ولما شدد «المنذر» حصاره وقطع كل علاقات «ابن حفصون»
بالخارج، لجأ «ابن حفصون» إلى الحيلة والخديعة وطلب الصلح على
أن يسير ومعه أهله وولده إلى «قرطبة» فوافق الأمير وبعث إليه فى
قلاعه بكل ما طلبه من الأدوات ووسائل النقل، وتم رفع الحصار،
وعاد الأمير بجيشه إلى قرطبة.
ولما لم يكن «ابن حفصون» وفيا؛ فقد هرب فى جنح الظلام وامتنع
مرة أخرى بجبال «ببشتر» مستفيدًا بما حصل عليه من زادٍ وأقوات
وإمدادات، فاشتد غضب الأمير ورجع لمحاصرته، وأصر على عدم
العودة إلى «قرطبة» إلا بعد القبض على «ابن حفصون» حيا أو ميتًا،
[ ٧ / ٣٩ ]
ودام الحصار ثلاثة وأربعين يومًا بعدها مرض «المنذر»، وطلب من
أخيه «عبدالله» أن يحضر؛ لينوب عنه فى متابعة الحصار، ثم مات
تحت أسوار «ببشتر» بعد حكم لم يستمر أكثر من عامين وكان موته
فى (صفر ٢٧٥هـ = يونيو ٨٨٨م)، وتم رفع الحصار، وعاد الجيش إلى
«قرطبة»، ومرة أخرى يتنفس «ابن حفصون» الصعداء.
الأمير عبدالله بن محمد [٢٧٥ - ٣٠٠هـ = ٨٨٨ - ٩١٢م].
ما كاد الأمير «عبدالله» يتولَّى الحكم حتى قامت الثورات ضده فى
المناطق الجبلية، بل تجاوزت ذلك إلى المدن والقواعد الكبرى، ولم
تعد تقتصر على القادة من المولدين بل تجاوزتهم إلى العرب أنفسهم،
وبرز العنصر البربرى واعتصم كثير من زعمائه فى الحصون النائية،
وتنوعت المعارك وتعددت بين العرب والمولدين وبين العرب والبربر،
وبين العرب أنفسهم بعضهم ضد بعض، وأعلن بعض زعماء العرب
استقلالهم فى «جيان» «البيرة» و«لورقة» و«مدينة سالم»، وغيرها.
واستقل زعماء البربر فى «الثغر الأعلى» و«بطليوس» و«مرسية»
وبعض مناطق «جيان» وغيرها، وأضحت «إشبيلية» مسرحًا لقتال
مرير بين العرب والبربر، ونشر «ابن حفصون» سلطانه فى أغلب
النواحى الجنوبية القريبة، ولم يبق لحكومة «قرطبة» إلا العاصمة
وضواحيها تمارس فيها سلطاتها وتخضع لسيطرتها.
وكان على الأمير «عبدالله» أن يواجه ذلك كله، ورأى أن أخطر ما
يواجهه هو ثورة «ابن حفصون»، وفى الوقت نفسه رأى «ابن
حفصون» أنه فى حاجة إلى فترة هدنة وسلام يستغلها فى
الاستعداد وتنظيم أموره، لذلك بعث يطلب الصلح مع الأمير، على أن
يستقر فى «ببشتر»، ويكون تابعًا للإمارة الأموية، فوافقه عبدالله
وأكرم رسله، وبعث أميرًا من عنده يشاركه فى حكم الإقليم، ولكن
لم تمض شهور حتى نكث بعهده، وطرد الأمير المشارك، وعاد يفسد
ويخرِّب ويغير على البلاد المجاورة.
سار الأمير بنفسه عام (٢٧٦هـ= ٨٨٩م) ووصل إلى منطقة «ببشتر»،
واجتاحها إفسادًا وتدميرًا، لكنه لم يصل إلى نتيجة وبقى اضطرام
[ ٧ / ٤٠ ]
الثورة فى الجنوب.
وواصل «ابن حفصون» غاراته فى اتجاه الشمال حتى وصل إلى
ضواحى «قرطبة» بل حاول إحراق مخيم الأمير نفسه فى ضاحية
«شقندة» القريبة من العاصمة، وأصر الأمير على الخروج إليه وحشد
كل مااستطاع حشده من قوات، وذهب فى اتجاه حصن فى الجنوب
الشرقى من قرطبة يُسمى «حصن بلاى» كان «ابن حفصون» قد حشد
فيه قواته، والتقى الفريقان على فرع من فروع نهر الوادى الكبير
قريب من الحصن الذى يعتصم به «ابن حفصون»، ونجح فرسان
الأندلس فى إلحاق هزيمة بالجناح الأيمن لابن حفصون ومزقوا قواته؛
فركب الرعب قلوب بقية الثائرين، وفروا هاربين والخيل تتبعهم،
وقُتِل كثير منهم وفرَّ «ابن حفصون» إلى الجبال الجنوبية بمن معه
واستولى الأمير «عبدالله» على حصنه، ورغم أن ابن حفصون قد
أُصيب فى المعركة فإن الأمير آثر ألا يطارده، واتجه غربًا نحو
«أستجة» التى كانت تناصره، وحاصرها حتى استسلمت ثم سار إلى
«ببشتر» فلم يخرج زعيم الثوار لمواجهته وجبن عن لقائه، وأثناء
ارتداد جيش الأندلس راجعًا اشتبك ابن حفصون مع مؤخرته لكنه هزم
فى ربيع عام (٢٧٨هـ = ٨٩١م).
وعلى الرغم من أن ثورة «ابن حفصون» لم تنته تمامًا فإنها قد وهنت
وأصبح الطريق ممهدًا للقضاء عليها.
وقد شهدت المناطق الجنوبية شرقى الأندلس ثورة القبائل العربية،
فقد رأت أن حكومة قرطبة تؤثر الموالى، وأن فى ذلك مهانة لها؛
فاستغلت اشتعال فتنة المولدين فى الجنوب والثغر الأعلى فقامت
بثورتها فى الجنوب متخذة من كورة البيرة «غرناطة» مركزًا لها،
وتزعم الثورة «يحيى بن صقالة القيسى» عام (٢٧٥هـ = ٨٨٨م)،
والتف العرب حوله وقام بمطاردة المولدين والنصارى، ولكنه قتل فى
موقعة معهم فخلفه «سوار بن حمدون القيسى»، وكان شجاعًا
ناصره قومه، ولذلك نجح فى انتزاع معظم حصون النصارى
والمولدين، ووصل نفوذه إلى قلعة رباح، ومنها زحف إلى البيرة،
حيث دارت معركة تسمى «معركة المدينة» بينه وبين جند الإمارة،
[ ٧ / ٤١ ]
انهزم فيها والى البيرة ووقع فى الأسر، وقتل كثير من رجاله، ثم
أطلق سراحه؛ فانضم إلى «ابن حفصون» وتحالف معه.
أما «سوار» فقد قوى أمره وتضاعف مؤيدوه، وتوجه نحو غرناطة
حيث دارت معارك بينه وبين المولدين، وتمكن من هزيمة «ابن
حفصون»، ولكن خصوم «سوار» دبروا له من قتله فى كمين فلم تدم
رئاسته للعرب إلا نحو عام، وخلفه سعيد بن سليمان بن جودى
السعدى زعيم هوازن، وكان معروفًا أيضًا بالفروسية والخطابة
والشعر، ونجح بفضل التفاف القبائل حوله من إلحاق الهزيمة بابن
حفصون مرارًا، ورأى الأمير «عبدالله» أن العرب يسيطرون على
البيرة فعين سعيدًا واليًا عليها وبقى بها عدة أعوام ثم انتهى أمره
مقتولًا.
وآلت رئاسة العرب لمحمد بن أضحى الهمذانى صاحب حصن الحامة
(الحمة)، وأقر الأمير اختياره، وتجددت المعارك بينه وبين «ابن
حفصون» ولم تسفر عن نتيجة حاسمة، واستمر «محمد» رئيسًا على
المنطقة حتى تمكن «عبدالرحمن الناصر» فيما بعد من الاستيلاء على
حصن الحامة وغيره من المناطق الثائرة.
وقد اتسع نطاق الثورة بين المولدين والعرب فثار فى «بطليوس»
وغربى الأندلس عدد من زعماء المولدين، وقامت ثورات أخرى فى
عدد من المواقع شرقى الأندلس، واستمر بعض الزعماء على تمردهم
واستقلالهم حتى عهد الناصر.
أما إشبيلية فكانت مسرحًا لفتنة طال أمدها، ويرجع ذلك إلى طبيعة
سكانها الذين كانوا مزيجًا من العرب والمولدين والنصارى، وكان
سكانها العرب من أصحاب الثروات والنفوذ وقد جرى لها ما جرى
لغيرها، فظهر فيها ثائرون متطلعون للزعامة من أمثال بنى عبدة،
وبنى حجاج، وبنى خلدون، وإلى جانب هؤلاء وجد بعض المولدين
الأغنياء وكان التنافس بينهم وبين العرب شديدًا أدى ذلك إلى
فوضى واضطراب فى المجتمع.
ولم تشغل الثورات فى «إشبيلية» و«باجة» و«البيرة» و«تدمير»
وغيرها حكومة قرطبة عن العمل للقضاء على المولدين وزعيمهم
«عمر بن حفصون» فى الجنوب، ولم يمض عامان على هزيمته فى
[ ٧ / ٤٢ ]
«بلاى» حتى أعاد تنظيم قواته، فأخذت الإمارة توالى إرسال
الحملات عليه فسار إليه «المطرف ابن الأمير عبدالله» فى سنة
(٢٨١هـ= ٨٩٤م) وحاصره فى «ببشتر» وخرج الثائر للقتال، فانهزمت
قواته، وقتل أشجع قواده.
وما إن عاد جيش الأمير إلى قرطبة حتى جمع ابن حفصون مجموعة
وتوجه نحو «أستجه» فى الجنوب الغربى من العاصمة، واستولى
عليها ثانية عام (٢٨٤هـ= ٨٩٧م) فتوجه المطرف لقتاله فى العام التالى
واخترق الجزيرة الخضراء، وقام بالهجوم على بعض الحصون ووصل
إلى «ببشتر»، وقامت بعض المعارك التى لم تسفر عن شىء.
وفى عام (٢٨٦هـ = ٨٩٩م) أعلن «ابن حفصون» اعتناقه النصرانية
وتسمى باسم «صمويل»، وكان هذا بداية نهايته، فقد تخلى عنه
بعض جنده وقواده وظلوا معتصمين فى حصونهم، وأرسلوا يعلنون
ولاءهم للأمير عبدالله واستعدادهم للجهاد معه ضد «ابن حفصون»،
وحاول «ابن حفصون» من جانبه تقوية مركزه فعقد تحالفًا مع ملك
ليون، وبعض أمراء غربى الأندلس.
وعادت الحرب من جديد بين «ابن حفصون» يعاونه أمير «إشبيلية»
وبين جند الإمارة، وكان اللقاء الأول عند «استجة» وانتهى بهزيمة
«ابن حفصون» هزيمة منكرة عام (٢٨٩هـ = ٩٠٢م)، وتخلى عنه حليفه
«إبراهيم بن حجاج» وعاد إلى طاعة الأمير، وتوالت حملات الأمير بعد
ذلك ووصل إلى حصون «ابن حفصون» ومعقله فى «ببشتر»
وطاردته، وقد حطمت قوى هذا الثائر وأنهكته وأضعفت قواه إلا
أنها لم تصل إلى القضاء عليه تمامًا.
ويجدر بالذكر أن سلطة الأمير الأندلسى لم تنكمش كما انكمشت فى
عهد الأمير «عبدالله»، فلم تتجاوز سيطرته أحيانًا قرطبة وضواحيها
وقضى خمسة وعشرين عامًا هى مدة حكمه فى كفاح وصراع
دائمين بهدف حماية الدولة والحكم الأموى من الانهيار، وقد نجحت
جهوده فى تفرقة الثوار والسيطرة على بعض القواعد والحصون
المهمة، وفى استمالة بعض الزعماء من ذوى النفوذ، وكان ذلك
معاونًا للأمير عبدالرحمن الناصر فيما تحقق من نتائج فيما بعض.
[ ٧ / ٤٣ ]
ولاينبغى هنا نسيان الجهد الذى قام به بعض القادة العسكريين
الموهوبين فى تحقيق النجاح للأمير «عبدالله» ويأتى على رأس
هؤلاء «بنو عبدة» موالى «بنى أمية» ومنهم: «أبو العباس أحمد بن
أبى عبدة» الذى قضى من عمره ثلاثين سنة يجاهد فى سبيل وحدة
الأندلس، وكذلك ابن أخيه «عبيدالله محمد بن أبى عبدة» الذى حقق
انتصارًا رائعًا على «ابن حفصون» فى حصن «بلاى»، والقائد «جعد
بن عبدالغافر» الذى أسهم كثيرًا فى إضعاف قوى «ابن حفصون»،
وكذلك الزعيم البربرى «سليمان بن دانوس».
ومن الطبيعى فى ظل هذه الفتن الدائمة ألا يتمكن الأمير «عبدالله»
من القيام بغارات ضد النصارى بسبب انشغاله بمحاربة الثائرين
والمتمردين، ولم يقم النصارى من جانبهم بأية محاولة ضد الأراضى
الإسلامية غير أن ملك ليون (جليقية) حاول إشعال الفتنة بين المسلمين
وتشجيع الثوار وعلى رأسهم «ابن حفصون» على العمل ضد حكومة
قرطبة.
ومن الحوادث البارزة فى زمن الأمير «عبدالله» فتح جزر «البليار» أو
الجزائر الشرقية، ومن المعروف أن «عبدالرحمن الأوسط» كان قد
أرسل حملة إلى «ميورقة» فلما كانت سنة (٢٩٠هـ = ٩٠٣م) سارت
إليها قوة بحرية من المجاهدين يقودها «عصام الخولانى»، وقامت
بمحاصرتها حتى تم فتحها، وتولى القائد إمارتها، ومنذ ذلك الحين
وهى جزء من الدولة الإسلامية.
وكان من الطبيعى أيضًا ألا يتسع عهد الأمير «عبدالله» للأمور
الإنشائية ولايذكر له فى هذا المجال إلا «الساباط» الموصل بين القصر
والمسجد الجامع وهو ممر مسقوف مبنى فوق عقد كبير يفضى من
القصر إلى الجامع ويتصل به قريبًا من المحراب.
كان الأمير «عبدالله» عالمًا أديبًا شاعرًا فصيحًا يتصف بالتواضع
والجود والبر بالفقراء، حريصًا على رفع الظلم والتخفيف من معاناة
الشعب، وقد خصص يومًا من كل أسبوع للفقراء، كما أقام بابًا
حديديا أسماه «باب العدل» تقدم عنده الشكاوى والتظلمات، وكان
[ ٧ / ٤٤ ]
صارمًا عنيفًا مع الطغاة، فشاع العدل فى زمنه، وقد آثر الاحتشام
والتقشف فى حياته الخاصة.
وقد تولى الحجابة له «عبد الرحمن بن أمية بن شهيد»، ثم «سعيد بن
محمد بن السليم» ثم عزله ولم يولِّ أحدًا، واكتفى بالوزراء والكتاب،
وبرز من بينهم بدر الخصى الصقلبى. وقد اعتمد - بالإضافة إلى العرب
والبربر - على الموالى والفتيان، وقدَّم الموالى الشاميين على
البلدانيين كما فعل أبوه.
وقد جرى حادث مؤسف داخل الأسرة الأموية يتمثل فى قتل الأمير
«عبد الله» لولده «محمد» لاتهامه بالتواطؤ مع الثوار لكنه ندم على
ذلك، وتحول ندمه، إلى عطفٍ وبر بطفل للقتيل لم يكن قد تجاوز
عمره أسابيع ثلاثة عند مقتل أبيه فعنى بتربيته وتعليمه وجعله
موضع سره، وشاء الله أن يتولى هذا الطفل أمر الأندلس بعد جده
ويصبح أعظم حكامها على الإطلاق.
وللأمير أشعار جيدة خاصة فى الغزل والزهد، وكان يقرب الشعراء
ويؤثر مجالسهم ومجالس العلماء، ويأتى على رأس شعرائه «ابن
عبدربه» وغيره، و«بقى ابن مخلد» على رأس الفقهاء وأصحاب
الرأى الذين كان الأمير عبد الله يستشيرهم ويستأنس برأيهم.
وقد توفى الأمير «عبد الله» فى (أول ربيع الأول سنة ٣٠٠هـ =
٩١٢م).
عبد الرحمن الناصر (العصر الذهبى لبنى أمية فى الأندلس
[٣٠٠ - ٣٥٠ هـ = ٩١٢ - ٩٦١ م].
بدأ «عبد الرحمن» حكمه فى (ربيع الأول سنة ٣٠٠هـ = أكتوبر ٩١٢م)
بعد أن بايعه الجميع بنفس راضية فى المجلس الكامل بقصر قرطبة مع
وجود كثير من أعمامه، لكن «عبد الرحمن» اكتسب محبة الناس بحسن
أخلاقه وتوسطه بين الأمراء وأهل الدولة وبين جده فنال محبتهم
وولاءهم، وكان عليه أن ينهض بمهمة ثقيلة، فقد تعرضت الإمارة
للثورات من كل ناحية حتى أصبحت لايحسد عليها صاحبها، ولعل هذا
أحد الأسباب التى جعلت أعمام «عبد الرحمن» ينصرفون عن
منافسته، لشعورهم بعظم المسئولية التى تنتظر من يتولى الإمارة.
وقد أثبت هذا الشاب أنه يمكن إعادة بناء دولة ضعف بنيانها بالخلق
[ ٧ / ٤٥ ]
المتين وحسن التدبير غير أنه لا ينبغى نسيان فضل الأمير «عبدالله»،
فلولا إصراره على تحطيم قوى الثائرين - خاصة «ابن حفصون» -
ولولا تدبيره شئون الدولة بالقليل من المال، ما استطاع «عبدالرحمن»
أن يوحد البلاد وينهض بها، وكذلك لا ينبغى نسيان فضل البيوت
العربية التى وقفت إلى جانب الإمارة تعاونها وتشترك معها فى
مواجهة المشاكل بأنواعها كافة.
عبدالرحمن والأوضاع الداخلية:
أدرك عبدالرحمن أنه لابد من مواجهة الكفاح ضده وعدم تمكينه من
تحقيق هدفه، فبدأ بإرسال جيش بعد أسابيع قليلة من ولايته إلى
قلعة «رباح» شمالى قرطبة لمواجهة ثائر من زعماء البربر يدعى
«الفتح بن موسى بن ذى النون» وتمكن من هزيمته، كما هزمت
الحملة نفسها بعض المتحالفين معه، وكان لهذا الانتصار فى مطلع
ولاية «عبدالرحمن» أثره فى إرهاب الثائرين.
ثم أرسل «عبدالرحمن» جيشًا فى (جمادى الأولى سنة ٣٠٠هـ =
ديسمبر ٩١٢م) أعاد مدينة «أستجة» التى كان «ابن حفصون» قد
ضمها إليه، وقام القائد بهدم أسوارها وهدم قنطرتها، وانقطع رجاء
أهلها فى القيام بثورة، بعد ذلك جهز «عبدالرحمن» جيشًا ضخمًا
أنفق زمانًا طويلا فى إعداده واختار فرسانه بنفسه وزوده بكل ما
يحتاج إليه، وخرج على رأسه فى (شعبان سنة ٣٠٠هـ = مارس
٩١٣م)، واتجه أولا إلى الجنوب الشرقى حيث انضم إليه أحد
المخلصين للإمارة، ثم مضى فى طريق «جيان»، وأرسل بعض قواته
إلى مالقة، وأمَّنها، وهناك عسكر فى قلب المنطقة التى ظن «ابن
حفصون» أنها معقله، وهنا رغب عدد من الثائرين فى الاستسلام
فمنحهم «عبدالرحمن» الأمان، ثم استولى على وادى أسن، وحصن
المنتلون، وأسر عددًا من حلفاء «ابن حفصون» فى ولاية «غرناطة»
واستولى على كل ما كان بيده فى ولاية «جيان»، ثم واصل سيره
حتى وصل إلى ساحل البحر، ومازال عبدالرحمن يجول فى تلك
الأنحاء ويستولى على حصونها المهمة واحدًا تلو الآخر حتى قضى
[ ٧ / ٤٦ ]
على عناصر الثورة بها وبلغ عدد هذه الحصون نحو سبعين حصنًا، ثم
عاد إلى قرطبة أيام عيد الأضحى بعد غياب دام نحو ثلاثة أشهر.
ثم أرسل الأمير حملة حاصرت «إشبيلية» وهدمت أسوارها سنة
(٣٠١هـ = ٩١٣م) وانتهت بذلك ثورة العرب والمولدين فى هذه القاعدة
المهمة التى كان «ابن حفصون» يتعاون مع الثائرين بها، ورأى
الأمير أنه إذا حرمه من هؤلاء الحلفاء، فإنه سيستسلم من تلقاء
نفسه.
وفى (شوال من عام ٣٠١هـ = مايو ٩١٤م)، سار «عبدالرحمن» إلى
جبال «رنده» التى بها المعقل الرئيسى لابن حفصون - وكان قد بسط
نفوذه عليها ثانية - واستولى الأمير على عدد من الحصون فى
الطريق؛ حيث بدأ بمحاصرة قلعة «طرش» - شرقى مالقة - ثم سار إلى
حصون «رية» يفتحها الواحد وراء الآخر، والتقت قواته مع «ابن
حفصون» وتعرض الثائر وحلفاؤه لهزيمة مريرة اضطر إلى الارتداد
ناحية الغرب، واستولى «عبدالرحمن» على سفن كانت تحمل له زادًا
قادمًا من بلاد المغرب ثم توجه إلى الجزيرة الخضراء واقتحم
حصونها، ثم سار منها إلى «شذونة» ثم «قرمونة» ورجع بعد ذلك
إلى «قرطبة» بعد أن ضيق الخناق على «ابن حفصون».
وقد ظن «ابن حفصون» أنه إذا ارتد إلى النصرانية، فإن ذلك يكسبه
ولاء طائفة المستعربين فى الأندلس، لكن هذا الارتداد أضره فانصرف
عنه كثير من المسلمين والنصارى، بل إن أبناءه أنفسهم - باستثناء
ولد له وبنت - لم يوافقوا على التنصر، واضطر ابن حفصون إلى أن
يبعث برسالة إلى «عبدالرحمن الناصر» يطلب الصلح والأمان وقد
وافق الناصر على الفكرة مع الحذر من مكر الثائر وغدره، واتصل
بأكابر أعوانه ومنحهم الأمان، وتمت كتابة شروط الصلح، وبمقتضاها
دخل مائة واثنان وستون حصنًا فى طاعة الناصر، وقد سُرَّ كلا
الطرفين بهذا الصلح، وتلقى الناصر هدية قيمة من ابن حفصون بهذه
المناسبة وكافأه عنها بأضعافها.
وفى شهر (ربيع الأول سنة ٣٠٦هـ = أغسطس ٩١٨م) مات «عمر بن
[ ٧ / ٤٧ ]
حفصون» عن عمر يناهز اثنين وسبعين عامًا بعد أن قاد أكبر ثورة
قام بها المولدون ضد الإدارة الأموية فى غرب الأندلس كله، وتنفست
الحكومة الأموية بوفاته الصعداء بعد أن كان شاغلها الشاغل طوال
ثلاثين عامًا.
وقد سار «عبدالرحمن» بنفسه إلى مواطن ثورة «ابن حفصون»
وقضى على جيوب المقاومة بها وطهرها من آثاره، وصلى فى
مسجدها الجامع واستولى على كل معاقلها وحصونها، وأعدم ابنة
لابن حفصون لإصرارها على الارتداد إلى النصرانية، وانتهى بذلك أمر
تلك الثورة العنيدة تمامًا.
وقد بالغت المصادر الأوربية فى تصوير «عمر بن حفصون»، وقدمته
على أنه بطل قومى رمى إلى غاية نبيلة، وهى تحرير وطنه من نير
المتغلبين عليه ورده إلى ديانته النصرانية.
والحقيقة أن الرجل لم يكن أكثر من قاطع طريق وثائر عنيف ولم تكن
تدفعه أغراض قومية أو نبيلة، ولم تحمسه الشهامة أو العزة القومية،
بل إن كل ما قام به يتعارض مع الشرف والمروءة والشهامة.
أنفق عبدالرحمن الناصر بعد ذلك أربع سنوات فى القضاء على
حركات الثوار فى غربى الأندلس وجنوبها ولم يغفل لحظة عن مطاردة
العصاة، فحاصر «طليطلة» التى كانت معقلا للثوار مدة عامين حين
قام بالخروج فيها أحد زعماء المولدين حتى يئست واستسلمت وخرج
بنفسه فى أواخر (٣١٧هـ = ٩٢٩م) متوجهًا ناحية الغرب وأنذر العصاة
وحاصر «بطليوس» وغيرها ومنع عنها كل مورد وضربها بشدة حتى
اضطرت إلى التسليم، وفعل الشىء نفسه فى «باجة» وفى
«أكشونة» قرب ساحل المحيط التى أتى الثائر بها معتذرًا فقبل
«الناصر» عذره.
وكما طارد الناصر العصاة فى الغرب طاردهم أيضًا فى شرق البلاد،
فبعث وزيره «ابن بسيل» لمقاتلة بنى ذى النون، فقصد معقلهم
«شنت بريه» واقتحمه وقتل رجاله ولم يتركه إلا بعد أن خضع له،
وفى سنة (٣١٧هـ = ٩٢٩م) افتتحت مدينة «شاطبة» بعد أن ترددت
عليها الحملات العسكرية لمدة خمسة أعوام، وبذلك أخمدت كل
[ ٧ / ٤٨ ]
الثورات فى أنحاء الأندلس كافة بعد أن بقيت نحو نصف قرن تستنفد
موارد البلاد وتمنعها من الجهاد ضد عدوها المتربص بها فى إسبانيا
النصرانية.
علاقة الناصر مع ملوك قشتالة وبنبلونة:
تعرضت الحدود الشمالية لقرطبة لأخطار جسيمة قبل أن يتولى
«عبدالرحمن الناصر»، وفى الأيام الأولى للناصر تمكن «ألفونسو
الثالث» ملك «اشتورياس» من الاستيلاء على حصون «قلمرية» - فى
البرتغال حاليا - كما سيطر على حصون ليون واشترقة وأماية
وسمورة منتهزًا فرصة انشغال الأمير فى المشاكل والثورات الداخلية،
وقام بتسكين أعداد كبيرة من نصارى الأندلس المستعربين الذين
هاجروا إلى الشمال واستقروا فى الممالك النصرانية، وعقب موت
«ألفونسو» الكبير هذا استولى خليفته على حصن «أرماج» -الذى
سيكون له شأن فى الصراع بين الإسلام والنصرانية زمن الناصر-
ومعنى ذلك أن مملكة «اشتورياس» توسعت وتضاعفت مساحتها
وأصبحت تسمى مملكة ليون فى الأيام الأولى لحكم الناصر، بل تجرأ
بعض قواد النصارى ووصلوا إلى ضفاف نهر «الدويرو».
وقد انتهز أمراء بنبلونة - عاصمة نبرة - وغيرها من الإمارات
النصرانية الصغيرة الواقعة جنوبى جبال «البرت» الفرصة، وتمكنوا
بمعاونة أصحاب الثغر الأعلى الأندلسى من تهديد المعاقل الإسلامية
فى «تطيلة» وغيرها، ونجح ملك قشتالة الجديد فى مد حدود دولته
لتشمل أراضى قشتالة الجديدة، التى كانت أراضى إسلامية بها عدد
قليل من المسلمين فى ذلك الوقت، كذلك أمكن لإمارة «قطالونية»
التى تمكن ملوك الإفرنجة من إنشائها فى عهد «عبدالرحمن
الداخل»، أن تتوسع أيضًا على حساب أراضى المسلمين.
وهكذا كان على عبدالرحمن الناصر عند توليه أن يواجه موقفًا بالغ
الخطورة على حدوده الشمالية من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى
ساحل المحيط الأطلسى.
راميرو الثانى ملك ليون:
تولى «راميرو الثانى» الحكم فى «ليون» فى السنة نفسها التى
[ ٧ / ٤٩ ]
تولى فيها «الناصر»، وكان «راميرو الثانى» ملكًا طموحًا دائب
الحركة، ولهذا بدأ فى العام الثانى لحكمه يهاجم أراضى المسلمين،
ووصل إلى «يابرة» - فى البرتغال الحالية - على رأس جيش بلغ
تعداده ثلاثين ألفًا وتصدى له عامل البلدة المسلم، ولكنه هُزِم وتمكن
النصارى من دخول البلد وارتكبوا مذبحة ضد أهلها وأسروا أربعة
آلاف، فيهم عدد من النساء والأطفال، وقد خشى عمال البلاد من
مهاجمة هذا الملك لبلادهم، فحصنوها وأحاطوها بالأسوار الحجرية
المتينة، ومع ذلك استطاع ملك ليون مهاجمة مدينة «ماردة» ونهب
أراضيها ودخل بعض حصونها وقتل فيها ألوف المسلمين، وأنشأ
هناك كنيسة تسمى كنيسة القديسة «ماريا الليونية».
وكان «عبدالرحمن» يؤثر فى أول الأمر غض الطرف عن محاربة
النصارى إلى أن يتمكن من تطهير الأندلس من الثائرين، لكن هذا
التخريب والفساد والعبث من جانبهم جعل الناصر يتخلى عن خطته،
فبعث بجيش قوى سنة (٣٠٤هـ = ٩١٦م) التقى بجموع النصارى
وهزمهم فى عدة مواقع وعاد محملا بالغنائم وفى العام التالى ضج
المسلمون وطلبوا من الأمير إنقاذهم، فأرسل إليهم قوات يتزعمها
«أبو العباس أحمد بن محمد بن أبى عبدة» قائده الكبير، وقد استعد
له ملك النصارى وجهز أحسن مالديه من عدة وسلاح.
والتقى الفريقان بالقرب من بلدة «أرماج» وانهزم المسلمون وقتل
قائدهم وتتبع النصارى فلولهم لمسافات بعيدة، وكانت تلك نهاية
«أبى العباس أحمد بن محمد بن أبى عبدة» القائد المغوار صاحب
الفضل فى المحافظة على بقاء الإمارة الأموية طوال فترة حكم الأمير
«عبدالله»، وقد قام ملك النصارى بتعليق رأس هذا القائد العظيم على
سور البلدة المذكورة وبجواره خنزير برى نكاية به.
هنا أدرك «عبدالرحمن» أن الأمر جد خطير وبخاصة بعد تحالف ملك
ليون مع ملك نبرة، وسارت قواتهما معًا تريد الاستيلاء على مدينة
«طلبيرة» غربى «طليطلة» وفى الوقت نفسه توجهت قوات تابعة
[ ٧ / ٥٠ ]
لملك «نبرة» لمهاجمة أراضى «بنى قسى» أصحاب «طليطلة»،
وأحرقت الزروع وعاثت فسادًا، وأحرقت بعض المساجد، ولهذا أعد
عبدالرحمن جيشًا ولَّى قيادته حاجبه «بدر بن أحمد» الذى احتشد له
النصارى من كل ناحية، وتقدم المسلمون كالسيل إلى حدود ليون
وهزموا النصارى هزيمة ساحقة فى موقعتين، ومع ذلك استمر
النصارى يغيرون على الأراضى الإسلامية، وجرت حروب كانت سجالا.
صمم عبدالرحمن على أن يخرج بنفسه لمقاتلة النصارى، فخرج من
قرطبة فى (١٣ من المحرم سنة ٣٠٨هـ = أوائل يونيو سنة ٩٢٠م) فى
جيش ضخم، وانضم إليه كثير من أهل الثغور، وقد اخترق أراضى
الثغر الأوسط من طليطلة شمالا واتجه إلى طريق ألبة والقلاع
«قشتالة»، ووصل إلى «قلونية» ونسف وخرب دون أن يعترضه
النصارى لأن ملكى ليون ونبرة كانا ينتظران بجموعهما فى الشمال.
وقد عرج «عبدالرحمن» على «تطيلة» واستولى على حصون مهمة
بها، ثم عبر نهر «إبرة» حيث وجد الملكين فى كامل قواتهما، وقد
أرادا استدراج الناصر إلى شُعَب الجبال، لكنه نجح فى سحبهما إلى
السهل المنبسط وعسكر غربى «بنبلونة» عند بلدة تسمى
«خونكيرا»، وعندما انحدر النصارى من الجبل إلى السهل، أوسعهم
المسلمون قتلا وأسرًا وفتكوا بالعديد من أساقفتهم وزعمائهم
ومزقوهم، ثم هدم عبدالرحمن حصونهم، وأصلح حصون المسلمين
بهذه النواحى، وجرت هذه الموقعة فى (٦من ربيع الأول سنة ٣٠٨هـ
= ٢٦ من يوليو سنة ٩٢٠م)، وقد استغرقت غزوة الناصر هذه ثلاثة
أشهر، وكانت أول غزوة له ضد ملوك النصارى.
لم ترتدع قوى النصرانية رغم ما تعرضوا له من هزائم وأخذوا
يهاجمون الأراضى الإسلامية، واستولوا على بعضها، لذلك خرج
«عبدالرحمن» إليهم مرة أخرى فى (المحرم سنة ٣١٢هـ = ١٧ من
أبريل ٩٢٤م) وسلك اتجاه الشرق مخترقًا كورة تدمير فبلنسية، ثم
دخل إلى طرطوشة فسرقسطة ثم تطيلة، ثم دخل أراضى «نبرة» حيث
استولى على كثير من الحصون وهدمها، ثم قصد بعد ذلك بنبلونة -
[ ٧ / ٥١ ]
عاصمة مملكة نبرة - ودمرها وهزم ملكها، وأنهى مقاومته تمامًا
وفى طريق عودته إلى «قرطبة» عرج على «موسى بن ذى النون»
وقبل طاعته وقد استغرقت هذه الغزوة أربعة أشهر وعرفت بغزوة
«بنبلونة».
مات ملك ليون وحدثت مشاكل داخلية انتهت بتولية ملك جديد عمل
على توسيع الفتنة بين المسلمين، وكانت «طليطلة» آنئذٍ تقوم بثورة
معارضة، فقام الملك النصرانى بتشجيع الثوار، وبدأ «عبدالرحمن»
من ناحيه يرسل العلماء لحث الثوار على الطاعة، فلم يستجب أحد
مطمئنين إلى محالفة ملك النصارى لهم، لذلك اضطر الناصر إلى أن
يخرج إلى الثائرين فى قوات ضخمة فى (ربيع الثانى سنة ٣١٨هـ =
مايو ٩٣٠م)، وبعد حصار شديد غادر عبدالرحمن المدينة وترك على
حصارها بعض قواته، ثم عاد إليها بعد عامين فسار ملك ليون لإنقاذ
«طليطلة» واستولى فى طريقه على حصن مجريط (مدريد) لكن
المسلمين استردوه، ففر ملك ليون واضطر أهل «طليطلة» إلى
التسليم، وانتهت بذلك ثورة من أخطر الثورات التى واجهها الناصر.
وواصل «عبدالرحمن» ضرباته فى بلاد الشمال، ولم يجد ملوك
النصارى مفرا من طلب الصلح، وأصبحوا من أتباع الناصر، يخطبون
وده ويطلبون العلاج فى عاصمته.
ولكن ملك ليون آلمه أن يخضع ملوك النصارى لأمير قرطبة، فحرضهم
على حربه وجمع جيشًا كبيرًا يواجه به المسلمين فاستعد له
عبدالرحمن استعدادًا كبيرًا؛ خاصة وقد تمكن الملك النصرانى من
الاستيلاء على حصن مجريط وهدد طليطلة سنة (٣٢٠هـ = ٩٣٢م) وقصد
الجيش النصارى عن طريق وادى الحجارة، ثم سار إلى سرقسطة
وبعث بقوات إلى «تطيلة» و«طرطوشة»، وتحول إلى أراضى «نبرة»
ليتلقى من ملكتها رسالة تعبر عن رغبتها فى السلم
والمصالحة، فوافق الأمير وأقر ابنها ملكًا على بلاد «البشكنس»، ثم
سار إلى أراضى «ألبة والقلاع» وخرب ونسف وعاث فى أراضى
ليون، فاجتمع له النصارى ودارت معركة عنيفة انتصر فيها المسلمون
[ ٧ / ٥٢ ]
ووصل إلى مقربة من ليون، ثم ارتدت قواتهم شرقًا وأخذت تعيث فى
أراضى قشتالة وخربت عاصمتها «برغش» ثم عادت القوات الإسلامية
إلى قرطبة بعد أربعة أشهر.
وفى سنة (٣٢٣هـ = ٩٣٥م) خرج أسطول الناصر فى أربعين سفينة
من ثغر ألمرية إلى جزيرة ميورقة، ومنها إلى شواطئ الثغور
الفرنجية حيث حقق انتصارات كبيرة، وتوجه بعدها إلى برشلونة.
فاجتمع الفرنج لمقاتلته، ودارت بينه وبينهم مجتمعين معركة انتصر
فيها الأسطول الإسلامى، ثم رجع إلى طرطوشة حيث صدرت الأوامر
للقائد بالتوجه إلى سبتة وطنجة للتعامل مع الثائرين هناك، فظل
يتردد بين مراسى العدوة المغربية حتى شتاء العام التالى، ثم رجع
إلى مرسية فى (صفر سنة ٣٢٤هـ = ديسمبر٩٣٥م).
كان «عبدالرحمن» قد عقد صلحًا مع ملك ليون بناءً على رغبته، لكن
النصارى من البشكنس تحركوا واحتلوا بعض الحصون، وفى الوقت
نفسه ظهرت بوادر فتنة خطيرة فى سرقسطة، لأن أصحابها
التجيبيين لم يكونوا على وفاق مع حكومة قرطبة، وما كانت تعجبهم
سياسة «عبدالرحمن» التى تعمل على إخضاع الزعماء المحليين
بالإضافة إلى أن وجودهم بين الممالك النصرانية أعطاهم فرصة
التآمر والخروج على سلطان الحكومة المركزية، وقد رفض زعيمهم
بالفعل أن يشترك مع الناصر فى حملته الأخيرة ضد النصارى، بل
وتحالف مع ملك ليون ضد المسلمين، وانضم إليهما البشكنس، وبذلك
وقف الشمال كله متحالفًا ضد عبدالرحمن.
بعث الناصر بعض القوات التى تعاملت مع هؤلاء فى بعض المواقع،
وتمكنت حامية مجريط - أهم قلاع الثغر الأدنى - من رد هجوم ملك
«ليون» عليها، ثم خرج عبدالرحمن بنفسه على رأس جيش ضخم فى
(رجب سنة ٣٢٥هـ = مايو ٩٣٧م) فسار أولا إلى «طليطلة» لتأمين
أهلها وإرهاب النصارى، وسلمت له «وشقة» و«طلبيرة» غربى
«طليطلة».
بعد ذلك توجه الناصر إلى الثغر الأعلى عن طريق وادى الحجارة،
وقصد قلعة أيوب التى يعتصم بها زعيم التجيبيين، وعرض عبدالرحمن
[ ٧ / ٥٣ ]
عليه الطاعة فرفض، واضطر إلى أن يدخل معه معركة عنيفة انهزم
فيها الثائر وطلب الأمان فوافق الناصر على تأمينه، وكان سقوط
قلعة أيوب هذه أول صدع خطير فى ثورة بنى تجيب.
ثم اتجه الناصر إلى ألبة والقلاع ففتح من حصونها سبعة وثلاثين
حصنًا، ثم ذهب إلى بنبلونة - عاصمة نبرة - لتأديب الناكثين.
وأخيرًا قبل اعتذار ملكتها وتوجه إلى تطيلة ومنها إلى سرقسطة
وقام ببعض العمليات الناجحة برا وبحرًا ضد ملك ليون وحلفائه،
واستمر يحاصر سرقسطة حتى طلب زعيم بنى تجيب الصلح فوافق
الناصر، وبذلك سقطت سرقسطة وحصونها المهمة فى يد الناصر،
وانهارت أخطر ثورة واجهها الناصر، وهى ثورة التجيبيين الذين
كانت بلادهم مركزًا يجمع القوى المعادية لخلافة قرطبة سواء أكانوا
من الثوار أم من زعماء النصارى.
ويلاحظ أن الناصر كان حريصًا على أن يعفو عن الثوار وأن يحسن
إليهم ويضمهم إلى جيشه، وبهذه السياسة الرشيدة استطاع أن
يستفيد من كل القوى المناوئة له عندما أحسن إليهم، وقد دخل الأمير
الأندلسى سرقسطة وأرسل منها ثلاثة جيوش توغلت فى أراضى ألبة
والقلاع وهزمت النصارى فى عدة مواقع، ثم عادت جميعًا إلى قرطبة
فى (١٨ من ربيع الأول ٣٢٦هـ= أواخر يناير ٩٣٨م) بعد ثمانية أشهر
قضوها فى العمليات الناجحة، وأراد الناصر أن يكرم زعيم «بنى
تجيب» فرده إلى «سرقسطة» وأعاده إلى مكانه وولاه كل مناصبه
السابقة.
مزق «عبدالرحمن الناصر» التحالف النصرانى الخطر وأخضع الشمال
الشرقى كله لسيطرته ولم يبق إلا ملك ليون بؤرة الفساد الحقيقى
فى هذه المناطق، وقد تم تجهيز جيش ضخم بلغت قواته نحو مائة ألف
جندى، وولى الناصر قيادته «نجدة بن حسين الصقلبى»، وكان
الصقالبة قد سيطروا فى هذه الآونة على كل مناصب القصر
والقيادة، وقد أثر ذلك على نفوس العرب وكان سببًا فى تدهور
قوى الجيش المعنوية.
وفى صيف عام (٣٢٧هـ = ٩٣٩م) سار الناصر وعبر نهر التاجة عند
[ ٧ / ٥٤ ]
طليطلة ثم عبر نهر «دويرة» متجهًا نحو قلعة «شنت مانكش» حيث
كان ملك ليون قد عسكر مستعدا وحالفه «أمية بن إسحاق» وملكة
نبرة التى نقضت عهدها، وبذلك اتحدت قوى النصرانية من جديد
ووقفت صفا واحدًا فى مواجهة المسلمين.
وجرت بين الطرفين موقعة تعد من كوارث التاريخ الأندلسى، عرفت
بموقعة الخندق، وتفيض المصادر الإسبانية فى وصف ما حدث، بينما
تقدمها الرواية الإسلامية فى صورة مقتضبة، وقد جرت وقائعها على
باب قلعة «شنت منكش» (سيمانقة) وكانت الحرب سجالا، ثم انكشف
المسلمون انكشافًا لم يسمع بمثله وردهم العدو إلى خندق عميق
نسبت الموقعة إليه، وقد تساقط فيه المسلمون حتى امتلأ بهم عن
آخره وانكشف الناصر واستولى العدو على محلاته وما فيها من عدة
ومتاع وفقد مصحفه الشريف ودرعه.
وكان للخونة وعلى رأسهم «فرتون بن محمد الطويل» أثره فى
الهزيمة، وقد أعدمه الناصر جزاءً وفاقًا لخيانته، كما كان لتولية
قائد صقلبى أثره فى امتعاض العرب وتأثيره على روحهم المعنوية
أثناء القتال، وقد قتل ذلك القائد فى المعركة، وأسر من كبار
المسلمين «محمد بن هاشم التجيبى» وبقى فى أسر ملك ليون مدة
عامين حتى افتداه الناصر بمبلغ كبير.
وهذه خاتمة معارك الناصر الحربية، فلم يغز بعدها بنفسه واقتصر
تقليد شئون الثغر الأعلى على أكابر رجاله ممن ورثوا الصلابة والبأس
عن الأجداد، من أمثال آل تجيب وآل ذى النون وآل زروال وآل
الطويل وآل رزين وغيرهم، وكان الناصر يزورهم كل عام ويزودهم
بالعُدَد والسلاح، وقد استأمن «أمية بن إسحاق» الذى تحالف مع
النصارى فوافق الناصر على تأمينه عملا بسياسته فى اصطناع
الخصوم الأقوياء.
أرسل ملك ليون يطلب الصلح مع الناصر فاستجاب له الأخير، لكنه
كان صلحًا قصير الأمد كالعادة، كما عقد الناصر صلحًا مع ملك
برشلونة وغيره، لكن ملك ليون لم يحترم الصلح وهاجم الأراضى
الإسلامية، فاضطر المسلمون إلى غزو مملكة ليون سنة (٣٢٩هـ =
[ ٧ / ٥٥ ]
٩٤١م)، وتوجيه بعض الحملات إليها وإلى جليقة.
وفى سنة (٣٣٥هـ = ٩٤٦م) جدد الناصر مدينة سالم، أقصى مدن
الأندلس الشمالية الغربية إلى حدود ليون، ونقل قاعدة الثغر الأعلى
من طليطلة إليه، وولَّى عليها قائده «غالب الناصرى» الذى كان له
شأن فى تاريخ الأندلس زمن الناصر وابنه الحكم المستنصر بعده،
وقامت قوات عبد الرحمن بمعارك وغزوات ناجحة حتى وصلت إلى
شاطئ المحيط الأطلسى، الشىء الذى جعل ملك ليون يطلب الصلح
مع الناصر إيمانًا بأنه لاقبل له به.
عبد الرحمن الثالث والبلاد المغربية:
عندما تولى عبد الرحمن الناصر، كانت الدولة الفاطمية قد قامت فى
بلاد المغرب منذ أربع سنوات فى (٢٩٦هـ = ٩٠٩م)، وامتد نفوذها
بسرعة حتى وصل إلى سبتة، وأصبحت تهدد الشواطئ الأندلسية
وتمثل خطرًا دينيا وسياسيا عليها، ومن الطبيعى أن يزعج هذا الأمر
الأمويين فى الأندلس؛ لأن المغرب قاعدة من يريد الوصول إلى
الأندلس. كما أنه يمد الثوار بها بحاجاتهم ويشجعهم على التآمر ضد
الإدارة الأموية.
كان على الناصر أن يواجه هذه المشكلة قبل أن يستفحل خطرها.
ولهذا بعث سنة (٣١٩هـ = ٩٣١م) أسطولا مكونًا من (١٢٠) سفينة
وسبعة آلاف رجل إلى سبتة انضم إليه بعض المتطوعة فى الطريق،
وقد تمكن هذا الأسطول من السيطرة على سبتة وانتزعها من البربر
حلفاء الفاطميين، ثم حاصر الأسطول بعد ذلك طنجة وضيق عليها
حتى استسلمت وخضعت للناصر وغادرها بقية الأدارسة، وبادر زعماء
البربر إلى إعلان الطاعة للناصر وامتدت دعوته حتى فاس، وأطاعه
«موسى بن أبى العافية» زعيم مكناسة، وأمده الناصر بالجنود
والسفن حتى هزم الفاطميين ووقف سدا منيعًا أمام محاولاتهم فى
المغرب واستمرت جيوش عبد الرحمن تعبر من الأندلس لمحاربة
الفاطميين وحلفائهم من البربر والأدارسة حتى استقر له الأمر ودعى
له على منابر المغرب سنة (٣٣٢هـ = ٩٤٤م).
وقد قويت الأساطيل الفاطمية فى عهد الخليفة «المعز لدين الله»،
[ ٧ / ٥٦ ]
وبدأت تجوب شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ووصلت إلى ألمرية
وأحرقت سفنها وعاثت فيها سنة (٣٤٤هـ = ٩٥٥م)، فرد الخليفة
الناصر بإرسال قوة بحرية عاثت فى تونس، وأمر بلعن الفاطميين
والشيعة على منابر الأندلس، وفى سنة (٣٤٧هـ = ٩٥٨م) أرسل
الناصر أسطوله ثانية إلى إفريقية ردا على الحملة الفاطمية التى
قادها «جوهر الصقلى» إلى عدوة المغرب، التى تمكنت من الوصول
إلى فاس، وأرسل فى الوقت نفسه حملة أندلسية عن طريق سبتة
إلى المغرب بقيت هناك حتى رجع الفاطميون.
وكانت سياسة الناصر مع الفاطميين تتجنب الدخول فى صراع صريح
معهم؛ لأن هذا يضعف جبهته الشمالية أمام النصارى، ولهذا وجدناه
يكتفى بإرسال السلاح والعتاد والمعونات المالية الكبيرة إلى
«موسى بن أبى العافية» و«مصالة بن حبوس» وأمثالهما لإلحاق
الهزيمة بأعوان الفاطميين، ثم اكتفى باحتلال سبتة وطنجة ومنهما
زود أعوانه فى المغرب بحاجتهم ليثبتوا أمام الشيعة، وربما لجأ إلى
معاونة الخارجين على الفاطميين من غير الأدارسة وهو على كل حال
لم يلق بخيرة جنده وقواده فى الصراع المغربى، وهذا هو الخطأ
الذى وقع فيه ابنه الحكم المستنصر بعد ذلك فأثر على جبهته
الشمالية وأضعفها ولم يتمكن من الخروج بنتيجة حاسمة.
عهد الخلافة الأموية فى الأندلس:
عندما تولى «عبدالرحمن الداخل» أمر بعدم الدعاء لبنى العباس ولم
يتخذ لقب الخلافة مكتفيًا بالإمارة، وسار بنوه على نهجه، فلما تولى
الناصر، وجد أن هناك دولة فاطمية قامت فى بلاد الشمال الإفريقى،
ووصل نفوذها إلى شواطئ المغرب الأقصى، وقد اتخذ حكامها
لأنفسهم لقب الخلافة وسماتها، وإذا كان هو قد نهض بالدولة ووطد
سلطان بنى أمية فى كل الأندلس فلماذا لايكون من حقه لقب خليفة؟
لذلك أصدر أمرًا بذلك فى يوم الجمعة مستهل (ذى الحجة سنة ٣١٦هـ
= أوائل ٩٢٩م) وأصبح عبدالرحمن الثالث يلقب بالخليفة أمير المؤمنين
[ ٧ / ٥٧ ]
الناصر لدين الله، وقد أرسلت نسخ من هذا الإعلان إلى إفريقية
والمغرب، وبذلك أصبحت الخلافة الأموية مساوية للخلافة العباسية،
ويناط بها رعاية شئون المسلمين، وتولية أمر الإسلام فى الجناح
الغربى من العالم الإسلامى.
وقد استتبع ذلك تغييرًا كبيرًا فى شكل الإمارة القرطبية ونظامها؛
حيث وضعت لها هياكل إدارية تعكس هيبة الدولة وتمنح البلاط
القرطبى وجاهة أكثر. وكثر القواد فى جيش الخلافة وتنوعت مراتبهم
وكثر الوزراء أيضًا وتضاعفت هيبتهم.
وكانت سياسة الناصر تقوم على النقل المستمر لوزرائه وولاته
وقواده حتى لا يطول أمد الواحد منهم فى وظيفته، وقد يدفعه ذلك
إلى الاستبداد بالسلطة ..
لقد كان عبدالرحمن يؤمن بالسلطان المطلق للخليفة، ولايسمح لكبار
رجال الدولة بإملاء رأى عليه، كما لايمنح ولاة الأقاليم شيئًا من
الاستقلال، ويرى أن الرعية ينبغى أن تكون رعية مطيعة تأتمر بأمر
الخليفة خاصة بعد الانتصارات التى حققها على المستويين الداخلى
والخارجى، وكان يلقى وزراءه فى مجلس فخم يعد كل شىء فيه
بنظام مرتب.
ورغم ميل الناصر إلى الاستبداد فإنه لم يعرف عنه أنه كان ظالمًا،
ولم تذكر المصادر أنه قتل وزيرًا أو صادر مالا أو اعتدى على حق
لأحد أو بالغ فى عقوبة، وربما كان الوحيد بين خلفاء المسلمين
بالأندلس فيما يتعلق بتصرفاته فى الخلافة وسلوكه بما يتفق مع
مكارم الأخلاق ومبادئ الإسلام، وبهذه الأخلاق والوفاء استطاع
الناصر بعد عشر سنوات من حكمه أن يعيد النظام والهدوء والوحدة
والأمان إلى دولته الواسعة، كما منح أمانات لبيوتات الثغر الأعلى من
أمثال: بنى هاشم وبنى قسى وبنى الطويل واستفاد بهم وبما
تميزوا به من شجاعة فى حروبه، ونجح فى تحويل ملوك إسبانيا
النصرانية إلى أتباع له أو حلفاء.
إنشاء مدينة الزهراء وزيادة المسجد الجامع:
كثر سكان قرطبة فى عهد الناصر ووصلت مبانيها إلى تل الرصافة
[ ٧ / ٥٨ ]
الذى يقوم عليه قصر الرصافة، ولم تعد قصور العاصمة تليق بالمكانة
العظيمة التى ارتفعت إليها الخلافة، كذلك ضاقت أسواق البلد
وطرقاتها، وأصبح من العسير على جيوش الدولة ومواكب السفراء
المستمرة أن تسير فى شوارع المدينة دون أن تضايق الناس.
وكان الناصر قد بنى إلى جانب «القصر الزاهر» قصرًا جديدًا سماه
«دار الروضة» استدعى له المهندسين والبنائين من كل ناحية، وأنشأ
فى ظاهر قرطبة متنزهات عظيمة جلب لها الماء من أعلى الجبل فوق
قناطر بديعة، ومع ذلك فقد كانت العاصمة تضيق بسكانها ولاتفى
بحاجة ملك عظيم بلغه الناصر، ووطده عن طريق سحق أعدائه فى
الداخل والخارج؛ لهذا كله فكر فى إقامة مدينة جديدة تضم قصوره
وأماكن حاشيته، وأخذ المهندسون فى دراساتهم ووصلوا إلى
إقامتها على سفح جبل العروس على بعد ستة كيلو مترات من
العاصمة وتطل عليها من الناحية الجنوبية الغربية.
سميت تلك المدينة بالزهراء، نسبة إلى إحدى نساء عبدالرحمن التى
ماتت عن مال كثير وأوصت أن ينفق فى افتكاك أسرى المسلمين،
لكن الناصر لم يجد أسرى فقرر إنشاء المدينة بهذا المال وأطلق
عليها اسم صاحبة ذلك المال.
بدأ العمل فى المدينة الجديدة (أول المحرم ٣٢٥هـ = نوفمبر ٩٣٦م)،
وتولى الإشراف على بنائها «الحكم» ولى العهد، وحشد لها أشهر
المهندسين والصناع والفنانين من سائر الأنحاء ولاسيما القسطنطينية
وبغداد، وجلب لها الرخام بألوانه من «المرية» و«رية»، ومن قرطاجنة
إفريقية وتونس والشام، وجلب لها (٤٣٢٤) سارية من الرخام واشتغل
فى بنائها يوميا عشرة آلاف رجل، و(١٥٠٠) دابة، واستخدمت من
الصخر المنحوت ستة آلاف صخرة فى اليوم، وقدرت النفقة على
بنائها ب ٣٠٠ ألف دينار سنويا بخلاف ما أنفق فى عهد الحكم،
وأقام الناصر لنفسه قصرًا جديدًا، بنى فيه مجلسًا ملوكيا أسماه
قصر الخلافة، جدرانه من رخام مزخرف بالذهب، وفى كل جانب من
[ ٧ / ٥٩ ]
جوانبه ثمانية أبواب، وأقام الخليفة فى الجناح الشرقى المسمى
بالمؤنس، وزوده بأنفس التحف ووضع فيه الحوض المنقوش بماء
الذهب المهدى إليه من قصر القسطنطينية.
وجدير بالذكر أنه تم التخطيط لمدينة «الزهراء» بحيث تكون مستقلة
بذاتها، وقد بنيت على مدرجات بحيث يرقى من يدخل المدينة من
درجة إلى درجة، وفى كل درجة يجد قسمًا من أقسام المدينة،
ويدخل الإنسان إليها من أسفل الجبل عن طريق باب كبير يسمى باب
الأقباء - جمع قبة - لأن هذا المدخل كانت تحيط به وتقوم فوقه قباب،
بعد ذلك يسير الإنسان مسافة طويلة فى طريق مبلط تقوم على
جوانبه الأعمدة وغرف الحرس حتى يصل إلى باب السدة (باب القصر)
ويصعد درجات، وإلى جانب هذا المصعد ذى الدرجات يوجد مصعد آخر
بلا درج مخصص للخيل، وعندما يصل الإنسان إلى المستوى الثانى
يجد مساكن الجنود وأصحاب الحرف الذين تحتاج إليهم المدينة، كما
وجدت هناك آثار المسجد الجامع لمدينة الزهراء، وكل هذه البيوتات
محاطة بالأشجار والخضرة، وعندما ينتهى الإنسان من هذا المستوى
يصعد مرة أخرى حتى يصل إلى سهل منبسط بنيت عليه قصور كبار
رجال القصر وموظفيه بما فى ذلك أماكن إقامة الحرس الخاص
بالخليفة، وما يلزم لهؤلاء من حمامات ومساجد، بعد ذلك يصعد
الإنسان مرة ثالثة فيواجه لأول صعوده البهو الكبير الذى أنشأه
الناصر لاستقبال السفراء والملوك الأجانب، وهو بهو فخم يتكون من
ثلاثة أقواس تفضى إلى قاعة فسيحة بها ثلاثة أبهاء ينتهى الأوسط
بمجلس الناصر فى صدره، وهناك يجلس الخليفة فوق عرشه تحيط به
مقاعد الأسرة المالكة كل حسب مرتبته، وعلى الجانبين مقاعد
للوزراء وكبار رجال الدولة والضيوف موضوعة بصورة محكمة بحيث
يختص كل مسئول بمقعده الذى لايتغير، فإذا مانظر الناصر ووجد
مقعدًا خاليًا عرف من تغيب، أما البهوان الداخليان فيستعملان
لموظفى القصر وكتاب الخليفة، وهذا المجلس يبدو للرائى من بعيد
[ ٧ / ٦٠ ]
عندما يهل الإنسان على مدينة الزهراء، وقد أراده «عبدالرحمن»
على هذه الصورة؛ ليتمكن من رؤية السفراء والملوك وهم مقبلون من
بُعد، ثم وَهُم صاعدون إلى القصر، وقد سميت الرحبة التى أقيم فيها
البهو الرئيسى باسم «السطح الممرد»، وجعل أمام بهو الاستقبال
حوض للسباحة، مصنوع من الرخام حفر له فى الأرض، وزين بالتماثيل
وقد تم جلبه من القسطنطينية وقد ضاعت معالم هذا القصر أثناء محنة
الفتنة والصراع على الخلافة ويحاول علماء الآثار منذ سنة (١٣٢٨هـ =
١٩١٠م) العثور على شىء من معالم هذا القصر، وإعادة إقامة بعض
منشآته وخاصة بهو الاستقبال.
وبناء هذه المدينة والقصر يعكس رخاء الأندلس ونهضة الفن المعمارى
بها آنئذ، ووصل ازدهار قرطبة إلى أعلى درجاته فوصل عدد دورها
إلى ١١٣ ألف دار بلغ مجموع قاطنيها مليونًا ومائة وثلاثين ألفًا،
ومما يدل على كثرة سكان العاصمة أن عدد الحمامات بها بلغ
ثلاثمائة حمام، وعدد مساجدها ثلاثة آلاف.
وقد بلغت إيرادات الأندلس نحو ٥.٥ مليون دينار من الكور والقرى ومن
الأسواق ونحوها ٧٦٥ ألف دينار قسمت ثلاثًا: ثلث للجند، وثلث للبناء،
وثلث يدخر للطوارئ.
الزيادة فى المسجد الجامع:
أمر الناصر بإضافة زيادة ثالثة إلى المسجد الجامع فى قرطبة سنة
(٣٤٦ هـ = ٩٥٧م)، وقد ضاعفت هذه الزيادة حجم المسجد فى الاتجاه
الجنوبى، وقد تم بناء الزيادة على طراز بقية المسجد نفسه من حيث
الأقواس ومواد البناء.
وعُد محراب هذه الزيادة فى المسجد آية من آيات الفن الأندلسى ذلك
أنه ليس محرابًا بل غرفة من الرخام سقفها قطعة واحدة منه فى هيئة
محراب، ووسط هذا المحراب كرسى يوضع عليه المصحف الشريف
يستخدمه القارئ فى تلاوة القرآن الكريم قبل الصلوات.
وكان «عبدالرحمن الناصر» قد هدم منارة المسجد القديمة سنة
(٣٤٠هـ = ٩٥١م)، وجعل له منارة تميزت بفخامتها وارتفاعها
الشاهق، وكانت مربعة الواجهات، ولها ١٤ شباكًا، وسلمان للصعود
[ ٧ / ٦١ ]
والهبوط وفى قمتها ثلاث تفاحات كبيرات اثنتان من الذهب وواحدة
من الفضة، وقد أزال النصارى هذه المنارة وأقاموا مكانها برج
الأجراس الحالى، ولاتزال اللوحة التى تشيد بجهود عبدالرحمن الناصر
قائمة فى مكانها عند الباب الرئيسى المسمى باب النخيل.
كذلك أقام عبدالرحمن ما يعرف بالمظلة فى صحن المسجد، وهى
سقف متحرك يتكون من أعمدة من الخشب والحصر، يستظل بها الناس
أثناء الصلاة فى زمن الصيف، ثم ترفع بعد الصلاة لأن صحن الجامع
الفسيح كان مزدانًا بأشجار النارنج، وتلك ظاهرة تنفرد بها صحون
مساجد الأندلس عن غيرها.
ولاتقف جهود الناصر عند هذا الحد، وإنما يرجع إليه الفضل فى
إنشاء عدد كبير من المساجد فى شمالى الأندلس وجنوبيه، كما أن
إليه يرجع فضل تجديد قنطرة الوادى وقنطرة سرقسطة وقنطرة
ماردة.
وقد اهتم الناصر بالجيش وجمع له الجند من أنحاء المغرب والأندلس،
واستكثر من الأسلحة، وأمده بمجموعة من أمهر القادة، وتولى
القيادة بنفسه أحيانًا.
كما عنى بالأسطول واهتم بإصلاح وحداته، وأنشأ به وحدات
جديدة، وكانت «المرية» هى مركز الأسطول الرئيسى وبها دار
الصناعة، وقد ضم أسطول الناصر (٢٠٠) سفينة بخلاف أسطول
المغرب، وكان لأسطول الناصر السيطرة على مياه إسبانيا الجنوبية
الشرقية، كما كان ينازع الفاطميين السيادة على غربى البحر الأبيض
المتوسط، وعلى الرغم من الحروب فإن عصرالناصر كان عصر رخاء
زاد فيه الدخل وازدهرت الزراعة والصناعة والتجارة وكثرت أخماس
الغنائم، ويقال إن الناصر لما مات وجد فى بيت ماله خمسة آلاف
مليون درهم، وترك فى قصره عشرين مليونًا من الذهب.
وفى سنة (٣١٦هـ = ٩٢٨م) أمر الناصر باتخاذ دار للسكة فى قرطبة
لضرب الدنانير والدراهم، وبذل جهده فى الاحتراس من الغش والتدليس
فأصبحت دنانيره ودراهمه عيارًا محضًا، وكان ضرب النقد معطلا قبله.
وبلغ الأمن ذروته فى سائر البلاد أيام الناصر، وترك ذلك آثارًا طيبة
[ ٧ / ٦٢ ]
على مصادر الدخل وازدهرت العلوم والآداب ورخصت المعايش.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن الدولة الأموية فى الأندلس كانت تعتمد
[ ٧ / ٦٣ ]
الفصل الرابع