[٧٣٦ - ٨٣٥ هـ = ١٣٣٥ - ١٤٣١م].
النشأة والتكوين:
ضمت «الدولة الإيلخانية» التى أسسها «هولاكو» فى عام (٦٥٤هـ=
١٢٥٦م) شعوبًا متعددة، وأقاليم كثيرة، شملت «العراق» و«إيران»،
واستمرت فى حكمها حتى عام (٧١٦ - ٧٣٦هـ= ١٣١٦ - ١٣٣٥م)، ثم
تصارع الأمراء على الانفراد والاستقلال بحكم ما تحت أيديهم من
أجزاء هذه الدولة، فتفككت وانقسمت إلى دويلات، وبات الحكم فيها
لأسر بعينها، مثل: أسرة «آل جلائر» التى استقلت بحكم «العراق»
بعد وفاة السلطان أبى سعيد بهادرخان.
كان «آل جلائر» من القبائل المغولية، ويعد «تاج الدين شيخ حسن
بزرَك بن حسين» أول حكام «آل جلائر» ومؤسس دولتهم «الجلائرية»،
وثالث مَن تولى الحكم فى «الدولة الإيلخانية»، وقد امتد سلطانه إلى
«العراق»، واتخذ «بغداد» عاصمة له، وأعلن نفسه ملكًا عليها،
فظهرت بذلك الدولة «الجلائرية» إلى حيز الوجود.
الوضع الداخلى:
شهدت اللبنات الأولى لقيام «الدولة الجلائرية» عدة حروب بين الأمراء
المغول بهدف الوصول إلى الحكم، إلا أن «حسن الجلائرى» تمكن من
الاستقلال بالعراق واستطاع أن يوحد الصفوف لتأسيس دولته الوليدة،
ومع ذلك لم تتوقف الصراعات والحروب مع بقايا الإيلخانيين، إلى أن
تمكن «الشيخ حسن الجلائرى» من طردهم إلى خارج حدود دولته
- «العراق» - فى عام (٧٤٨هـ= ١٣٤٧م).
كان «الشيخ حسن الجلائرى» سياسيا حكيمًا، وأراد أن يضمن لدولته
قوتها ووحدتها، فلم يعلن نفسه خانًا أو سلطانًا؛ بل أعلن ولاءه
للسلطان المملوكى فى «مصر» ليكون سنده الذى يحتمى به إذا ما
فكر المغول فى غزوه، خاصة وأن دولته قريبة ومتاخمة للإمارات
والممالك المغولية فساعده هذا التصرف على استقرار بلاده، وشجعه
على الاستيلاء على «لورستان»، و«الموصل»، و«تستر»، وبسط
نفوذه على غيرها، فاتسعت رقعة بلاده، وامتد نفوذ حكمه، ثم مات
فى عام (٧٥٧هـ = ١٣٥٦م)، وخلفه ابنه «الشيخ أويس بن حسن
[ ٤ / ٤٦ ]
الجلائرى»، فبلغت الدولة فى عهده أقصى اتساع لها، إذ ضم إليها
«أذربيجان»، و«آران»، و«موقان»، واتخذ من «تبريز» عاصمة
لبلاده، وانتقل نشاط الدولة السياسى ومركزها من «العراق» إلى
«أذربيجان»، فأدى ذلك إلى قيام حركات التمرد فى «بغداد» على
الجلائريين، وكانت حركة «مرجان» نائب «الشيخ أويس» على
«بغداد» من أشهر هذه الحركات، وكان «مرجان» طواشيا للشيخ
أويس.
لقد أخطأ «الشيخ أويس» فى حساباته عندما ابتعد عن «العراق»
واتخذ له عاصمة فى «إيران»، فضلا عن تقريبه الفرس دون العرب،
فكانت النتيجة انضمام العرب بمختلف طوائفهم إلى «مرجان»
وحركته، وحُذف اسم «الشيخ أويس» من الخطبة؛ رمز السيادة فى
الدولة، وخُطب للسلطان المملوكى فى «مصر».
خرج «الشيخ أويس» من «تبريز» إلى «بغداد» فى سنة (٧٦٥هـ =
١٣٦٣م)، واستطاع وزيره أن يستميل أعوان «الخواجة مرجان» إلى
صفه، فانفضوا من حول «مرجان» وفشلت حركته، ودخل «الشيخ
أويس» «بغداد» ثم جعل «شاه خازن» نائبًا له عليها، ولكن «مرجان»
لم ييأس من المحاولة، وعاد مرة ثانية إلى حكم «بغداد» عقب وفاة
«شاه خازن»، مما يؤكد حب أهل «العراق» لمرجان ومكانته عندهم،
فاضطر «الشيخ أويس» إلى الصفح عنه، ثم أرسل ابنه «الشيخ
علىّ» ليحكم «العراق».
تُوفى «الشيخ أويس» عام (٧٧٦هـ = ١٣٧٣م)، وخلفه فى الحكم ابنه
«جلال الدين حسين بن أويس» (٧٧٦ - ٧٨٤هـ = ١٣٧٣ - ١٣٨٢م)،
فضاعت هيبة الدولة فى عهده، وبدأت فى التدهور والانهيار؛ حيث
اهتم بملذاته ومصالحه الشخصية على حساب أمور الدولة والرعية،
وزادت الأمور اضطرابًا فى عهد أخيه «أحمد بن أويس» الذى خلفه
فى الحكم (٧٨٤ - ٨١٣هـ = ١٣٨٢ - ١٤١٠م)، إذ تمكن «تيمورلنك» من
إسقاطه عن عرشه عدة مرات، ثم دخل «بغداد» فى عام (٧٩٥هـ =
١٣٩٣م)، ففر «أحمد بن أويس» إلى «مصر» مستنجدًا بالسلطان
المملوكى «برقوق»، وتمكن «الشيخ أحمد» -أخيرًا - من العودة إلى
[ ٤ / ٤٧ ]
«بغداد» فى عام (٨٠٤ هـ = ١٤٠١م)، وتمكن من استعادتها فى عام
(٨٠٧هـ= ١٤٠٤م)، بعد أن خرجت عدة مرات من حكم «آل جلائر» إلى
حكم التيموريين، ثم استعاد «تبريز» فى عام (٨٠٩هـ= ١٤٠٦م)، ولم
يلبث أن فقدها ثانية فى العام نفسه على يد حفيد «تيمورلنك».
وفى عام (٨١٣هـ = ١٤١٠م)، اختلف «أحمد بن أويس» مع زعيم قبيلة
«قراقيونلو»، وحدث صدام بينهما، فقُتل «الشيخ أحمد»، وتمكن
زعيم «قراقيونلو» من انتزاع «تبريز» وما والاها من الجلائريين، ثم
أسس دولة له فى «أذربيجان».
تولى الحكم بعد «أحمد بن أويس» عدد من السلاطين، وصلت الدولة
فى عهدهم إلى أقصى مراحل الضعف حتى انتهت بموت «حسين بن
علاء الدولة» آخر السلاطين الجلائريين سنة (٨٣٥هـ)، وسلاطين هذه
الفترة هم:
- شاه ولد (٨١٣ - ٨١٤هـ).
- محمود بن شاه ولد (٨١٤ - ٨١٨هـ).
- أويس بن شاه ولد (٨١٨ - ٨٢٤هـ).
- محمد بن شاه ولد (٨٢٤ - ٨٢٧هـ).
- حسين بن علاء الدولة (٨٢٧ - ٨٣٥هـ).
العلاقات الخارجية:
اتسمت علاقة الجلائريين بالعالم الخارجى بالعداء والصراعات؛ لأن
دولتهم قامت على أنقاض «الدولة الإيلخانية»، فنشب الصراع بينهم
وبين «الدولة الجوبانية» نتيجة استجابة السلطان المملوكى للشيخ
«حسن الجلائرى» حين طلب منه الحماية، غير أن مقتل «حسن
الجوبانى» على يد زوجته «عزت الملك» فى عام (٧٤٤هـ = ١٣٤٤م)،
قد أراح «حسن الجلائرى» من نزاعات وصراعات كثيرة كانت
ستحدث حول أملاك الجلائريين الشرقية، ثم جاءت نهاية
«الجوبانيين» على يد «القبجاق»، فوضعت النهاية للصراع الجلائرى
الجوبانى.
ولم تكن علاقة الجلائريين بالدولة المظفرية بأفضل حال من سواها،
فقامت بينهما المنازعات، إذ قدم المظفريون المساعدات إلى
المناهضين للحكم الجلائرى، وإلى المتمردين عليه، ثم أطاح
التيموريون فى النهاية بالجلائريين والمظفريين معًا.
دخلت علاقة «الدولة الجلائرية» مع «الدولة المملوكية» بمصر فى دور
[ ٤ / ٤٨ ]
التبعية، بهدف الاستفادة من المماليك فى حماية دولتهم ومساعدتها
ضد أعدائها، خاصة الجوبانيين والتيموريين، وقد ساعد السلطان
المملوكى «برقوق» السلطان الجلائرى «أحمد بن أويس» فى
استعادة «بغداد» من أيدى التيموريين.
كانت علاقة الجلائريين الخارجية «بقراقيونلو» علاقة صداقة - فى
بداية الأمر- ثم ما لبثت أن تحولت إلى عداوة وشقاق، واستولت هذه
القبيلة على أملاك «الدولة الجلائرية» فى «أذربيجان» ثم أقامت بها
دولتها المستقلة.
مظاهر الحضارة فى الدولة الجلائرية:
تمتعت «الدولة الجلائرية» باستقلالها فى عهد «الشيخ حسن
الجلائرى» الذى أدت سياسة حكمه إلى انتعاش اقتصاد البلاد، وبناء
حضارة زاهرة، وتشييد المدارس والمكتبات وأماكن العلاج، فتردد
طلاب العلم على «بغداد» من كل مكان؛ طلبًا للعلم والمعرفة، فأعاد
لبغداد عهدها القديم المشرق، واعتمد على العرب والترك فى الجيش،
فقل تأثير الفرس على المجتمع العراقى، وبات «آل فضل» العرب
ذوى مكانة خاصة فى هذه الدولة، ولكن ذلك لم يدم طويلا؛ إذ تولى
«الشيخ أويس بن حسن» عرش «الدولة الجلائرية» واعتمد فيها على
العنصر الفارسى، وأساء إلى العرب، فتقلص نفوذ العرب ونشاطهم
فى الدولة، وازداد الأمر سوءًا حينما اتخذ «الشيخ أويس» «تبريز»
عاصمة لبلاده بدلا من «بغداد»، وجعل اللغة الفارسية لغة بلاده
الرسمية؛ فازداد نفوذ الفرس، واشتعلت الثورات فى «العراق»، وطمع
المظفريون فى فارس، فأحدقت الأخطار بالدولة الجلائرية من كل
جانب فغزاها التيموريون، فأفقدها ذلك القدرة على مواصلة الإصلاح
الاقتصادى، وأهملت المنشآت الخاصة بالزراعة والرى، وأصبح شغل
الحكام الجلائريين الشاغل هو الحفاظ على وجودهم فى الحكم،
ونشبت بينهم الصراعات الكثيرة التى أطاحت بهم جميعًا فى النهاية.
كما ساعدت الفيضانات والأوبئة التى تعرضت لها هذه الدولة على
انهيار اقتصادها، وتدهور الأحوال فيها، واضطر الحكام إلى فرض
[ ٤ / ٤٩ ]
الضرائب لملاحقة المجهود العسكرى، فضجر الناس من ذلك، وانتكست
تجارتهم بسبب الضرائب، وأصيبت الصناعة بالخمول والكساد أيضًا،
ولم تبقَ إلا بعض الصناعات القليلة مثل: صناعة الحرير، وصناعة
الأسلحة، وبات هَمُّ الحكام الحفاظ على العرش، وضحوا فى سبيل
تحقيق ذلك بكل غالٍ ونفيس.
[ ٤ / ٥٠ ]
الفصل السادس