[٢٣٢ - ٦٥٦هـ = ٨٤٧ - ١٢٥٨ م]
يمتد العصر العباسى الثانى أكثر من أربعة قرون، وقد قسم
المؤرخون هذه الفترة إلى أربعة عصور رئيسية هى:
١ - عصر نفوذ الأتراك.٢ - عصر البويهيين.
٣ - عصر السلاجقة.٤ - عصر ما بعد السلاجقة.
أولًا: عصر نفوذ الأتراك [٢٣٢ - ٣٣٤ هـ = ٨٤٧ - ٩٤٥م]:
كان «المأمون» أول من استخدم الأتراك وقربهم، ولكنهم كانوا
محدودى العدد والنفوذ فى عهده، فلما تولى الخليفة «المعتصم»
الحكم جعلهم عنصرًا أساسيا فى جيشه، وبلغ عددهم بضعة عشر
ألفًا، وكانوا تحت سيطرة الخليفة.
وبدأ نفوذ الأتراك يتزايد فى عهد «الواثق»، ثم ازداد حدة واتساعًا
فى عهد الخليفة «المتوكل».
ويمتد عصر نفوذ الأتراك إلى ما يزيد قليلًا على قرن من الزمان،
تعاقب خلاله على كرسى الخلافة ثلاثة عشر خليفة هم:
١ - المتوكل على الله «جعفر بن المعتصم» (٢٣٢ - ٢٤٧هـ= ٨٤٧ - ٨٦١م).
٢ - - المنتصر بالله «محمد بن المتوكل» (٢٤٧ - ٢٤٨هـ= ٨٦١ - ٨٦٢م).
٣ - المستعين بالله «أحمد بن المعتصم» (٢٤٨ - ٢٥٢هـ= ٨٦٢ - ٨٦٦م).
٤ - المعتز بالله «محمد أبو عبدالله بن المتوكل» (٢٥٢ - ٢٥٥هـ= ٨٦٦ -
٨٦٩م).
٥ - المهتدى بالله «محمد بن الواثق بن المعتصم» (٢٥٥ - ٢٥٦هـ= ٨٦٩ -
٨٧٠م).
٦ - المعتمد على الله «أحمد بن المتوكل بن المعتصم» (٢٥٦ - ٢٧٩هـ=
٨٧٠ - ٨٩٢م).
٧ - المعتضد بالله «أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل» (٢٧٩ - ٢٨٩هـ=
٨٩٢ - ٩٠٢م).
٨ - المكتفى بالله «أبو محمد على بن المعتضد» (٢٨٩ - ٢٩٥هـ= ٩٠٢ -
٩٠٨م).
٩ - المقتدر بالله «أبو الفضل جعفر بن محمد» (٢٩٥ - ٣٢٠هـ= ٩٠٨ -
٩٣٢م).
١٠ - القاهر بالله «أبو منصور محمد بن المعتضد» (٣٢٠ - ٣٢٢هـ= ٩٣٢ -
٩٣٤م).
١١ - الراضى بالله «أبو العباس محمد بن المقتدر بن المعتضد» (٣٢٢ -
٣٢٩هـ= ٩٣٤ - ٩٤١م).
١٢ - المتقى لله «أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر» (٣٢٩ - ٣٣٣هـ= ٩٤١ -
٩٤٥م).
[ ٣ / ٣٣ ]
١٣ - المستكفى بالله «أبو القاسم عبد الله بن المكتفى» (٣٣٣ - ٣٣٤هـ=
٩٤٥ - ٩٤٦م).
(١) المتوكل على الله: وقد تولى الخلافة فى ذى الحجة سنة (٢٣٢هـ=
٨٤٧م)، وكان عهده بداية حقبة الضعف والتدهور، وتفكك بنيان
الخلافة العباسية.
ورغم أن «المتوكل»: كان قوى الشخصية، وافر الهيبة فإنه لم
يستطع أن يضع حدا لاستفحال النفوذ التركى فى عهده، الذى كان
له دور فى توليته الخلافة بعد أن كادت البيعة تتم لمحمد بن الواثق،
وكان غلامًا.
وقد نجح «المتوكل» فى البداية فى التخلص من أخطر العناصر
التركية فى عهده، وهو «إيتاخ» الذى استفحل خطره حتى إنه همَّ
يومًا بقتل الخليفة «المتوكل» حين تبسَّط معه فى المزاح، لكن الخليفة
نجح فى التخلص منه سنة (٢٣٥هـ= ٨٤٩م)، كما عزم على التخلص من
قادة الأتراك ووجوههم، مثل «وصيف» و«بُغا»، إلا أنهم استغلوا ما
بينه وبين ابنه وولى عهده «محمد المنتصر» من خلاف وجفوة ودبروا
مؤامرة انتهت بقتل «المتوكل» ووزيره «الفتح بن خاقان» فى
الخامس من شوال سنة (٢٤٧هـ= ٨٦١م)، وبايعوا ابنه «المنتصر» خليفة.
وقد استطاع «المتوكل» فى عهده أن يظفر بمكانة عظيمة فى قلوب
جماهير المسلمين، حين منع النقاش فى القضايا الجدلية التى أثارها
المعتزلة، مثل قضية خلق القرآن، كما رد للإمام «أحمد بن حنبل»
اعتباره وجعله من المقربين إليه، بعد أن اضطُهد فى عهد «المأمون»
و«المعتصم» و«الواثق»؛ لعدم إقراره القول بخلق القرآن، كما أمر
«المتوكل» الفقهاء والمحدِّثين أن يجلسوا للناس ويحدثوهم بالأحاديث
التى فيها رد على المعتزلة فأثنى الناس عليه، حتى قالوا: الخلفاء
ثلاثة: «أبو بكر الصديق» قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، و«عمر
بن عبدالعزيز» رد مظالم «بنى أمية»، و«المتوكل» محا البدع وأظهر
السنة.
(٢) المنتصر بالله:
تولى الخلافة فى اليوم الذى قُتل فيه أبوه، وذلك فى شوال سنة
(٢٤٧هـ= ديسمبر سنة٨٦١م)، وعمره ستة وعشرون عامًا. وحاول
[ ٣ / ٣٤ ]
التصدى للنفوذ التركى بكل حزم، وصار يسب الأتراك ويقول: هؤلاء
قتلة الخلفاء.
ورغم أن «المنتصر بالله» كان وافر العقل قوى الشخصية فإن
الأتراك احتالوا على قتله، فأعطوا طبيبه «ابن طيفور» ثلاثين ألف
دينار، ففصده بمبضع مسموم فمات، فى (ربيع الآخر سنة ٢٤٨هـ=
يونيو سنة٨٦٢م) بعد حكم دام ستة أشهر فقط، ويروى أنه حينما
احتضر، قال لأمه: «يا أماه! ذهبت منى الدنيا والآخرة، عاجلت أبى
فعوجلت».
ومن مآثر «المنتصر بالله»، خلال فترة حكمه القصيرة، إحسانه إلى
العلويين، وإزالته عنهم ما كانوا فيه من خوف وضيق فى عهد أبيه
«المتوكل».
(٣) المستعين بالله:
هو «أحمد بن المعتصم»، تولى الخلافة فى السادس من (ربيع الآخر
سنة ٢٤٨هـ= يونيو سنة ٨٦٢م)، وعمره ثمانٍ وعشرون سنة، فعقب
وفاة «المنتصر» اجتمع الأتراك بزعامة «بُغا الصغير» و«بُغا الكبير»،
وقرروا عدم تولية أحد من أولاد «المتوكل» الخلافة، خوفًا من انتقامه
منهم، وبايعوا «أحمد بن المعتصم»، الملقَّب بالمستعين بالله.
وكان من الطبيعى ألا يكون للمستعين بالله مع الأتراك أمر ولا نهى،
ولم يمضِ وقت طويل حتى غضب عليه الأتراك وقرروا خلعه ومبايعة
«المعتز بالله محمد بن المتوكل»؛ فاشتعلت الحرب بين أنصار
«المستعين» وأنصار «المعتز»، وانتهت بالقبض على «المستعين»
وقتله فى سجنه فى (شوال سنة ٢٥٢هـ= ديسمبر سنة ٨٦٦م).
وقد شهدت خلافة «المستعين بالله» قيام «الدولة العلوية» بطبرستان
سنة (٢٥٠هـ= ٨٦٤م)، على يد «الحسن بن زيد العلوى» الملقب
بالداعى الكبير، واستمرت هذه الدولة حتى سنة (٣١٦هـ= ٩٢٨م).
(٤) المعتز بالله محمد بن المتوكل:
بويع له بالخلافة فى شوال سنة (٢٥٢هـ= ديسمبر سنة ٨٦٦م)، وعمره
تسعة عشر عامًا، وقد استضعفه الأتراك وطلبوا منه مالًا فاعتذر لهم
بفراغ بيت المال، فثاروا عليه وضربوه ومزقوا ملابسه، وأقاموه فى
الشمس، فكان يرفع رجلًا ويضع أخرى من شدة الحر، ثم سجنوه
[ ٣ / ٣٥ ]
وعذبوه حتى مات (فى شعبان سنة ٢٥٥هـ= يوليوسنة ٨٦٩م).
وكان من أهم الأحداث التى شهدتها خلافة «المعتز» قيام «الدولة
الصفَّارية» فى «فارس» بزعامة «يعقوب بن الليث الصفَّار» وذهاب
«أحمد بن طولون» إلى «مصر» سنة (٢٥٤هـ= ٨٦٨م) نائبًا عن واليها،
لكنه استطاع فى فترة لاحقة أن يستقل بها عن العباسيين، وأن
يضم إليها «الشام» مكونًا بذلك «الدولة الطولونية» فى «مصر»
و«الشام».
(٥) المهتدى بالله محمد بن الواثق:
بايع الأتراك «المهتدى بالله» خليفة للمسلمين فى (رجب سنة ٢٥٥هـ=
يونيو سنة٨٦٩م)، عقب الإطاحة بالمعتز، وقد كان «المهتدى» تقيا
شجاعًا حازمًا، وكان يتخذ «عمر بن عبدالعزيز» مثله الأعلى، ويقول:
إنى أستحيى أن يكون فى «بنى أمية» مثله، ولا يكون مثله فى
«بنى العباس»، ولذلك نبذ الملاهى وحرَّم الغناء والخمور وحارب
الظلم.
حاول «المهتدى بالله» أن يوقف طغيان الأتراك واستبدادهم فقتل
بعضهم، فثاروا عليه وأسروه وعذبوه ليخلع نفسه فرفض، فقاموا
بخلعه وسجنه وتعذيبه حتى مات فى (رجب سنة ٢٥٦هـ= يونيو ٨٧٠م).
وقد كان من أهم الأحداث التى شهدها عصر «المهتدى بالله»:
ثورة الزَّنج: وسُميت بذلك لأن أعدادًا كبيرة من الذين شاركوا فيها
كانوا عبيدًا سودًا، واندلعت هذه الثورة فى «البصرة» بزعامة «على
بن محمد»، الذى قيل إنه ينتسب إلى آل البيت، وحققت مكاسب
سياسية ومادية؛ فاستولت فى مدة قصيرة على بعض المدن المهمة
فى «العراق»، مثل «البصرة» و«واسط» و«الأهواز»، ووصلت إلى
«البحرين» و«هجر»، وارتكبت مذابح بشعة ضد السكان الآمنين، وقد
استطاع القائد العباسى «الموفق طلحة بن المتوكل» القضاء على
هذه الثورة - فيما بعد - سنة (٢٧٠هـ= ٨٨٣م) فى خلافة أخيه «المعتمد
على الله».
(٦) المعتمد على الله، وصحوة الخلافة:
تولى «المعتمد على الله أحمد بن المتوكل» الخلافة بعد خلع
«المهتدى» سنة (٢٥٦هـ= ٨٧٠م)، وقد أتاحت الظروف التى تولى فيها
[ ٣ / ٣٦ ]
«المعتمد» مقاليد الحكم ظهور ما عُرف باسم «صحوة الخلافة» فى
«العصر العباسى الثانى».
فقد تصاعد النزاع الداخلى بين القادة الأتراك، وساءت معاملتهم
لجنودهم، كما ازدادت شكوى الجمهور من مضايقاتهم، مما أدى إلى
ظهور اتجاه قوى داخل الجيش بحتمية جعل القيادة العسكرية العليا
فى يد أحد أمراء البيت العباسى؛ يقوم الخليفة باختياره، ويدين له
الجميع بالطاعة، وقد اختار «المعتمد» أخاه «الموفق» قائدًا للجيش،
فكانت «صحوة الخلافة»؛ حيث استردت قوتها وهيبتها واستطاع
«الموفق» بحكمته وحزمه وصلابة إرادته أن يكبح جماح الأتراك، وأن
يعيد تنظيم الجيش، ويقر الأمن والنظام.
ورغم أن «المعتمد بالله» كان الخليفة الرسمى فإن أخاه «الموفق»
كان صاحب السلطة الفعلية، فكان له الأمر والنهى، وقيادة الجيش
ومحاربة الأعداء، ومرابطة الثغور، وتعيين الوزراء والأمراء، وكان
قضاء «الموفق» على «ثورة الزنج» سنة (٢٧٠هـ= ٨٨٣م) أعظم إنجاز
له.
وقد تُوفِّى «الموفق» فى (صفر سنة ٢٧٨هـ= مايوسنة ٨٩١م)، وفى
العام التالى تُوفِّى الخليفة «المعتمد» فى (رجب سنة ٢٧٩هـ=
سبتمبرسنة ٨٩٢م)، بعد أن حكم البلاد ثلاثة وعشرين عامًا. وقد حفل
عهده بالعلماء الأعلام فى مجالات المعرفة المختلفة.
المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق:
تولى الخلافة بعد وفاة عمه «المعتمد»، وكان قوى الشخصية؛ فحفظ
هيبة الخلافة، كما كانت فى عهد أبيه «الموفق» وعمه «المعتمد»،
يقول «السيوطى»: كان «المعتضد» شهمًا جلدًا، موصوفًا بالرُّجلة
(أى الشجاعة)، وقد خاض الحروب وعُرف فضله، فقام بالأمر أحسن
قيام، وهابه الناس ورهبوه أحسن رهبة، وسكنت الفتن فى أيامه
لفرط هيبته، وكانت أيامه طيبة كثيرة الأمن والرخاء.
وقد تمكن «المعتضد» خلال حكمه الذى دام عشر سنوات من تهيئة
المزيد من القوة والاستقرار للدولة العباسية، فقضى على مصادر
الفتن والثورات، وأخمد ثورة «بنى شيبان» بأرض الجزيرة سنة
[ ٣ / ٣٧ ]
(٢٨٠هـ= ٨٩٣م)، وثورة «حمدان بن حمدون» - رأس الأسرة الحمدانية -
بالموصل، واستولى على قلعة «ماردين» التى كان يتحصن بها سنة
(٢٨١هـ= ٨٩٤م)، كما قضى على ثورة الخوارج فى «الموصل» بزعامة
«هارون بن عبدالله الشارى» الذى وقع فى الأسر، وأمر «المعتضد»
بضرب عنقه سنة (٢٨٣هـ=٨٩٦م)، ومن أخطر الحركات التى شهدها
عصر «المعتضد»:
- حركة القرامطة:
وترجع بداية هذه الحركة إلى عام (٢٧٨هـ= ٨٩١م) قبل تولِّى
«المعتضد» الخلافة بعام، حين قدم إلى «الكوفة» رجل اسمه
«حمدان» ولقبه «قَرْمَط»، تظاهر بالعبادة والتقشف والدعوة إلى إمام
من آل البيت، فلقيت دعوته صدى كبيرًا عند أنصار آل البيت، وحين
خمدت سيطرته الروحية عليهم أخذ يبث فيهم أفكارًا غريبة عن
الإسلام، منها: الشهادة بأن «أحمد بن محمد بن الحنفية» رسول الله،
وأن القبلة إلى بيت المقدس، وأن النبيذ حرام والخمر حلال، وغير ذلك
من الأفكار الشاذة.
وقد اشتد خطر هذه الحركة بعد ظهور زعيمها «أبى سعيد الجنَّابى»
فى «البحرين» سنة (٢٨٦هـ= ٨٩٩م)؛ حيث استطاع بسط سلطانه على
«البحرين» و«هجر»، وكسب أنصارٍ كثيرين له فى المناطق التى
ينتشر فيها التشيع.
وقد تحولت «البحرين» إلى مركز رئيسى للقرامطة، خرجت منه
حملاتهم الحربية فى اتجاه «العراق» و«الحجاز» و«الشام»؛ لنشر
أفكارهم الهدامة التى تهدف إلى هدم كيان المجتمع الإسلامى،
وبسط نفوذهم بواسطة خداع العامة بمبادئ وشعارات براقة،
كالعدالة والمساواة والبساطة، ومساعدة الآخرين، ولم تدرك الخلافة
العباسية مدى الخطورة التى تنطوى عليها هذه الحركة، ووجهت
جهودها الحربية إلى حركات أخرى تبدو أكثر منها خطورة، مثل
الحركة الصفارية والطولونية وغيرهما، ومن هنا لم تظفر هذه الحركة
من الخليفة «المعتضد» - الذى عاصر بدايتها الأولى - بما تستحقه من
اهتمام.
انتقال عاصمة الخلافة إلى بغداد:
ظلت مدينة «سامراء» أو «سر من رأى» عاصمة الخلافة العباسية منذ
[ ٣ / ٣٨ ]
حوالى سنة (٢٢١هـ= ٨٣٦م) - فى خلافة «المعتصم بالله» - إلى أوائل
خلافة «المعتضد» الذى بنى «القصر الحسنى» ببغداد، وقرر انتقال
عاصمة الخلافة إليها سنة (٢٨٠هـ= ٨٩٣م) ..
وفاة المعتضد:
تُوفِّى «المعتضد» فى ربيع الآخر سنة (٢٨٩هـ= ٩٠٢م)، وكان
عصره يموج بالحركة العلمية والدينية والأدبية، فقد عاش فى عصره
عدد من العلماء والأدباء البارزين.
(٨) المكتفى بالله على بن المعتضد:
تولى الخلافة فى (ربيع الآخر سنة ٢٨٩هـ= مارس سنة ٩٠٢م) عقب
وفاة أبيه، وعمره خمس وعشرون سنة، ورغم أنه كان حسن السيرة
محبوبًا لدى الرعية فإنه لم يكن يتمتع بما كان يتمتع به أبوه
«المعتضد»، من قوة الشخصية والحزم، فكانت خلافته تمهيدًا لعودة
الأمور إلى أوضاعها السابقة، وفترة انتقالية بين «صحوة الخلافة»
وانتكاستها.
وقد شهد عهد «المكتفى» أحداثًا كثيرة، منها: ازدياد خطر القرامطة
وتهديدهم للشام و«الحجاز» و«اليمن»، وقد جرت على يد زعيمهم
«زكرويه بن مهرويه» مذابح بشعة ضد حجاج بيت الله الحرام وعامة
الناس، ونشروا الفزع فى أنحاء العالم الإسلامى، واستطاع
«زكرويه» أن يهزم جيشًا للخليفة «المكتفى»، وأن يقتل منه عددًا
كبيرًا، فأعد له «المكتفى» جيشًا حشد فيه أكفأ القواد، نجح فى
قتل «زكرويه» وكثيرًا من أتباعه عام (٢٩٤هـ= ٩٠٧م)، وتتبعهم فى
«العراق»، ولكنه لم يستطع القضاء عليهم تمامًا، فظلوا من بعده
مصدر خطر مؤكد على كيان الخلافة.
ومما شهده عصر «المكتفى» أيضًا من أحداث: تولية «المكتفى»
«أبى الهيجاء عبدالله بن حمدان التغلبى» ولاية «الموصل» والبلاد
التابعة لها سنة (٢٩٣هـ=٩٠٦م)، وكان ذلك مقدمة لاستقلال الحمدانيين
بالموصل - فيما بعد - وضمهم «حلب» إليها، ونشأة «الأسرة
الحمدانية».
وفاة المكتفى:
تُوفِّى «المكتفى» وفاة طبيعية فى (ذى القعدة سنة ٢٩٥هـ= أغسطس
سنة ٩٠٨م)، وترك خزانة الدولة ممتلئة بالأموال، وقد أرجع المؤرخون
[ ٣ / ٣٩ ]
ذلك إلى الجهد الذى بذله أبوه «المعتضد» فى جلب أسباب الاستقرار
الاقتصادى إلى الدولة، وحسن سيرة «المكتفى بالله».
(٩) المقتدر بالله جعفر بن المعتضد:
تولى الخلافة بعد أخيه «المكتفى» بعهد منه فى (ذى القعدة سنة
٢٩٥هـ= أغسطس سنة ٩٠٨م)، وكان صبيا فى الثالثة عشرة من
عمره، ولم يلِ الخلافة قبله أصغر منه.
أثار تولى «المقتدر» الخلافة اعتراض كثير من رجال الدولة بسبب
صغر سنه، وعدم قدرته على الاضطلاع بشئون الخلافة مع وجود
الأقدر منه على تحمل المسئولية، خاصة «عبد الله بن المعتز» الشاعر
المعروف بتمام العقل وجودة الرأى، فاتفق رأى عدد منهم على خلع
«المقتدر» وتولية «عبدالله بن المعتز»، وكان عمره نحو تسعة
وأربعين عامًا، وعندما عرضوا الأمر على «ابن المعتز» وافق بشرط
ألا يسفك دم أو تنشب حرب، فأخبروه أن الأمر يُسلَّم إليه عفوًا، وأن
جميع من وراءهم من الجند والقواد والكُتَّاب قد رضوا به فبايعهم على
ذلك، وتمت البيعة لابن المعتز فى (١٩من ربيع الأول سنة ٢٩٦هـ=
نوفمبر سنة ٩٠٨م)، ولقب بالراضى بالله، ولكن أنصار «المقتدر» -
وعلى رأسهم «مؤنس الخادم» - لم يرضوا بهذه البيعة، وتوجهوا نحو
«ابن المعتز» وأنصاره وقبضوا عليهم وفتكوا بهم وأعادوا تنصيب
«المقتدر» فى اليوم التالى لبيعة «ابن المعتز»، الذى لم يمكث فى
الخلافة إلا يومًا أو بعض يوم، ولهذا يتجاهله المؤرخون عند ذكرهم
قائمة خلفاء «بنى العباس».
وقد تدهورت الأوضاع فى عهد «المقتدر»، وانتشرت الفتن وازداد
تمزق الدولة، وأصبحت الخلافة نهبًا للطامعين بسبب صغر سنه،
وأفلت زمام الأمور من يده، وتحكم النساء والخدم فى شئون البلاد،
فكانت «أم المقتدر» وتسمى «شغب» تولِّى من تشاء وتعزل من
تشاء، كما كان «مؤنس الخادم» صاحب مكانة متميزة وخطيرة فى
عهد «المقتدر».
وقد ازداد خطر القرامطة اتساعًا وعنفًا فى عهد «المقتدر»، ووصل
مداه سنة (٣١٧هـ= ٩٢٩م)، حينما دخلوا «مكة» بقيادة «أبى طاهر
[ ٣ / ٤٠ ]
القرمطى» وقتلوا الحجاج فى المسجد الحرام، واستولوا على
الحجر الأسود وأخذوه إلى مركزهم الرئيسى «هَجَر» حتى تم رده
إلى مكانه فى عهد «المطيع» سنة (٣٣٩هـ = ٩٥٠م).
بداية ظهور الفاطميين:
ومن أهم الأحداث فى عهد «المقتدر» بداية ظهور العُبيديين أو
الفاطميين فى «شمالى إفريقيا» ..
ويرجع الفضل فى قيام «الدولة الفاطمية» إلى «أبى عبدالله الحسين
بن أحمد»، المعروف بأبى عبدالله الشيعى، أحد دعاة الفاطميين
البارزين فى المغرب وكان يعرف أحيانًا باسم «المحتسب»؛ لأنه كان
مراقبًا لأسواق «البصرة» بالعراق قبل انتقاله إلى «المغرب».
وقد تمكن «أبو عبدالله الشيعى» من القضاء على «دولة الأغالبة»
فى «المغرب»، والاستيلاء على عاصمتهم «رقادة» سنة (٢٩٦هـ=
٩٠٩م)، وتم تنصيب أول إمام من أئمة الفاطميين وهو «عبيد الله
المهدى» - وكنيته «أبو محمد» - الذى قيل إنه من سلالة الإمام
«الحسين بن على بن أبى طالب».
وقد تلقب «عبيدالله المهدى» بأمير المؤمنين، وبنى مدينة «المهدية»
عاصمةً له، وانتقل إليها من «رقادة» سنة (٣٠٨هـ= ٩٢٠م)، وقد نجح
الفاطميون فى الاستيلاء على «مصر» سنة (٣٥٨هـ= ٩٦٩م)، فى عهد
الخليفة الفاطمى «المعز لدين الله».
قيام دولة بنى حمدان:
ومن الأحداث المهمة التى شهدها عهد «المقتدر» - أيضًا - قيام دولة
«بنى حمدان» فى «الموصل»، فقد استمر «أبو الهيجاء عبدالله بن
حمدان» يحكم «الموصل» والبلاد التابعة لها من قِبل الخليفة
«المكتفى» حتى وفاته سنة (٣١٧هـ= ٩٢٩م)، فورثه ابنه «حسن»
الملقب «ناصر الدولة» على ولاية «الموصل»، واستطاع أن يمد
سلطانه إلى «ديار ربيعة» و«مضر» بأرض الجزيرة، وقد اتسع نفوذ
الحمدانيين وملكهم بعد وفاة الخليفة «المقتدر»، ونجحوا فى بسط
سلطانهم على «حلب» و«شمال الشام» سنة (٣٣٣هـ= ٩٤٥م) بقيادة
زعيمهم المعروف «سيف الدولة الحمدانى»، الذى قال فيه «المتنبى»
أروع قصائد المديح.
[ ٣ / ٤١ ]
وقد أسهم أمراء «بنى حمدان» وفى مقدمتهم «سيف الدولة
الحمدانى» فى صد غارات الروم (البيزنطيين) عن مناطق الثغور
الإسلامية، وفى رعاية الحركة العلمية والأدبية التى بلغت فى عهدهم
مركزًا مرموقًا.
وفاة المقتدر بالله:
ساءت العلاقة بين «المقتدر بالله» وخادمه «مؤنس الخادم»؛ مما أدى
إلى مقتله على يد أنصار «مؤنس» فى أواخر شوال سنة (٣٢٠هـ=
٩٣٢م)، بعد أن ظل فى الحكم خمسًا وعشرين سنة، هى أطول مدة
يقضيها خليفة عباسى فى الحكم حتى عصره.
ورغم تدهور أحوال البلاد السياسية فى عهد «المقتدر» فإن الحياة
العلمية قد شهدت ازدهارًا ملحوظًا فى هذا العصر. وبمقتل «المقتدر»
دخل عصر نفوذ الأتراك مراحله الأخيرة.
(١٠) القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد:
تولى الخلافة فى شوال سنة (٣٢٠هـ= ٩٣٢م)، عقب مقتل «المقتدر»،
وعمره ثلاث وثلاثون سنة.
وقد اتصف «القاهر» بالغلظة وقلة التثبت، ورغم أنه نجح فى التخلص
من «مؤنس الخادم»، صاحب النفوذ الأكبر فى عهد «المقتدر»، ومن
غيره من أعيان الدولة فإن سوء سياسته كان سببًا فى تدبير
الانقلاب عليه والإطاحة به.
وقد لعب الوزير المشهور «أبو على بن مقلة» الدور الأساسى فى
خلع «القاهر» والتنكيل به، لخوفه منه واعتقاده أنه كان يدبر للقضاء
عليه، فهاجم أعوانه الخليفة «القاهر» فى دار الخلافة وقبضوا عليه
وسملوا عينيه وعذبوه وأعلنوا خلعه فى الثالث من جمادى الأولى
سنة (٣٢٢هـ= ٩٣٤م).
ولعل من أبرز التطورات السياسية التى شهدها عهد «القاهر» - رغم
قصره - ظهور النفوذ البويهى فى بلاد فارس سنة (٣٢١هـ= ٩٣٣م)،
وكان ذلك مقدمة لامتداد نفوذهم إلى «العراق» وسيطرتهم على
مقاليد الأمور هناك فى سنة (٣٣٤هـ= ٩٤٥م)، لتبدأ مرحلة جديدة فى
تاريخ الخلافة العباسية فى عصرها الثانى، كما سنبين بعد قليل.
(١١) الراضى بالله أبو العباس محمد بن المقتدر:
بايع الجند «الراضى بالله» فى السادس من جمادى الأولى سنة
[ ٣ / ٤٢ ]
(٣٢٢هـ) وعمره خمسة وعشرون عامًا، وقد كان من خيار الخلفاء،
فاضلًا سمحًا جوادًا، شاعرًا محبا للعلماء.
ورغم ما كان يتحلى به «الراضى» من صفات حميدة فإن أمر الخلافة
قد اختل فى عهده اختلالًا خطيرًا، وازداد تمزق الدولة واستفحل نفوذ
المتطلعين للسيطرة على زمام الأمور؛ فقد ازداد نفوذ البويهيين فى
فارس وتطلعوا للاستيلاء على «العراق»، وتمتع «بنو حمدان» بنفوذ
مطلق فى «الموصل» و«ديار بكر» و«ربيعة» و«مضر»، واستقلت
«الدولة الإخشيدية» فى «مصر» و«الشام» عن الخلافة العباسية،
وكذلك «الدولة السامانية» فى «خراسان» و«ما وراء النهر» بزعامة
«نصر بن أحمد السامانى»، وأصبح للأمويين خلافة مستقلة فى
«الأندلس» تحت حكم «عبدالرحمن الثالث» الأموى الملقب بالناصر (٣٠٠
- ٣٥٠هـ= ٩١٣ - ٩٦١م)، وسيطر القرامطة بزعامة «أبى طاهر
القرمطى» على «البحرين»» و«اليمامة».
- ظهور منصب أمير الأمراء:
وتدهورت الأوضاع فى أوائل عهد «الراضى» تدهورًا كبيرًا، بسبب
عجز الوزراء وازدياد نفوذ كبار القواد وتدخلهم فى شئون الدولة،
وكان «محمد بن رائق» والى «واسط» و«البصرة» واحدًا من أبرز
هؤلاء القواد وأكثرهم نفوذًا وتأثيرًا، فاختاره الخليفة «الراضى»
ليقوم بمهمة إنقاذ الخلافة من التدهور الإدارى الحاد الذى تعانى منه،
وأسند إليه منصب «أمير الأمراء» فى عام (٣٢٤هـ= ٩٣٦م).
وقد أصبح «محمد بن رائق» بمقتضى هذا المنصب الخطير الذى لم
يظهر قبل ذلك على مسرح الأحداث السياسية فى الدولة الإسلامية،
القائد الأعلى للجيش، والمسئول عن إدارة شئون الدولة والخراج،
وأصدر الخليفة «الراضى» أمرًا بأن يُخطَب لابن رائق على جميع
المنابر فى جميع النواحى الخاضعة للخلافة، وبذلك تحولت الخلافة
إلى منصب شرفى، وأصبح شاغل منصب «أمير الأمراء» هو الحاكم
الفعلى للبلاد؛ مما جعل كبار رجال الدولة أمثال «أبى عبدالله
البريدى» صاحب «الأهواز»، و«بَجْكم التركى»، و«ناصر الدولة بن
[ ٣ / ٤٣ ]
حمدان» صاحب «الموصل»، و«توزون التركى» رئيس الشرطة
وغيرهم، يتصارعون للوصول إليه، حتى جاء البويهيون فسيطروا
على زمام الأمور ووضعوا حدا لهذا الصراع.
وقد تُوفِّى الخليفة «الراضى بالله» وفاة طبيعية فى (منتصف ربيع
الأول سنة ٣٢٩هـ= ديسمبر سنة ٩٤٠م)، بعد أن فقد السيطرة على
مقاليد الأمور بصورة تكاد تكون كاملة.
(١٢) المتقى لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر:
تولى الخلافة فى (ربيع الأول سنة ٣٢٩هـ= ديسمبر سنة ٩٤٠م) بتدبير
أمير الأمراء «بَجْكم التركى» وكاتبه «أبى عبدالله الكوفى»، وكان
عمره حينئذٍ أربعًا وثلاثين سنة.
وقد كانت خلافة «المتقى» القصيرة (٣٢٩ - ٣٣٣هـ= ٩٤٠ - ٩٤٤م)
سلسلة من الصراع بين كبار رجال الدولة على منصب أمير الأمراء، مما
أضاف مزيدًا من الاضطراب والفوضى إلى الأوضاع الداخلية، وفقد
«المتقى» سيطرته على زمام الأمور، فقام أمير الأمراء «توزون
التركى» بسمل عينيه وخلعه، وبذلك انتهت خلافته فى (صفر سنة
٣٣٣هـ=سبتمبر سنة ٩٤٤م).
(١٣) المستكفى بالله وانتهاء عصر نفوذ الأتراك:
تمت بيعته بالخلافة فى (صفر سنة ٣٣٣هـ = سبتمبر سنة ٩٤٤)
بحضور أمير الأمراء «توزون التركى» وإشرافه، وعمره واحد
وأربعون عامًا ولم يكن له أدنى سلطة فى إدارة شئون البلاد، بل
استمر زمام الأمور فى يد أمير الأمراء «أبى الوفاء توزون التركى»،
وكاتبه «أبى جعفر بن شيرزاد»، وكان من أبرز الأحداث التى
شهدتها خلافة «المستكفى بالله» امتداد سلطان الحمدانيين بقيادة
«سيف الدولة الحمدانى» على «حلب» و«حمص» اللتين كانتا تحت
سيطرة الإخشيديين.
وتدهورت الأحوال الداخلية فى عهد «المستكفى» بشكل غير
مسبوق؛ مما أدى إلى تطلع البويهيين - أصحاب النفوذ فى بلاد
فارس - منذ سنة (٣٢١هـ= ٩٣٣م) إلى بسط سلطانهم على «العراق»،
وقد نجحوا فى ذلك سنة (٣٣٤هـ= ٩٤٥م)، لتبدأ مرحلة جديدة فى
تاريخ العصر الثانى للخلافة العباسية، عُرفت فيما بعد باسم «عصر
نفوذ البويهيين».
[ ٣ / ٤٤ ]
الدول التى استقلت عن الخلافة العباسية فى عصر نفوذ الأتراك:
لم ينحصر ظهور الحركات الاستقلالية فى عصر نفوذ الأتراك، بل
ظهرت هذه الحركات منذ فجر الخلافة العباسية، فاستقل «عبدالرحمن
الداخل» بالأندلس سنة (١٣٨هـ= ٧٥٥م) فى عهد «أبى جعفر
المنصور»، وقامت «دولة الأدارسة» فى «المغرب الأقصى» على يد
«إدريس بن عبدالله»، و«دولة الأغالبة» على يد «إبراهيم بن الأغلب»
فى «تونس»، فى عهد «هارون الرشيد».
وفى خلافة «المأمون» تأسست «الدولة الطاهرية» فى «خراسان»
على يد «طاهر بن الحسين» قائد «المأمون» المشهور، وكانت دولتا
الأغالبة، والطاهرية تدينان بالولاء الأسمى للخليفة العباسى، وقد
مرت إشارات سريعة إلى الدول التى استقلت عن الخلافة فى عصر
نفوذ الأتراك وهى: «الدولة الصفَّارية»، و«السامانية» و«الطولونية»
و«الإخشيدية» و«الحمدانية» و«دولة القرامطة»، و«الدولة الفاطمية»،
و«البويهية».
وفيما يلى نبذة مختصرة عن أهم هذه الدول:
١ - الدولة الصفارية (٢٥٤ - ٢٨٩هـ= ٨٦٨ - ٩٠٢م):
أسسها «يعقوب بن الليث الصفَّار» فى بلاد «فارس» و«خراسان»
على أنقاض «الدولة الطاهرية»، فى عهد «المعتز بالله» (٢٥٢ -
٢٥٥هـ) بعد أن أظهر كفاءة ملحوظة فى محاربة الخارجين على
الخلافة والتخلص من الطاهريين بإذن من الخليفة العباسى «المعتز
بالله».
واستطاع «يعقوب بن الليث» أن يضم إلى «الدولة الصفارية» كثيرًا
من الأماكن التى استطاع السيطرة عليها فى بلاد «فارس»
و«خراسان» وأعلن ولاء دولته - فى البداية - للخلافة العباسية.
وعندما تولى «المعتمد على الله» الخلافة، أصر أخوه «الموفق»
على أن يكون ولاء «الدولة الصفارية» للخلافة ولاءً تاما لا صوريا، إلا
أن «يعقوب بن الليث» رفض ذلك، وتدهورت العلاقة بين الطرفين،
وهدد «يعقوب» بدخول عاصمة الخلافة وبسط سلطانه عليها، مما
أدى إلى حدوث صدام مسلح بين «الدولة الصفارية»، والخلافة فى
[ ٣ / ٤٥ ]
منطقة «واسط» بالعراق، وكان لظهور الخليفة العباسى «المعتمد»
على رأس جيش الخلافة أثر كبير فى هزيمة «يعقوب بن الليث»،
ورغم هزيمته فقد استمر فى تحدى الخلافة ورفض التفاهم معها حتى
تُوفى فى «جنديسابور» سنة (٢٦٥هـ= ٨٧٩م) ثم تولى رئاسة «الدولة
الصفارية» بعد وفاة «يعقوب بن الليث» أخوه «عمرو بن الليث»،
الذى كان حريصًا على كسب ود الخلافة حتى يؤكد سلطانه الروحى
فى بلاده، فاعترف به الخليفة «المعتمد» واليًا على «خراسان»
و«السِّند» و«سجستان» و«كرمان» و«فارس» و«أصبهان»، وعندما
تولى «المعتضد» الخلافة بعد وفاة عمه «المعتمد» أقر «عَمْرًا» على
ما فى يده.
وقد نشط «عمرو» فى توسيع حدود دولته وتطلع إلى غزو بلاد «ما
وراء النهر»، حيث «الدولة السامانية»، وعبر نهر «جيحون» ولكن
السامانيين تصدوا له بقيادة زعيمهم «إسماعيل بن أحمد السامانى»
وهزموه، وأخذوه أسيرًا إلى الخليفة «المعتضد» الذى سجنه حتى
مات فى سجنه سنة (٢٨٧هـ= ٩٠٠م)، وقد تولى زعامة الصفاريين بعد
هزيمة «عمرو» وأسره حفيده «طاهر بن محمد بن عمرو»، ولكن
أحوال الصفاريين تدهورت بشدة خلال هذه الفترة نتيجة الهجمات
المتلاحقة التى شنها عليهم السامانيون، وسقطت دولتهم سنة
(٢٨٩هـ= ٩٠٢م).
وقد لاحظ المؤرخون أن قادة هذه الدولة اتبعوا فى حياتهم مبدأ
العدالة والمساواة والأخوة، والبعد عن مظاهر الترف، فكانت حياة
رئيس الدولة لا تكاد تختلف فى مظهرها عن حياة أحد جنوده، وكان
العطاء يوزع بالإنصاف والعدل، وقد ازدهر اقتصاد الدولة نتيجة البعد
عن إنفاق الأموال فى غير وجوهها، فيروى أن «يعقوب ابن الليث»
ترك فى خزانة الدولة عند وفاته ثمانين مليون دينار وخمسين مليون
درهم، ولكن يؤخذ عليه اعتداده بقوته وطاعة جنده فتمرد على
الخلافة وحاول الاستقلال عنها؛ مما زعزع ثقتها به وكان له آثاره
السلبية فى تماسك الدولة واستمرارها.
٢ - الدولة السامانية [٢٦١ - ٣٨٩هـ= ٨٧٥ - ٩٩٩م]:
[ ٣ / ٤٦ ]
ظهر السامانيون على المسرح السياسى لدولة الخلافة العباسية فى
عصر الخليفة «المأمون» (١٩٨ - ٢١٨هـ= ٨١٣ - ٨٣٣م)، وسموا بذلك
نسبة إلى قرية «سامان» القريبة من «سمرقند»؛ حيث كانوا
يتوارثون إمارتها، ويسمى أميرهم «سامان خداه»، أى كبير قرية
«سامان» وصاحبها.
وقد اعتنق أحد السامانيين الإسلام أثناء خلافة الأمويين، وسمى ابنه
«أسدًا»، كاسم حاكم «خراسان» فى عهد «هشام بن عبدالملك»،
واسمه «أسد بن عبدالله القسرى».
وطال العمر بأسد السامانى حتى أدرك «المأمون»، فذهب إليه فى
«مرو»، قبل انتقاله إلى «بغداد» (فى الفترة من سنة ١٩٣هـ= ٨٠٩م
إلى سنة ٢٠٢هـ = ٨١٧م)، ومعه أبناؤه الأربعة: «نوح» و«أحمد»،
و«إلياس»، و«يحيى»، فاحتفى بهم «المأمون» وألحقهم بخدمته.
وبعد انتقال «المأمون» إلى «بغداد» أمر بإسناد عمل إلى كل واحد
من أبناء «أسد السامانى»، فتم إسناد حكم «سمرقند» إلى «نوح»،
وحكم «فرغانة» إلى «أحمد»، وحكم «الشاش» إلى «يحيى»، وحكم
«هراة» إلى «إلياس»، فكان هذا مقدمة لتمكن نفوذ السامانيين فى
هذه المناطق المعروفة باسم «بلاد ما وراء النهر» (نهر جيحون) ..
وقد برز «أحمد بن أسد» حاكم «فرغانة» على إخوته، وكان له
سبعة أبناء هم «نصر» و«يحيى» و«يعقوب» و«إسماعيل»
و«إسحاق» و«أسد» و«حميد»، وعند وفاته سنة (٢٥٠هـ= ٨٦٤م) حل
محله ابنه الأكبر «نصر»، ودان له باقى إخوته بالطاعة والولاء.
وفى سنة (٢٦١هـ= ٨٧٥م) حدَث التحول الحاسم فى تاريخ
السامانيين، حينما أسند الخليفة «المعتمد على الله» ولاية جميع بلاد
«ما وراء النهر» إلى «نصر بن أحمد بن أسد السامانى»، فأقام
«نصر» فى «سمرقند»، وعين أخاه «إسماعيل» نائبًا عنه ببخارى
وعهد إلى كل أخ من إخوته الباقين بحكم إحدى الولايات، مما يمكن
معه اعتبار عام (٢٦١هـ= ٨٧٥م) بداية تكوُّن «الدولة السامانية».
وعقب وفاة «نصر بن أحمد» فى «سمرقند» عام (٢٧٩هـ= ٨٩٢م) ضم
[ ٣ / ٤٧ ]
أخوه «إسماعيل» «سمرقند» إلى ملكه، وأصبح هو الحاكم الأعلى
لكل بلاد «ما وراء النهر»؛ لذلك يرى بعض المؤرخين أن «إسماعيل
بن أحمد بن أسد السامانى» هو المؤسس الحقيقى للدولة السامانية؛
حيث خضع له سائر الأمراء السامانيين، ووسع حدود الدولة، فضم لها
«خراسان» ومعظم البلاد التى كانت خاضعة لنفوذ «الدولة الصفارية»،
وبلغت «الدولة السامانية» قمة مجدها فى عهده (من ٢٧٩ - ٢٩٥هـ=
٨٩٢ - ٩٠٨م) ثم فى عهد حفيده «نصر بن أحمد بن إسماعيل» (٣٠١ -
٣٣١هـ= ٩١٣ - ٩٤٣م) وبدأت «الدولة السامانية» تتدهور منذ عهد
«نوح بن نصر» (٣٣١ - ٣٤٣هـ= ٩٤٣ - ٩٥٤م)، حتى سقطت فى يد
الغزنويين سنة (٣٨٩هـ= ٩٩٩م) ..
وقد كانت «الدولة السامانية» ملتزمة بمذهب أهل السنة، وكانت
علاقتها بالخلافة العباسية علاقة احترام وإجلال؛ حيث كان أمراؤها
يعدون أنفسهم نوابًا عن الخليفة. وقد ازدهرت الحياة العلمية فى
عصر السامانيين، وكانت «بخارى»، و«سمرقند» تنافسان «بغداد»
فى مكانتها العلمية والأدبية، بسبب تشجيع الأمراء السامانيين للعلم
وحبهم للعلماء، فقد سمح الأمير السامانى «أبو القاسم نوح بن
منصور» (نوح الثانى) لابن سينا باستخدام مكتبة قصره، كما قام
الطبيب والفيلسوف المشهور «أبو بكر الرازى» (٢٥١ - ٣١٣هـ= ٨٦٥ -
٩٢٥م) بإهداء كتابه المعروف فى الطب «المنصورى» إلى الأمير
السامانى «أبى صالح منصور بن إسحاق» أمير «سجستان».
وقد شهد الأدب الفارسى أيضًا عصره الذهبى خلال حكم السامانيين،
وعاش الشاعر الفارسى المعروف «الفردوسى» شطرًا من حياته فى
عصر «الدولة السامانية».
٣ - دولة بنى حمدان فى الموصل وحلب (٢٩٣ - ٣٩٢هـ= ٩٠٦ - ١٠٠٢م):
ينتمى الحمدانيون إلى «حمدان بن حمدون بن الحارث» من قبيلة
«تغلب»، وقد ظهر نفوذ «حمدان» فى شمال «العراق» سنة (٢٥٤هـ)
أثناء خلافة «المعتز بالله»، وتعاون مع خوارج الجزيرة فى شمال
«العراق»، واستطاع أن يسيطر على بعض المواقع الحصينة هناك،
[ ٣ / ٤٨ ]
وأهمها «قلعة ماردين»، ولكن الخليفة «المعتضد بالله» استطاع
استردادها، وقبض على «حمدان» وسجنه.
تعهد «حسين بن حمدان» بالطاعة والولاء للخليفة «المعتضد»
وساعده فى حربه ضد الخوارج حتى هزمهم، فقربه الخليفة وعفا عن
والده «حمدان بن حمدون».
وفى خلافة «المكتفى بالله» (٢٨٩ - ٢٩٥هـ= ٩٠٢ - ٩٠٨م) تعاظمت
مكانة «حسين بن حمدان» وقام بدور بارز فى الحرب ضد القرامطة
وفى الحملة التى جهزها العباسيون لاسترداد «مصر» من يد
الطولونيين فى سنة (٢٩٢هـ= ٩٠٥م).
وقد شارك «حسين بن حمدان» فى المؤامرة الفاشلة التى دبرها
أنصار «ابن المعتز» لخلع «المقتدر»، وهرب حتى عفا عنه «المقتدر»
وأسند إليه ولاية بعض البلاد وأهمها «ديار ربيعة» بالجزيرة سنة
(٢٩٨هـ= ٩١١م)، إلا أنه حدث بينه وبين «على بن عيسى» وزير
«المقتدر» نزاع انتهى بالقبض عليه، وقتله فى سجنه سنة (٣٠٦هـ=
٩١٨م) ..
ورغم أن «حسين بن حمدان» كان من أعظم الأمراء بأسًا وشجاعة،
وكان أول من ظهر أمره من ملوك «بنى حمدان» فإن أخاه «أبا
الهيجاء عبدالله بن حمدان» كان أعمق تأثيرًا وأوسع نفوذًا فى
تاريخ الأسرة الحمدانية، وقد ولاه الخليفة «المكتفى» إمارة
«الموصل» وتوابعها سنة (٢٩٣هـ= ٩٠٦م)، ويعد «أبو الهيجاء عبدالله
بن حمدان» المؤسس الحقيقى لمملكة الحمدانيين فى «الموصل»، التى
ظل حاكمًا لها إلى أن قتل سنة (٣١٧هـ= ٩٢٩م) عقب اشتراكه فى
المؤامرة الفاشلة لخلع الخليفة «المقتدر»، وقد خلفه ابنه «حسن»
الملقب بناصر الدولة، واستطاع أن يمد سلطانه على أقاليم الجزيرة
الثلاثة: «ديار ربيعة»، و«ديار مضر» و«ديار بكر»، بإذن من الخليفة
«الراضى»، حتى أقعدته الشيخوخة، فخلفه على الحكم ابنه «فضل
الله أبو تغلب الغضنفر» سنة (٣٥٣هـ= ٩٦٤م) ..
وقد دخل «ناصر الدولة» وابنه «أبو تغلب الغضنفر» فى صراع طويل
مع البويهيين، أصحاب السلطة فى «العراق» منذ سنة (٣٣٤هـ =
[ ٣ / ٤٩ ]
٩٤٥م)، وانتهى هذا الصراع بهزيمة «أبى تغلب الغضنفر» أمام «عضد
الدولة البويهى» سنة (٣٦٨هـ= ٩٧٩م)، وانتهت بذلك مملكة الحمدانيين
فى «الموصل» و«الجزيرة».
أما «الدولة الحمدانية» فى «حلب»، فقد أسسها «على بن أبى
الهيجاء عبدالله بن حمدان»، الملقب بسيف الدولة؛ حيث استطاع
بمعاونة أخيه الأكبر «ناصر الدولة» انتزاع «حلب» من الإخشيديين
سنة (٣٣٣هـ= ٩٤٤م)، ثم استطاع بعد ذلك أن يبسط سلطانه على
«حمص» و«قنسرين» و«العواصم» وبعض بلاد «الجزيرة» سنة
(٣٣٦هـ= ٩٤٧م) ..
وقد قام «سيف الدولة الحمدانى» بمهمة جليلة أثناء حكمه الذى
استمر حتى سنة (٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، وهى حماية حدود دولة الخلافة من
غارات الروم (البيزنطيين) المتواصلة، بعد أن ضعفت الخلافة المركزية
عن القيام بهذه المهمة المقدسة.
وكان «سيف الدولة الحمدانى» أديبًا شاعرًا، فجمع حوله العلماء
والأدباء، مثل «أبى نصر الفارابى»، و«ابن خالويه»، و«أبى الطيب
المتنبى»، و«أبى فراس الحمدانى» و«ابن نباتة» و«السَّرىّ الرَّفَّاء»،
وغيرهم.
وتُوفِّى «سيف الدولة» سنة (٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، وخلفه فى الحكم ابنه
«أبو المعالى شريف» المعروف بسعد الدولة، وضعفت فى عهده
سلطة الحمدانيين فى «الشام»؛ لكثرة الضغوط التى تعرض لها من
البيزنطيين والبويهيين فى «العراق»، والفاطميين فى «مصر» بغرض
الاستيلاء على «الشام».
وتُوفِّى «سعد الدولة» سنة (٣٨١هـ= ٩٩١م)، وتولَّى بعده ابنه «أبو
الفضائل سعيد الدولة»، الذى تعرض لضغوط الفاطميين المتزايدة لضم
«الشام» إلى «مصر»، فتحالف مع البيزنطيين لصد هجمات الفاطميين
عليه، ثم انتهت إمارته بمقتله سنة (٣٩٢هـ= ١٠٠٢م) على يد وزيره
«لؤلؤ الحاجب»، وانتهت بذلك «الدولة الحمدانية» فى «الشام» الذى
أصبح خاضعًا لسلطان الفاطميين.
وقد كان الحمدانيون يميلون إلى التشيع، وكانت علاقتهم بالخلافة
العباسية تتأرجح بين الرضا، والسخط، والتوجس.
٤ - دولة بنى بويه قبل انتقالها إلى بغداد:
[ ٣ / ٥٠ ]
ينتسب البويهيون إلى «أبى شجاع بويه» الذى نشأ فى «بلاد
الديلم» التى تقع جنوبى غربى «بحر قزوين» أو «بحر الخزر» بين
منطقتى «طبرستان» و«الجبال». وكانت هذه البلاد معقلًا لنفوذ
العلويين، فانتشر فيها التشيع.
ورغم أن «أبا شجاع بويه» كان فقيرًا فإنه كان يتحلى بروح
المغامرة والشجاعة، كما تشرب الروح الشيعية التى كانت سائدة
فى «بلاد الديلم».
وقد انضم «أبو شجاع» إلى العلويين فى صراعهم مع السامانيين،
ومع ذلك فلم يكن هو المؤسس الحقيقى لأسرة «بنى بويه»، وإنما
كان أبناؤه الثلاثة «على»، و«حسن»، و«أحمد» هم الذين قاموا
بذلك، فقد التحق أبناؤه بخدمة «ماكان بن كاكى» أحد القواد
البارزين المناصرين للداعية الشيعى «الحسن بن على»، الملقب
بالأطروش، وأبرزوا تميزًا فى خدمته فارتقوا من مرتبة الجنود إلى
رتبة القادة، ثم حدث صراع بين «ماكان» و«مرداويج بن زيار» أحد
القادة الفرس فى منطقة «الديلم»، وأحس أبناء «بويه» أن كفة
«مرداويج» هى الراجحة فى هذا الصراع، فانضموا إليه، فيما بين
عامى (٣١٦و٣١٧هـ= ٩٢٨ و٩٢٩م)، وكان ذلك بداية تمكن نفوذهم
فى فارس والمناطق المحيطة بها.
وقد ظهر «بنو بويه» - أو البويهيون - على مسرح الأحداث فى أواخر
عصر نفوذ الأتراك، فبدءوا منذ عام (٣٢١هـ= ٩٣٣م) يؤسسون لأنفسهم
مناطق نفوذ تخضع لسيطرتهم التامة، فاستولوا على «فارس»،
و«شيراز» و«أصبهان»، و«الرى»، و«همذان» و«الكرج»
و«كرمان»، وأغراهم ذلك على التطلع إلى مد نفوذهم إلى «العراق»
موطن الخلافة العباسية.
وقد ساعدهم على ذلك تضاؤل النفوذ التركى، واشتداد الصراع على
منصب «أمير الأمراء» الذى ابتدعه الخليفة «الراضى بالله» سنة
(٣٢٤هـ= ٩٣٦م)، مما أدى إلى تمزق الكلمة وضعف الجبهة التى يمكن
أن تحمى دار الخلافة فلم يجد «أحمد بن بويه» أى صعوبة فى دخول
«بغداد» والسيطرة عليها بدون قتال فى (الحادى عشر من جمادى
الأولى سنة٣٣٤هـ = يناير سنة ٩٤٦م) ..
[ ٣ / ٥١ ]
الفصل الخامس