(١٣٢ - ٢٣٢هـ = ٧٤٩ - ٨٤٧م):
يمتد العصر العباسى الأول قرنًا من الزمان، من سنة (١٣٢هـ= ٧٤٩م)
إلى سنة (٢٣٢هـ= ٨٤٧م)، ويعد العصر الذهبى للخلافة العباسية؛ حيث
تمتع الخلفاء بسلطتهم الدينية والدنيوية.
وخلفاء هذا العصر تسعة، هم:
١ - أبو العباس عبدالله (١٣٢ - ١٣٦هـ= ٧٤٩ - ٧٥٣م).
٢ - المنصور (١٣٦ - ١٥٨هـ= ٧٥٣ - ٧٧٥م).
٣ - المهدى (١٥٨ - ١٦٩هـ= ٧٧٥ - ٧٨٥م).
٤ - الهادى (١٦٩ - ١٧٠هـ= ٧٨٥ - ٧٨٦م).
٥ - الرشيد (١٧٠ - ١٩٣هـ= ٧٨٦ - ٨٠٩م).
٦ - الأمين (١٩٣ - ١٩٨هـ= ٨٠٩ - ٨١٣م).
٧ - المأمون (١٩٨ - ٢١٨هـ= ٨١٣ - ٨٣٣م).
٨ - المعتصم (٢١٨ - ٢٢٧هـ= ٨٣٣ - ٨٤٢م).
٩ - الواثق: (٢٢٧ - ٢٣٢هـ= ٨٤٢ - ٨٤٧م).
الخليفة الأول: أبو العباس (١٣٢ - ١٣٦هـ= ٧٤٩ - ٧٥٣م):
هو «عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب بن
هاشم»،ولد سنة (١٠٠هـ= ٧١٨م) تقريبًا.
بويع «أبو العباس» فى «الكوفة» فى شهر ربيع الأول سنة (١٣٢هـ=
٧٤٩م).
واستمر فى الحكم أربع سنوات، استطاع خلالها توطيد أركان
الخلافة العباسية، والقضاء على كل مقاومة ظهرت فى عهده.
موقف العباسيين من الأمويين:
مما لاشك فيه أن هناك بعض التجاوزات التى حدثت فى إقليم
«الشام» على يد الوالى العباسى «عبدالله بن على»، عم الخليفة
«أبى العباس»؛ حيث تعقَّب الأمويين فى كل مكان وقتل كثيرًا منهم،
مما دفع بعضهم إلى الفرار إلى مناطق بعيدة، كما فعل «عبدالرحمن
بن معاوية» - صقر قريش - الذى فر إلى «المغرب» ومنها إلى
«الأندلس»؛ حيث أسس دولة أموية هناك سنة (١٣٨هـ= ٧٥٥م)، كما
حاول بعضهم الآخر التخفِّى وطلب العفو.
ومن ناحية أخرى لم يقف أنصار الأمويين وأعوانهم مكتوفى الأيدى
أمام انتصارات العباسيين، وما ارتكبه بعض ولاتهم من مذابح تجاه
البيت الأموى، فقاموا بعدة ثورات فى أماكن متفرقة، إحداها
بالبلقاء و«حوران» سنة (١٣٢هـ= ٧٤٩م)، وأخرى فى «قِنَّسرين»،
[ ٣ / ٣ ]
وثالثة فى «دمشق»،لكن قوات العباسيين استطاعت الانتصار عليها
والسيطرة على الموقف.
موقف الخلافة من بعض زعماء الدعوة العباسية:
واجهت «الدولة العباسية» قبيل إعلانها وفى بداية قيامها انحراف
بعض المسئولين فيها، ولم تكن الظروف السياسية التى صاحبت قيام
«الدولة العباسية» تسمح بالتخلّص من هؤلاء، فلما بويع «أبو
العباس» بالخلافة وبدأت الدولة تأخذ طريقها إلى الاستقرار، قامت
بمعاقبة هؤلاء، وكان أول من عوقب «أبا سلمة الخلال» بسبب عدم
تحمسه كثيرًا لانتقال أفراد البيت العباسى من «الحميمة» إلى
«الكوفة»، ولم يأذن لهم بدخول «الكوفة» إلا بعد فترة، وحاول نقل
الخلافة من البيت العباسى إلى البيت العلوى إلا أنه فشل فى ذلك،
كما حاول قتل «أبى العباس» وفشل فى ذلك أيضًا، فلما استقرت
أمور الدولة استقر رأى أفراد البيت العباسى على أخذ رأى «أبى
مسلم الخراسانى»، الذى وافق على التخلص منه، فتم اغتياله
وأعلنت القيادة العباسية أن جماعة من أعداء الدولة هم الذين نفذوا
هذه المؤامرة.
كما قام «أبو مسلم الخراسانى» والى إقليم «خراسان» بالتخلص من
أحد كبار الدعاة وهو «سليمان بن كثير»، الذى كان يُعرف بنقيب
النقباء، عقب اتهامه بالاتصال بأحد أبناء البيت العلوى وتحريضه
على الثورة ضد البيت العباسى.
وتُوفى الخليفة العباسى الأول «أبو العباس» بالأنبار فى (١٣ من ذى
الحجة سنة ١٣٦هـ= ٩ من يونيو سنة ٧٥٤م)، وعمره نحو ست وثلاثين
سنة.
الخليفة الثانى: أبو جعفر المنصور (١٣٦ - ١٥٨هـ= ٧٥٣ - ٧٧٥م):
هو «عبدالله بن محمد بن على بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب
الهاشمى»، وكنيته «أبو جعفر».
ولد سنة (٩٥هـ= ٧١٤م) فى قرية «الحميمة» بالشام، وتربى وسط
كبار الرجال من «بنى هاشم»، فنشأ فصيحًا عالمًا بسير الملوك
والأمراء، ودرس النحو والتاريخ والأدب شعرًا ونثرًا وغير ذلك، كما
كان كثير الأسفار والتنقل.
[ ٣ / ٤ ]
ولما تولى أخوه «أبو العباس» الخلافة استعان به فى محاربة أعدائه
وتصريف أمور الدولة، وكان ينوب عنه فى الحج، كما أوصى «أبو
العباس» قبيل وفاته مباشرة بولاية عهده لأخيه «أبى جعفر»، الذى
كان غائبًا فى موسم الحج، فلما تُوفِّى «أبو العباس» قام ابن أخيه
«عيسى بن موسى» بأخذ البيعة لأبى جعفر من «بنى هاشم»
وغيرهم، وأرسل إلى عمه «أبى جعفر» بوفاة أخيه ومبايعته
بالخلافة.
ولما وصل «أبو جعفر» إلى «الأنبار» استكمل أخذ البيعة من القادة
والرؤساء، ثم خطب فيهم مبيِّنًا سياسته فى إدارة الدولة فى النقاط
الآتية:
١ - زهده فى منصب الخلافة، وأنه لم يكن يتطلع إلى ذلك أو يرغب
فيه.
٢ - تعهده بتنفيذ ما ورد فى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه
وسلم -.
٣ - تعهده بإقرار العدل ورفع الظلم عن الناس، وإرجاع الحقوق إلى
أصحابها.
يُعدُّ «أبو جعفر المنصور» المؤسس الحقيقى للدولة العباسية، وقد
واجه بحزم واقتدار العديد من المشاكل والثورات حتى نجح فى
السيطرة عليها والقضاء على القائمين بها، ومنها: ثورة عمه «عبد الله
بن على»، وتمرد «أبى مسلم الخراسانى»، وثورة «محمد النفس
الزكية»، وثورات الفرس، وحركات الخوارج.
أولًا: ثورة عبد الله بن على:
يُعدُّ «عبد الله بن على» - عم الخليفة «أبى جعفر المنصور» - من
الشخصيات العسكرية البارزة فى «الدولة العباسية»، وقد شارك مثل
غيره من أفراد البيت العباسى، فى النشاط العسكرى والسياسى
حتى قامت «الدولة العباسية»، وتولى إمارة «الشام»، فلما تُوفِّى
الخليفة الأول «أبو العباس»، رفض «عبد الله بن على» مبايعة الخليفة
الجديد «أبى جعفر المنصور»، وأعلن أنه أحق منه بمنصب الخلافة،
وأن الخليفة «أبا العباس» كان قد وعده بذلك، ولم يكن هذا صحيحًا؛
لأن الخليفة «أبا العباس» كتب وصيته قبل وفاته بتولية أخيه «أبى
جعفر» الخلافة، كما أنه لم يرد عن أحد من أفراد البيت العباسى ما
يؤيد دعوى «عبد الله بن على».
[ ٣ / ٥ ]
وقد أحدث هذا خللًا شديدًا فى كيان البيت العباسى، فحاول «أبو
جعفر» رأب هذا الصدع، وأرسل إلى عمه عدة رسائل يدعوه إلى
الدخول فى طاعته، ولزوم الجماعة، إلا أن عمه رفض ذلك، فأرسل
إليه «أبو جعفر» قائده «أبا مسلم الخراسانى» على رأس جيش
كبير، ودارت معركة فاصلة بين الجيشين فى (جمادى الآخرة سنة
١٣٧هـ= نوفمبر سنة ٧٥٤م)، انتهت بانتصار جيش «أبى مسلم» وفرار
«عبدالله بن على» إلى «البصرة»، ثم استطاع الخليفة «أبو جعفر»
إحضاره منها إلى «الكوفة» وسجنه حتى مات سنة (١٤٧هـ= ٧٦٤م).
ثانيًا: تمرد أبى مسلم الخراسانى:
اختلفت المصادر التاريخية فى بيان أصل «أبى مسلم الخراسانى»،
والراجح أنه من أصلٍ فارسى، وقد التحق فى بداية أمره بخدمة
«إبراهيم الإمام» الذى أُعجب به ووثق فيه، واستعان به فى أموره
المهمة، وكان له دور بارز فى نجاح الدعوة العباسية، وقيام دولتها.
ورغم الجهود والأعمال التى قام بها «أبو مسلم» فإنه ارتكب بعض
الأخطاء الجسيمة فى حق الخلافة العباسية منها:
انفراده بالحكم فى «خراسان»، وتجاهله شيوخ الدعوة العباسية
ونقباءها هناك، وعدم تنفيذ أوامر الخليفة «أبى العباس» ثم تجاهله
لأبى جعفر فى مناسبات كثيرة، وتحريضه ابن أخيه «عيسى بن
موسى» على الثورة والاستئثار بمنصب الخلافة، وغير ذلك.
وقد حاول الخليفة «أبو جعفر» - فى البداية - معالجة الأمور بهدوء،
فاستدعى «أبا مسلم» من «خراسان» إلا أنه رفض الحضور فواصل
الخليفة مراسلاته، واستعان ببعض الزعماء للضغط على «أبى مسلم»
للحضور إلى مقر الخلافة فى «العراق»، إلا أن «أبا مسلم» رفض
ذلك، فأرسل الخليفة إليه يهدده ويتوعده إن لم يرضخ ويستجب
لأمره، وبعد مشاورات بين «أبى مسلم» وأنصاره استجاب وحضر
إلى قصر الخلافة، فعدد عليه الخليفة «أبو جعفر» ما ارتكبه من
أخطاء فى حق الدولة، ثم أمر بقتله.
ثالثًا: ثورة محمد النفس الزكية:
هو «محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب»،
[ ٣ / ٦ ]
المعروف بالنفس الزكية، زعيم البيت العلوى والشيعة، ومنذ مقتل
الإمام «على» - كرم الله وجهه - والشيعة يحاولون الوصول إلى مقعد
الحكم عن طريق الثورات والخروج على السلطة، باعتبارهم أصحاب
الحق الشرعى.
وبقيام «الدولة العباسية» وتولِّى العباسيين الخلافة انتقل صراع
العلويين على الخلافة من محاربة الأمويين إلى محاربة أبناء عمومتهم
العباسيين.
وعلى الرغم من أن أسرة «محمد النفس الزكية» لم تتخذ موقفًا عدائيًا
واضحًا فى بدء الخلافة العباسية فإن الأمر تغير حين تولَّى «أبو
جعفر المنصور» الخلافة وبدأ يتعقب «محمدًا النفس الزكية» وأخاه
«إبراهيم» اللذين اختفيا وأخذا يعملان سرا فى الدعوة لنفسيهما
والخروج على «الدولة العباسية».
ولما فشل «أبو جعفر المنصور» فى القبض على «محمد النفس
الزكية» أمر بالقبض على عدد كبير من أفراد أسرته، وحملهم إلى
سجون «العراق» وعذَّبهم لإرغام «محمد النفس الزكية» على الظهور،
وقد نجح «أبو جعفر» فى ذلك؛ فظهر «محمد النفس الزكية» فى
«المدينة المنورة» فى (رجب سنة ١٤٥هـ= سبتمبر سنة ٧٦٢م) وقتله
العباسيون هناك، كما قتلوا أخاه «إبراهيم» بالعراق، وكثيرًا من
أهلهما.
رابعًا: ثورات الفرس:
واجهت الخلافة العباسية فى عهد «أبى جعفر» عدة ثورات فارسية،
كانت تعبيرًا عن معارضة بعض العناصر الفارسية للخلافة الإسلامية،
ومن هذه الثورات:
حركة سنباذ سنة (١٣٧هـ= ٧٥٤م):
حيث قاد «سنباذ» - وهو أحد أتباع «أبى مسلم» - حركة ثورية للثأر
لمقتل «أبى مسلم الخراسانى»، ومحاربة الإسلام، وأحس الخليفة
«المنصور» بخطر هذه الحركة فأرسل جيشًا كبيرًا استطاع القضاء
على قوات «سنباذ» وقتله وهو فى طريقه لاجئًا إلى حاكم
«طبرستان».
حركة الرواندية (١٤١هـ= ٧٥٨م):
وهم قوم من أهل «خراسان»، سُموا بذلك نسبة إلى قرية «رواند»
القريبة من «أصفهان»، وكانوا من أتباع «أبى مسلم الخراسانى»،
إلا أنهم زعموا أن ربهم الذى يرزقهم ويطعمهم ويسقيهم هو
[ ٣ / ٧ ]
«المنصور»، وأعلنوا إيمانهم بفكرة «تناسخ الأرواح» واستطاعوا
دخول مدينة «الهاشمية»، عاصمة الخلافة العباسية آنذاك، وهاجموا
قصر الخلافة فتصدَّى لهم بعض الجنود البواسل، وعلى رأسهم «معن
بن زائدة الشيبانى»، واستطاعوا القضاء على هذه الحركة.
حركة أستاذ سيس سنة (١٥٠هـ= ٧٦٧م):
«أستاذ سيس» رجل فارسى ادَّعى النبوة، وقاد حركة تهدف إلى
تخليص بلاد فارس من قبضة العباسيين، واستطاع بجيوشه الضخمة
بسط نفوذه على مناطق «سجستان» و«هراة» و«كور خراسان»
وغيرها، فحشدت له الخلافة العباسية قوات ضخمة بقيادة «خازم بن
خزيمة التميمى»، استطاعت القضاء على هذه الحركة، وانتهى الأمر
بالقبض على «أستاذ سيس» وإعدامه.
خامسًا: حركات الخوارج:
نظر الخوارج إلى العباسيين على أنهم مغتصبون للخلافة التى ينبغى
أن يتقلدها أجدر المسلمين بها بالانتخاب، بغض النظر عن نسبه، ومن
ثم شهد العصر العباسى الأول عددًا من حركات الخوارج، بغرض
القضاء على الخلافة العباسية، ومنها:
١ - ثورة ملبد بن حرملة الشيبانى سنة (١٣٧هـ= ٧٥٤م) بأرض الجزيرة
(ديار بكر):
وشكلت خطرًا كبيرًا على العباسيين، إلا أن قائدهم «خازم بن
خزيمة» استطاع القضاء عليها.
٢ - ثورة حسان بن مجالد الهمدانى بالموصل سنة (١٤٨هـ= ٧٦٥م):
انتهت بالفشل لتفرق أنصاره عنه.
وفاة المنصور:
تُوفى «المنصور» فى (٦ من ذى الحجة سنة ١٥٨هـ= ٧ من أكتوبر
سنة ٧٧٥م)، وهو فى طريقه إلى الحج.
وقد أشار «ابن الأثير» فى كتابه «الكامل فى التاريخ» إلى أن
«المنصور» كان يجعل نهاره لتصريف أمور الدولة، فإذا صلَّى العصر
جلس مع أهل بيته، فإذا صلَّى العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد إليه
من رسائل البلاد، حتى يمضى ثلث الليل الأول فينام، ثم يقوم فى
الثلث الأخير فيتوضأ ويصلى حتى يطلع الفجر، فيصلى بالناس، ثم
يجلس فى ديوانه لتصريف أمور البلاد، وهكذا يقضى وقته.
الخليفة الثالث: محمد المهدى (١٥٨ - ١٦٩هـ= ٧٧٥ - ٧٨٥م):
[ ٣ / ٨ ]
هو «محمد بن عبدالله بن محمد» وُلد بالحميمة سنة (١٢٦هـ=٧٤٣م)،
وقد هيأه والده «المنصور» وأعده ليكون جديرًا بمنصب الخلافة من
بعده، فنشأ على ثقافة عربية واسعة، ودراية بفنون الحرب وأساليب
الإدارة.
وقد أوصى «المنصور» ابنه وولى عهده «محمدًا» وصية جامعة،
قبيل وفاته تضمنت:
١ - التمسك بأن تظل «بغداد» عاصمة للخلافة.
٢ - الاهتمام بأهل بيته وحاشيته وأهل «خراسان» لدورهم فى قيام
الدولة.
٣ - تقوى الله وإبعاد النساء عن السياسة.
٤ - تجنب إهدار دماء المسلمين، ومعاقبة المفسدين والملحدين
وتتبعهم.
٥ - الاستعداد المستمر بالقوة والسلاح، وأن يباشر الأمور بنفسه.
وعقب وفاة «المنصور» بويع «المهدى» بيعة خاصة من قبل الزعماء
بمكة، ثم بايعه جمهور المسلمين فى «بغداد» فى (ذى الحجة سنة
١٥٨هـ= أكتوبر سنة ٧٧٥م).
سياسة المهدى العامة:
اختلفت سياسة «المهدى» عمن سبقه، فاتسم عهده بالاستقرار
والهدوء والتسامح والصفح، فأطلق سراح المسجونين السياسيين،
واهتم بإقرار العدل بين الناس، وجلس للنظر فى مظالم الناس مستعينًا
بالقضاة، وأمر بالإنفاق على مرضى الجذام؛ حتى لا يختلطوا بالناس
فتصيبهم العدوى، كما اهتم اهتمامًا خاصا بالحرمين الشريفين
وبكسوة «الكعبة».
وقد عفا «المهدى» عن بعض آل البيت ومنحهم الأموال والإقطاعات،
وحينما أدى فريضة الحج سنة (١٦٠هـ= ٧٧٧م) وزع أموالًا كثيرة على
أهل «مكة» و«المدينة»، وأصدر عفوًا عاما عمن عاقبهم «المنصور»
من أهل «الحجاز»؛ لمشاركتهم فى الثورة العلوية، واختار خمسمائة
من رجال الأنصار وكوَّن منهم حرسه الخاص، كما قام ببث العيون
والجواسيس بالبلاد لرصد أى تحرك معادٍ للدولة، ورغم ذلك فقد حاول
بعض العلويين مثل «عيسى بن زيد بن على» و«على بن العباس بن
الحسن» القيام بثورة ضد الخلافة العباسية، لكنها لم تنجح؛ حيث
عاجلهما الموت.
سياسة المهدى تجاه الخوارج:
واجه «المهدى» عدة ثورات من الخوارج وقضى عليها بحزمه وسرعة
[ ٣ / ٩ ]
مواجهته، منها:
١ - ثورة «يوسف بن إبراهيم البرم» فى «خراسان» سنة (١٦٠هـ=
٧٧٧م).
٢ - حركة «عبدالسلام بن هاشم اليشكرى» فى «قنسرين» سنة
(١٦٠هـ= ٧٧٧م).
٣ - حركة الخوارج بالموصل بزعامة «ياسين الموصلى التميمى» سنة
(١٦٨هـ= ٧٨٤م).
الحياة الاجتماعية فى عهد المهدى:
ترك «المنصور» بعد وفاته فى بيت المال أربعة عشر مليون دينار
وستمائة مليون درهم، قام «المهدى» بتوزيعها على الناس؛ فشاع
بينهم الترف والنعيم واللهو واللعب، كما اتبعه الناس فى حبه للآداب
والفنون؛ فارتقت الآداب والفنون، وسادت بين طبقات الشعب، وكان
«المهدى» أول خليفة يُحمل إليه الثلج إلى «مكة» فى الحج، كما
كان مترفًا فى ملبسه ومأكله.
وفاة المهدى:
تُوفِّى «المهدى» سنة (١٦٩هـ= ٧٨٥م) وعمره ثلاث وأربعون سنة،
وقد قضى فى الحكم إحدى عشرة سنة.
الخليفة الرابع: موسى الهادى (١٦٩ - ١٧٠هـ= ٧٨٥ - ٧٨٦م):
هو «موسى» ابن الخليفة «المهدى»، تولى الخلافة فى (٢٢ من
المحرم سنة ١٦٩هـ= ٥ من أغسطس سنة ٧٨٥م).
سياسته:
اتصف الخليفة «الهادى» بالغيرة والشهامة والجرأة، ورفض تدخل
أمه «الخيزران» فى سياسة الدولة كما كانت تفعل فى عهد والده
«المهدى».
وقد واجه «الهادى» مشاكل خطيرة على رأسها ثورة البيت العلوى
بقيادة «الحسين بن على بن الحسن» فى «المدينة» سنة (١٦٩هـ=
٧٨٥م)، إلا أن «الهادى» أرسل جيشًا على وجه السرعة نجح فى
القضاء عليها فى (٨ من ذى الحجة سنة ١٦٩هـ=١١من يونيو سنة
٧٨٦م) وحاول «الهادى» نقل ولاية العهد من أخيه «الرشيد» إلى ابنه
«جعفر»، الذى لم يكن قد بلغ الثامنة من عمره مخالفًا وصية والده
فى ترتيب ولاية العهد، إلا أن الموت عاجله فلم يتحقق له ما أراد.
وفاته:
تُوفِّى «الهادى» ليلة الجمعة، (نصف ربيع الأول سنة ١٧٠هـ= نصف
أغسطس ٧٨٦م) وبذلك تكون مدة خلافته سنة وشهرًا واثنين وعشرين
يومًا.
الخليفة الخامس: هارون الرشيد (١٧٠ - ١٩٣هـ= ٧٨٦ - ٨٠٩م):
[ ٣ / ١٠ ]
هو «هارون بن محمد المهدى»، وُلد بالرى فى آخر (ذى الحجة سنة
١٤٥هـ= فبراير سنة ٧٦٣م)، وتولى الخلافة فى الليلة التى مات فيها
أخوه «الهادى» وعمره اثنان وعشرون عامًا.
ويُعدُّ «الرشيد» أشهر خلفاء العباسيين وأبعدهم صيتًا، فقد ملأت
أخباره كتب التاريخ شرقًا وغربًا.
سياسته العامة:
لما استقر «الرشيد» فى «بغداد» عاصمة الخلافة العباسية قلَّد
«يحيى البرمكى» منصب الوزارة وفوضه فى إدارة شئون البلاد،
ومنحه لقب «أمير»؛ فكان أول من لُقِّب بذلك من الوزراء الفرس فى
«الدولة العباسية».
اهتم «الرشيد» بإقامة العدل فى الناس، فأمر بإعادة الأراضى التى
اغتصبها أهل بيته فى عهد الخلفاء السابقين إلى أصحابها، ورفع
الظلم عن المسجونين ظلمًا، وقسم أموال ذوى القربى بين «بنى
هاشم» كلهم بالعدل، وأصدر عفوًا عن المعتقلين السياسيين، فأخرج
من كان فى السجن من العلويين، وسمح لهم بالعودة إلى «المدينة»،
ومنحهم الرواتب، كما أجرى «الرشيد» تعديلات واسعة فى مناصب
الدولة فى كل من «مكة» و«المدينة» و«الطائف» و«الكوفة»
و«خراسان» و«أرمينية» و«الموصل».
موقفه من الشيعة:
حاول «الرشيد» فى الأعوام الأولى من خلافته مسالمة العلويين
والعفو عنهم، إلا أنه كان يخشى خطورة اثنين منهم فرَّا عقب موقعة
«الفخ»، أما أولهما فهو «إدريس بن عبدالله» الذى نجح فى الوصول
إلى «المغرب الأقصى» وكون «دولة الأدارسة»، وأما الآخر فهو
«يحيى بن عبدالله» الذى فرَّ إلى «بلاد الدَّيلم» وتجمع حوله
المتشيعون لآل البيت، فأرسل إليه «الرشيد» جيشًا بقيادة «الفضل
بن يحىى»؛ لإرجاعه إلى حظيرة الخلافة، فعاد به إلى «بغداد»
حيث لقيه «الرشيد» بكل ما أحب، إلا أن الحاسدين سرعان ما وشوا
به عند الخليفة بسبب قيام الكثير من العلويين بزيارته والتودد إليه،
فأمر «الرشيد» بسجنه حتى مات. وقد استطاع بعض رجال الحاشية
الذين يكنون العداء للبيت العلوى تعميق خوف «الرشيد» من زعماء
[ ٣ / ١١ ]
البيت العلوى واستغلال ذلك للقضاء عليهم، كما حدث مع «موسى
الكاظم»؛ حيث أمر «الرشيد» بحبسِه حتى أدركه الموت.
موقفه من الخوارج:
واصل الخوارج نشاطهم العسكرى ضد الخلافة العباسية فى عهد
«الرشيد»، فقام «الوليد بن طريف الخارجى» بحركة تمرد وعصيان
فى «العراق» واستولى على أماكن عديدة، إلا أن «الرشيد» أرسل
إليه جيشًا بقيادة «يزيد الشيبانى» استطاع القضاء على هذه الحركة
وقتل قائدها فى (رمضان سنة ١٧٩هـ= نوفمبر سنة ٧٩٥م).
موقفه من البرامكة:
تمتع البرامكة فى بداية عهد «الرشيد» بالسلطة والجاه والنفوذ،
وتقلدوا مناصب الدولة المهمة، حتى إذا جاء شهر (صفر سنة ١٨٧هـ=
يناير سنة ٨٠٣م) أمر «الرشيد» بسجنهم، ومصادرة أموالهم
وممتلكاتهم، فيما عرف فى التاريخ بنكبة البرامكة.
وقد تضافرت عدة عوامل كانت سببًا فيما فعله «الرشيد» بالبرامكة،
منها:
١ - اتهامهم بالزندقة والخروج عن الإسلام باعتبارهم من أصل
مجوسى.
٢ - محاولتهم إبعاد العرب عن المناصب المهمة وتقديمهم الفرس
لشغلها.
٣ - استبدادهم بالأمور وإظهارهم ما لا تحتمله نفوس الملوك.
٤ - قيام الحاسدين والحاقدين بتضخيم أخطاء «البرامكة».
٥ - أن «الرشيد» كلف «جعفر بن يحيى البرمكى» بقتل رجل من آل
«أبى طالب» فلم يفعل.
المجتمع فى عهد الرشيد:
ازدهر المجتمع فى عهد «الرشيد» اقتصاديا وثقافيا وعلميا
وعمرانيا.
فقد تدفقت الأموال من كل مكان، واتسعت رقعة الدولة واستقر الأمن
بها وازدهرت التجارة، وأصبحت «بغداد» قبلة للطامحين فى الثراء
والترف، كما قصدها النوابغ والعباقرة والصناع المهرة من سائر
الشعوب، وشيدت فيها القصور الرائعة والمساجد الكبيرة، وانتشرت
الحدائق العامة، والأسواق المتخصصة كسوق الذهب والنحاس،
والنسيج وغير ذلك.
وكان «الرشيد» على قدر عالٍ من الثقافة والمعرفة، واجتمع عنده
أقطاب العلم والعمل والسياسة والحرب مثل: «أبى يوسف» تلميذ
[ ٣ / ١٢ ]
الإمام «أبى حنيفة»، و«الأصمعى» الراوية المشهور، و«أبى
العتاهية» و«أبى نواس» من الشعراء، وداهية السياسة «يحيى
البرمكى» وابنيه «الفضل» و«جعفر»، ومن المغنين «إبراهيم
الموصلى» وابنه «إسحاق»، ومن الموسيقيين «زلزل» و«برصوم»،
وغيرهم من أمراء العباسيين القادة والخطباء والشعراء والساسة.
وفاة الرشيد:
أثناء سفر «الرشيد» من «بغداد» إلى «خراسان» اشتد المرض عليه،
وتُوفِّى صباح يوم الجمعة (٢ من جمادى الآخرة سنة ١٩٣هـ= ٢٣ من
مارس سنة ٨٠٩م)، وعمره خمس وأربعون سنة.
وقد حكم «الرشيد» البلاد ثلاثة وعشرين عامًا، بلغت فيها «الدولة
العباسية» ذروة مجدها، وقد تحدث عنه كثير من المؤرخين، فقال
عنه «الطبرى»: «غزا سبع مرات، وجهز عشرين حملة للجهاد فى البر
والبحر». وقال عنه «ابن خلكان»: «حج فى خلافته تسع حجج،
وكان يصلى فى اليوم مائة ركعة».
الخليفة السادس: محمد الأمين (١٩٣ - ١٩٨هـ= ٨٠٩ - ٨١٣م):
هو «محمد بن هارون الرشيد»، وُلد بالرصافة وأمه «زبيدة» ابنة
«جعفر الأكبر بن المنصور»، تولى الخلافة عقب وفاة أبيه «هارون
الرشيد» باعتباره ولى عهده، وكان عمره حينئذٍ ثمانية وعشرين
عامًا.
الصراع بين الأمين والمأمون:
تشير مصادر التاريخ إلى أن بداية الخلاف كانت من جانب «الأمين»،
حين خالف أمر والده «الرشيد» فى مرضه، بأن يكون ما فى
معسكره من أموال ومتاع وجند لأخيه «المأمون»، فى «مرو»؛ مما
أحدث أثرًا سيئًا فى نفس «المأمون».
وكانت الخطوة التالية قيام «الأمين» بتعيين ابنه «موسى» وليا للعهد
بدلًا من أخويه «المأمون» و«المؤتمن»، فقام «المأمون» بإسقاط اسم
«الأمين» من الطرز والسّكَة، ومنع البريد من الوصول إليه بأخبار
«خراسان»، ثم طلب من أخيه «الأمين» أن يرد إليه مائة ألف دينار
كان والده «الرشيد» قد أوصى بها إليه فرفض «الأمين»، ثم تطور
الصراع بينهما إلى المواجهة العسكرية، فجهز «الأمين» جيشًا بقيادة
[ ٣ / ١٣ ]
«على بن عيسى بن ماهان»، وجهَّز «المأمون» جيشًا ضخمًا بقيادة
«طاهر بن الحسين»، ودارت عدة معارك بين الجيشين انتهت
بمحاصرة «بغداد» ومقتل «الأمين» سنة (١٩٨هـ= ٨١٣م)، وقد دامت
خلافة «الأمين» أربع سنوات وثمانية أشهر وخمسة أيام.
الخليفة السابع: عبد الله المأمون (١٩٨ - ٢١٨هـ= ٨١٣ - ٨٣٣م):
هو «عبد الله بن هارون الرشيد»، وُلد فى منتصف (ربيع الأول سنة
١٧٠هـ= أغسطس سنة ٧٨٦م) وأمه «أم ولد» فارسية تُسمَّى
«مراجل»، وكان يكنى «أبا العباس»، ويُلقب بالمأمون.
نشأ «المأمون» نشأة إسلامية، وتلقى العلوم العربية، وتدرَّب على
فنون القتال والنزال وقيادة الجند، كما أسند والده «الرشيد» إلى
وزيره «جعفر البرمكى» مهمة الإشراف على تنشئته، وقد أظهر
المأمون نبوغًا خلال دراسته.
ولما تولى «المأمون» الخلافةعزم أن يقدم القدوة الصالحة والسيرة
الحسنة فى الناس حتى يقتدى به رجال دولته، وكان يقول: «أول
العدل أن يعدل الملك فى بطانته، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ إلى
الطبقة السفلى».
كما اتصف «المأمون» بالعفو والحلم حتى اشتهر بذلك وهو القائل:
«لو عرف الناس حبى للعفو لتقربوا إلىّ بالجرائم، وأخاف ألا أؤجر
عليه»، يعنى لكونه طبعًا له يستلذ به.
سياسة المأمون:
انتهج «المأمون» سياسة واعية تقوم على أسس واضحة منها:
١ - تأليف القلوب بالعفو والعطاء، وقد عد «اليعقوبى» سبع عشرة
حادثة يستحق صاحب كل واحدة منها القتل عند أمثال «المنصور»،
لكنها قوبلت عند «المأمون» بالعفو.
٢ - العناية بالعلم والعلماء: كان للمأمون ولعٌ بالأمور العلمية
والفلسفية، فكان يعقد مجالس المناظرة ويبعث فى طلب العلماء
والأعلام من «بيزنطة» لحضورها، وكان يتصيَّد الكتب النادرة ويدفع
فيها المبالغ الطائلة، ويجعل حصوله عليها شرطًا من شروط الهدنة
ووقف القتال مع الروم، كما أقام «بيت الحكمة» وجعل فيها مكتبة
ضخمة، وجهازًا كبيرًا للترجمة من مختلف اللغات إلى اللغة العربية،
[ ٣ / ١٤ ]
حشد له نحو سبعين مترجمًا.
المأمون والشيعة:
جمعت سياسة «المأمون» تجاه الشيعة بين أمرين هما السخط
والرضا.
أما العنف فقد تمثل فى سياسة «المأمون» تجاه الثورات الشيعية
المسلحة التى اندلعت فى عدة أماكن، مثل حركة «ابن طباطبا
العلوى» سنة (١٩٩هـ= ٨١٤م)، وحركة «الحسين بن الحسن» فى
«الحجاز»، وحركة «عبدالرحمن بن أحمد» فى «اليمن» سنة (٢٠٧هـ=
٨٢٢م)، وقد انتهت هذه الحركات بالفشل فى تحقيق أغراضها.
وأما الرضا فقد تمثل فى قيام «المأمون» باختيار أحد أبناء البيت
العلوى وهو «على بن موسى الرضا» ليكون ولى العهد من بعده،
وهو ما لم يفعله أحد من خلفاء «بنى العباس» قبله، وقد اختلف
المؤرخون فى تعليل قيام «المأمون» بهذا الأمر، فمنهم من فسر ذلك
بميول «المأمون» الشيعية وحرصه على تولية أفضل العناصر ولاية
العهد، وآخرون أرجعوا ذلك إلى تأثير «الفضل بن سهل» وميوله
الشيعية.
وقد أحدثت بيعة «المأمون» لعلى بن موسى الرضا بولاية العهد ردود
فعل عنيفة فى أنحاء «الدولة العباسية» فرفض أفراد البيت
العباسى ومؤيدوهم هذه البيعة، وبايعوا «إبراهيم بن المهدى» عم
«المأمون» بالخلافة سنة (٢٠٢هـ= ٨١٧م) ولما علم «المأمون» بذلك
وهو فى «مرو» بخراسان تحرك قاصدًا «بغداد» لمعالجة الموقف،
وأثناء ذلك مات «على الرضا» ولى العهد، فهدأ الموقف، وهرب
«إبراهيم بن المهدى» من «بغداد»، ودخلها «المأمون»، ثم عفا عنه.
المأمون والفرس:
يمكن تقسيم نشاط الفرس فى عهد المأمون إلى قسمين:
١ - نشاط سياسي.
٢ - نشاط عسكرى.
ويتمثل النشاط السياسى فى الدور الذى لعبه «بنو سهل» مع
«الخليفة المأمون»، وهو يشبه تمامًا دور البرامكة مع «هارون
الرشيد»، حيث سلم «المأمون» «الفضل بن سهل» مقاليد الأمور،
فصارت مهام الدولة فى يده، وبدأ فى إبعاد العناصر العربية من بلاط
«المأمون»، وتعصب للعنصر الفارسى، وارتكب مجموعة أخرى من
[ ٣ / ١٥ ]
الأخطاء؛ مما جعل «المأمون» يفكر فى التخلص منه، فقتل أثناء سفر
«المأمون» إلى «بغداد».
أما النشاط العسكرى فيتمثل فى حركة «بابك الخرمى»،التى
تُعدُّ أخطر الحركات الفارسية المعادية للخلافة العباسية، فقد استمرت
ما يزيد على عشرين عامًا واتسمت بدقة التنظيم وبراعة القيادة،
والاتصال السياسى بالأكراد والأرمن وغيرهم، وكانت تؤمن بمبادئ
هدامة منها:
١ - الإيمان بالحلول والتناسخ حتى إن زعيمها «بابك» ادَّعى
الألوهية.
٢ - المشاعية المزدكية فى الأموال والأعراض.
٣ - ضرورة التخلص من السلطان العربى والدين الإسلامى.
وقد ألحقت هذه الحركة العديد من الهزائم بالجيش العباسى ولم يتم
القضاء عليها إلا فى عهد «المعتصم بالله».
وفاة المأمون:
ظل «المأمون» خليفة للمسلمين عشرين سنة وخمسة أشهر وعشرين
يومًا، وقد تُوفِّى فى (١٨من رجب سنة ٢١٨هـ= ٨٣٣م).
الخليفة الثامن: المعتصم بالله (٢١٨ - ٢٢٧هـ= ٨٣٣ - ٨٤٢م):
هو «محمد بن هارون الرشيد»، وُلد فى (شعبان سنة ١٨٠هـ= أكتوبر
سنة ٧٩٦م)، وأمه جارية تركية اسمها «مارده»، وقد تولى الخلافة
عقب وفاة أخيه «المأمون».
كان «المعتصم» يتميز بقوته الجسمية وشدته فى الحرب، حتى قيل
عنه: إنه كان يصارع الأسود ويحمل ألف رطل ويمشى به خطوات
ويشد على الدينار بأصبعه السبابة والوسطى فيمحو كتابته، وقال
عنه المؤرخون: إنه لم يكن فى «بنى العباس» قبله أشجع منه ولا أتم
تيقظًا ولا أشد قوة.
ومع ذلك فقد كان «المعتصم» على خلاف أخويه «الأمين»
و«المأمون» فى العلوم والآداب، فقد كان قليل البضاعة منهما، حتى
ذكر بعض المؤرخين أنه نشأ أميا لا يكتب، أو أنه كان ضعيف الكتابة
على حد قول «ابن خلكان» و«ابن كثير».
سياسة المعتصم:
اختلفت الأوضاع السياسية فى عهد «المعتصم» عنها فى عهد من
سبقه، بسبب ظهور عوامل جديدة على مسرح الأحداث، كان فى
مقدمتها ظهور العنصر التركى قوة مؤثرة فى حركة الأحداث؛ فتمتع
[ ٣ / ١٦ ]
الأتراك بصفات عسكرية كالشدة والقوة والتحمل جعل «المعتصم»
يستكثر منهم، يضاف إلى ذلك أن أمه تركية.
إلا أن كثرة الأتراك سببت أضرارًا كبيرة لسكان «بغداد»، مما دفع
«المعتصم» إلى البحث عن مكان جديد يكون عاصمة له فوقع الاختيار
على المكان الذى بنيت عليه مدينة «سُرّ من رأى» (سامراء حاليا)
التى بُدء البناء فيها سنة (٢٢١هـ= ٨٣٦م)، ويتميز موقعها بميزات
سياسية واقتصادية وعسكرية، فمن الناحية السياسية فإنها فى
موقع متوسط يسهل الاتصال بأنحاء الدولة، ومن الناحية الاقتصادية
فإن موقعها يسهل عمليات التبادل التجارى بين النواحى الشمالية
والجنوبية، وعسكريا فإن إحاطة المياه بها يجعلها فى مأمن من أى
عدوان خارجى.
ومن الأعمال العظيمة التى تنسب إلى «المعتصم بالله» نجاحه فى
القضاء على ثورة «بابك الخرمى»، فحينما تولى أمر البلاد جهز
جيشًا بقيادة «الأفشين» وزوَّده بكل أدوات القتال وبالمال اللازم؛
حيث دارت عدة معارك، انتهت بالقبض على «بابك الخرمى» وإعدامه.
المعتصم والشيعة:
لم تظهر فى عهد «المعتصم» حركات علوية مؤثرة كالحركات التى
حدثت فى عهد الخلفاء السابقين، وإنما حدثت بعض الحركات
الضعيفة، ومنها:
حركة «محمد بن القاسم» المعروف بالصوفى، سنة (٢١٩هـ= ٨٣٤م):
والذى تحرك فى عدة أماكن كالحجاز و«الكوفة» ثم استقر فى
«خراسان»، وشكلت حركته خطرًا على «الدولة العباسية»، فكلف
«المعتصم» واليه على «خراسان» «عبدالله بن طاهر» بالتصدى لهذه
الحركة؛ حيث نجح فى القضاء عليها.
وفاة المعتصم بالله سنة (٢٢٧هـ= ٨٤١م):
تُوفى «المعتصم بالله» فى شهر (ربيع الأول سنة ٢٢٧هـ= ديسمبر
سنة ٨٤١م)، وقد أطلق عليه بعض المؤرخين «المُثَمن»، لأن خلافته
دامت ثمانى سنين وثمانية أشهر ويومين، ومولده فى الشهر الثامن
من العام الهجرى، ومات عن ثمانية بنين وثمانى بنات.
الخليفة التاسع: الواثق بالله: (٢٢٧ - ٢٣٢هـ = ٨٤١ - ٨٤٧م)
[ ٣ / ١٧ ]
هو «هارون بن المعتصم بالله»، يكنى «أبا جعفر» وأمه أم ولد
رومية تُسمى «قراطيس»، وكان فطنًا لبيبًا فصيحًا ينظم الشعر ويحب
الموسيقى.
وقد تولى «الواثق بالله» الحكم يوم وفاة والده «المعتصم».
سياسة الواثق بالله:
تظهر ملامح تلك السياسة فيما يلى:
أولًا: تمسكه بمذهب المعتزلة، حتى جعله المذهب الرسمى للدولة، مما
أثار أهل السنة ضده، إلا أنه تصدى لهم وقبض على زعمائهم.
ثانيًا: تقريبه للأتراك جريًا على سياسة والده «المعتصم»، حتى إنه
قسم البلاد بين رجلين من الأتراك، الأول «أشناس» وأعطاه الشطر
الغربى من الدولة إلى آخر بلاد «المغرب»، والثانى قائده «إيتاخ»
وأعطاه الشطر الشرقى: «دجلة» و«فارس» و«السند»، وكان كل
منهما يعين الولاة الذين يريدهم، هذا بالإضافة إلى عدد من القادة
الأتراك الذين شغلوا مناصب خطيرة، مثل: «وصيف التركى» الذى
أوكل إليه «الواثق» القضاء على ثورة المتمردين الأكراد، و«بغا
الكبير» الذى أخمد ثورة الأعراب بنواحى «المدينة».
وكان الواثق يغدق عليهم الأموال والهدايا.
ثالثًا: مصادرة أموال كبار الموظفين، مثل «أحمد بن إسرائيل»، الذى
أخذ منه ثمانين ألف دينار، و«سليمان بن وهب» كاتب «إيتاخ»،
الذى أخذ منه أربعمائة ألف دينار، وغيرهما، مما ترك آثارًا سيئة فى
الجهاز الإدارى والاستقرار المالى للدولة، وأصابهما بالفساد والخلل.
رابعًا: إحسانه إلى بعض طوائف الأمة، وفى مقدمتهم العلويون حيث
أغدق عليهم الأموال.
وفاة الواثق بالله:
استمر «الواثق» فى مقعد الخلافة خمس سنين وتسعة أشهر، ثم
أُصيب بمرض الاستسقاء، ومات فى (ذى الحجة سنة ٢٣٢هـ= يوليو
سنة ٨٤٧م)، وعمره اثنان وثلاثون عامًا، وقيل: ستة وثلاثون.
السمات العامة للعصر العباسى الأول (١٣٢ - ٢٣٢هـ = ٧٤٩ - ٨٤٧م):
امتد العصر العباسى الأول مائة سنة، تولى الخلافة خلالها تسعة
خلفاء، بدءًا من «أبى العباس» وانتهاءً بالواثق بالله، ويمكن تقسيم
[ ٣ / ١٨ ]
هذا العصر إلى ثلاثة عهود رئيسية:
١ - عهد التأسيس من سنة: (١٣٢هـ=٧٤٩م) إلى سنة (١٥٨هـ= ٧٧٥م)،
ويشمل خلافة «أبى العباس» و«المنصور».
٢ - عهد الاستقرار: من سنة (١٥٨هـ= ٧٧٥م) إلى سنة (٢١٨هـ= ٨٣٣م)،
ويشمل خلافة «المهدى» و«الهادى» و«الرشيد»
و«الأمين» و«المأمون».
٣ - عهد القلق: من سنة (٢١٨هـ=٨٣٣م) إلى سنة (٢٣٢هـ= ٨٤٧م)،
ويشمل «المعتصم بالله» و«الواثق بالله».
ويتميز العصر العباسى الأول بالسمات الآتية:
أولًا: كثرة الصراعات: ومن ذلك:
١ - الصراع بين العرب - ومنهم أسرة الخلافة - والفرس - ومنهم الوزراء
والإداريون وغيرهم- مثلما حدث بين «الرشيد» و«البرامكة»،
و«المأمون» و«بنى سهل».
٢ - الصراع بين فروع البيت الهاشمى: العباسيين، والعلويين، مثلما
حدث بين الخليفة «المنصور» و«محمد النفس الزكية».
٣ - الصراع بين الخلافة العباسية والحركات المعادية لها من العرب
وغيرهم، وقد تمثل ذلك فى حركات الخوارج.
٤ - الصراع بين الإسلام - الدين الرسمى للدولة- وبين العقائد الأخرى
التى ظهرت فى بلاد فارس كالخُرَّمية وغيرها من العقائد الفاسدة.
ثانيًا: اتساع العلاقات الخارجية:
فقد بسطت الخلافة العباسية سلطانها على بلادٍ كثيرة شرقًا وغربًا،
وتعددت علاقاتها مع الدول الأخرى وفى مقدمتها:
أ - الدولة البيزنطية:
وكانت العدو التقليدى للدولة الإسلامية منذ عهد الرسول - صلى الله
عليه وسلم -، وقد اشتد هذا العداء بعد استيلاء المسلمين على بعض
المناطق التى كانت خاضعة للدولة البيزنطية، كالشام و«مصر»
و«المغرب».
وخلال العصر العباسى الأول حدث الاحتكاك المباشر بين القوات
الإسلامية والبيزنطية على الحدود الشمالية فى منطقة «الشام»، فقد
استغلت «الدولة البيزنطية» انشغال الخليفة العباسى الأول «أبى
العباس عبد الله بن محمد»، بتثبيت أركان الدولة سنة (١٣٢هـ= ٧٤٩م)،
وقامت بمهاجمة الحصون والثغور الإسلامية؛ فأمر الخليفة «أبو
[ ٣ / ١٩ ]
العباس» واليه على «الشام» بالإعداد لمواجهة البيزنطيين، ولكن
الموت عاجله، وجاء «المنصور» فأمر بتحصين الثغور وإعادة بناء ما
هدمه البيزنطيون، وجعل لها حكمًا إداريًا مستقلًا، وحشد فيها آلاف
المقاتلين والمرابطين فى سبيل الله.
وكانت هذه الثغور تنقسم إلى قسمين:
١ - الثغور الجزرية: للدفاع عن الجزيرة الفراتية وشمال «العراق»
وأهم حصونها «ملطية» و«المصيصة»، و«مرعش».
٢ - الثغور الشامية: وتقع غرب الثغور الجزرية، وهى للدفاع عن
«الشام»، وأهم حصونها «طرسوس»، و«أدنة».
وفى سنة (١٦٢هـ=٧٧٩م) أرسل «المهدى» جيشًا ضخمًا بقيادة
«الحسن بن قحطبة»، فتوغل فى بلاد الروم ونشر الرعب بين
صفوفهم.
وفى سنة (١٦٣هـ= ٧٨٠م) خرج «المهدى» بنفسه على رأس الجيش
متجهًا إلى الحدود البيزنطية، ووصل إلى «الموصل» ثم «حلب»؛ حيث
ترك ابنه «هارون الرشيد» ليتابع جهاده ضد البيزنطيين، وفى عهد
«الرشيد» (١٧٠ - ١٩٣هـ= ٧٨٦ - ٨٠٩م) أمر بجعل منطقة الثغور منطقة
مستقلة باسم «الثغور والعواصم» وأقام خطين للدفاع عن حدود
الدولة مع البيزنطيين، الخط الأول هو الثغور، والخط الثانى إلى
الجنوب من الخط الأول، ويُسمَّى: العواصم.
كما قام «الرشيد» ببناء حصون جديدة، مثل «عين زرية»، و«زبطرة»
وغيرهما. وقد حاول «نقفور» إمبراطور «الدولة البيزنطية» الامتناع
عن دفع الجزية للخلافة العباسية، فأرسل إليه «الرشيد» يقول: «بسم
الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم،
قد قرأت كتابك يا بن الكافرة والجواب ما تراه دون أن تسمعه
والسلام». وخرج «الرشيد» بنفسه على رأس جيش ضخم ألحق الهزيمة
بالقوات البيزنطية وأرغم الإمبراطور «نقفور» على الخضوع ودفع
الجزية مرة أخرى.
ونظرًا لكثرة المعارك بين العباسيين والبيزنطيين، فقد وقع كثير من
جنود الطرفين أسرى، وقد حرصت الخلافة العباسية على فداء
أسرى المسلمين، فى عهد «الرشيد» سنة (١٨١هـ= ٧٩٧م).
[ ٣ / ٢٠ ]
وقد سار «المأمون» (١٩٨ - ٢١٨هـ= ٨١٣ - ٨٣٣م) على سياسة والده
نفسها، فى استمرار النشاط العسكرى ضد البيزنطيين، وكان النصر
حليف المسلمين.
وتعدُّ معركة «عمورية» سنة (٢٢٣هـ= ٨٣٨م)، أبرز المعارك بين
المسلمين والبيزنطيين فى عهد «المعتصم بالله»، وكان سببها اعتداء
الإمبراطور البيزنطى «تيوفيل بن ميخائيل» على بعض الثغور
والحصون على حدود «الدولة الإسلامية»، وحين بلغ «المعتصم» ما
وقع للمسلمين فى هذه المدن، وصيحة امرأة مسلمة وقعت فى أسر
الروم: وامعتصماه، فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك لبيك،
وجهز جيشًا ضخمًا أرسله على وجه السرعة لإنقاذ المسلمين، ثم خرج
بنفسه على رأس جيش كبير وفتح مدينة «عمورية»، وهى من أعظم
المدن البيزنطية، واستولى على ما بها من مغانم وأموال كثيرة جدا.
ب - الدولة الأموية بالأندلس:
وكانت علاقة العباسيين بها علاقة عداء وتربص، فقد استطاع
«عبدالرحمن بن معاوية» - بعد فراره من العباسيين إلى «الأندلس» -
أن يؤسس «الدولة الأموية» بالأندلس وعاصمتها «قرطبة» سنة
(١٣٨هـ= ٧٥٥م).
وقد حاولت الخلافة العباسية بسط نفوذها على بلاد «الأندلس»
والقضاء على «الدولة الأموية» بها، فدبَّر «أبو جعفر المنصور» ثورة
«العلاء بن مغيث الجذامى» فى مدينة «باجة» الأندلسية سنة (١٤٦هـ=
٧٦٣م)، وقام «المهدى» بمساندة الثورات الداخلية التى كانت تقوم
لحساب «الدولة العباسية»، ولكن كل هذه المحاولات والثورات باءت
بالفشل بسبب يقظة الأمير الأموى «عبد الرحمن الداخل» وحزمه، وقد
لقبه «أبو جعفر المنصور» بصقر قريش، بل إن «عبدالرحمن الداخل»
أشاع عزمه على غزو «الشام» وانتزاعه من «الدولة العباسية»،
وكتب إلى أنصاره فى «الشام» بذلك وعهد إلى ابنه «سليمان»
بولاية «الأندلس»، وذلك بغرض إزعاج «الدولة العباسية» وإرغامها
على وقف محاولاتها المستمرة لاسترداد بلاد «الأندلس».
ج - الدولة الكارولونجية:
[ ٣ / ٢١ ]
وكانت إحدى القوى الناشئة فى غربى «البحر المتوسط» (جنوبى
فرنسا حاليا)، وقام بينها وبين الدولة العباسية علاقات سياسية،
وجرى تبادل السفراء بين الدولتين فى عهد «هارون الرشيد»، وقد
سعى زعيم «الدولة الكارولونجية» «شارلمان» إلى كسب وده لتعزيز
موقفه الداخلى والخارجى، وتبادل معه الهدايا الثمينة.
[ ٣ / ٢٢ ]
الفصل الثالث