لمحة جغرافية:
تطلق كلمة الأندلس على الأجزاء التى سيطر عليها المسلمون من شبه
الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا والبرتغال)، وظلت تطلق على ما فى
أيديهم حتى عندما انحصر وجودهم فى مدينة «غرناطة» وحدها.
وتعود كلمة «الأندلس» فى أصولها إلى كلمة «الوندال»، وهى تعنى
مجموعة القبائل الجرمانية التى غزت أيبيريا فى القرن الخامس
الميلادى، وأقامت فى طرفها الجنوبى الذى كان آنذاك باسم
«أندلوسيا»، فلما فتح المسلمون هذه المناطق قيل لهم: إن هذه
أرض «وندلس» فحولها العرب إلى «أندلس»، وبقيت الكلمة مستخدمة
حتى نهاية الحكم الإسلامى.
ولاتزال كلمة «أندلوسيا» مستخدمة حتى اليوم فى «الإسبانية»،
وتطلق على ثمانى محافظات فى جنوب إسبانيا، هى: المرية،
وغرناطة، وجيان، وقرطبة، ومالقة، وقادش، وولبة، وإشبيلية.
وشبه الجزيرة الأيبيرية مخمسة الشكل، تصل مساحتها إلى (٦٠٠)
ألف كيلو مترمربع، تحتل إسبانيا (٦/ ٥) من هذه المساحة، وهى
هضبة متوسطة الارتفاع، بها سلاسل جبلية كثيرة تشقها بالعرض،
ويفصل بين كل سلسلة جبلية وأخرى وادٍ يجرى فيه نهر بالعرض
أيضًا، وتنبع معظم هذه الأنهار من وسط شبه الجزيرة، وتصب فى
المحيط الأطلسى.
ويفصل أوربا عن شبه الجزيرة سلسلة جبال تغلق الطريق إلى
جنوبى فرنسا إلا من خلال ممرات، ومن هنا جاءت تسمية جبال
البرت، أى جبال الأبواب.
الثغور الإسلامية:
وجدت فى الأندلس ثلاثة ثغور عبارة عن مناطق حدودية بينها وبين
إسبانيا النصرانية، وهذه الثغور هى:
أ - الثغر الأعلى، وعاصمته سرقسطة ويواجه مملكة نبرَّة.
ب - الثغر الأوسط وعاصمته مدينة «سالم» ثم «طليطلة»، ويواجه
مملكتى قشتالة وليون.
ج - الثغر الأدنى، بين نهرى «دويرة» و«تاجة» وعاصمته طليطلة ثم
قورية.
وقد تمكن النصارى فى نحو القرن الرابع الهجرى من إقامة ثلاث
دويلات نصرانية، هى:
أ - ليون فى الشمال والشمال الغربى، وعاصمتها مدينة «ليون»،
[ ٧ / ١ ]
وتضم مملكتى «جليقية» و«أشتوريس».
ب - نبرّة، فى الشمال والشمال الشرقى؛ حيث تعيش قبائل
البشكنس، وعاصمتها «بنيلونة».
ج - قشتالة، وتقع بين مملكتى ليون ونبرة، وعاصمتها «برغش».
ومن هذه الدويلات الثلاث ستبدأ حركة المقاومة ضد الوجود الإسلامى
فى الأندلس.
عهود الحكم الإسلامى بالأندلس:
ظل المسلمون يحكمون الأندلس نحو ثمانية قرون منذ تم فتحها سنة
(٩٢هـ)، إلى أن سقطت «غرناطة» آخر معاقلها بيد النصارى سنة
(٨٩٧هـ)، وقد مرت البلاد بعهود يمكن إجمالها على النحو الآتى:
أولا: عهد الفتح (٩٢ - ٩٥هـ = ٧١١ - ٧١٤م).
ثانيًا: عهد الولاة (٩٥ - ١٣٨هـ = ٧١٤ - ٧٥٥م).
ثالثًا: عهد الإمارة (١٣٨ - ٣١٦هـ = ٧٥٥ - ٩٢٨م).
رابعًا: عهد الخلافة (٣١٦ - ٤٠٠هـ = ٩٢٨ - ١٠٠٩م).
خامسًا: عهد ملوك الطوائف (٤٠٠ - ٤٨٤ هـ = ١٠٠٩ - ١٠٩١م).
سادسًا: عهد المرابطين والموحدين (٤٨٤ - ٦٢٠هـ = ١٠٩١ - ١٢٢٣م).
سابعًا: مملكة غرناطة (٦٢٠ - ٨٩٧ هـ = ١٢٢٣ - ١٤٩٢م).
أولا: الفتح الإسلامى للأندلس:
كانت شبه الجزيرة الأيبيرية خاضعة لحكم القوط قبل الفتح الإسلامى،
ويتولى أمرها ملك ظالم يدعى رودريك (لذريق) فأبغضه الناس
وفكروا فى الثورة عليه وإبعاده عن الحكم بالاستعانة بالمسلمين
الذين دانت لهم بلاد الشمال لإفريقى، فقام بهذه الوساطة حاكم
«سبتة» الكونت يوليان، واتصل بطارق بن زياد قائد القوات الإسلامية
المعسكرة عند مدينة «طنجة» بالمغرب الأقصى والقريبة من مدينة
«سبتة».
وأقبلت الوفود على «طارق» تدعوه لعبور المضيق والوصول إلى
شبه الجزيرة، وتصور هؤلاء أن المسلمين سينزلون ضربة قاصمة
بالقوط ثم يعودون إلى بلاد المغرب محملين بالغنائم، وغاب عنهم أن
المسلمين حملة رسالة سامية، وأنهم مكلفون بتبليغها لكل الناس،
وأن ما يشغلهم قبل كل شىء هو نشر مبادئ دينهم السمحة وتعريف
الشعوب به.
وقد رحّب «طارق» بهذا الطلب ووجد فيه فرصة طيبة لمواصلة الفتح
[ ٧ / ٢ ]
والجهاد، وأرسل إلى «موسى بن نصير» والى الأمويين على المغرب
يستأذنه فى فتح الأندلس، فنصحه باختبار مدى مقاومة القوط
بإرسال بعض السرايا إليهم، وبالتأكد من ولاء «يوليان» وصدق
كلامه، ثم أرسل «موسى بن نصير» إلى الخليفة الأموى «الوليد بن
عبدالملك» يستأذنه فى فتح «الأندلس»، ويشرح له حقيقة الأوضاع
هناك، فتردد الخليفة فى أول الأمر، خوفًا على المسلمين من
المخاطرة بهم فى بلاد لا عهد لهم بها من قبل، لكن «موسى» نجح
فى إقناعه بأهمية الفتح، وتم الاتفاق على أن يسبق الفتح حملات
استطلاعية.
وفى سنة (٩١هـ = ٧١٠م) أرسل «طارق بن زياد» بعثة استطلاعية
بقيادة «طريف بن زرعة» فنزلت فى الطرف الجنوبى لشبه الجزيرة،
ولم تلق مقاومة، وعادت بغنائم وفيرة، ومنذ ذلك الحين أُطلق اسم
«طريف» على إحدى تلك المناطق.
وقد شجعت نتيجة حملة «طريف» «طارق بن زياد» فعبر المضيق فى
(شعبان ٩٢هـ = أبريل- مايو ٧١١م)، وتجمع المسلمون عند الجبل
الذى يعرف من ذلك التاريخ بجبل طارق، وأقام «طارق» بتلك المنطقة
عدة أيام، بنى خلالها سورًا أحاط بجيوشه سمَّاه «سور العرب»، كما
أقام قاعدة عسكرية بجوار الجبل على الساحل؛ لحماية ظهره فى
حالة اضطراره إلى الانسحاب، هى مدينة الجزيرة الخضراء، أو جزيرة
«أم حكيم»، نسبة إلى جارية كان طارق قد حملها معه، ثم تركها
فى هذا المكان، وهذا الميناء يسهل اتصاله بميناء «سبتة» المغربى،
على حين يصعب اتصاله بإسبانيا لوجود مرتفعات بينهما، ولم يكتفِ
طارق بذلك، بل أقام قاعدة أمامية أخرى وبنى حصنًا، وطلب من
«يوليان» ومن معه من الجند حراسة هذا الموضع وحمايته من كل
هجوم منتظر.
ثم واصل «طارق» السير جنوبًا حتى بلغ الساحل الجنوبى لشبه
الجزيرة، ومشى فى محاذاته، وعبر نهرًا صغيرًا يسمى «وادى
لكه»، وأقام معسكره فى منطقة واسعة يحدها من الشرق «وادى
لكه»، ومن الغرب «وادى البرباط»، وهى منطقة سهلية واسعة تكثر
[ ٧ / ٣ ]
فيها المدن، مثل: «قادش» على البحر، وإلى جوارها من الداخل مدينة
«شريش»، وفى الشمال على الطريق إلى «قرطبة» مدينة شذونة
(سيدونيا)، وفى ذلك السهل الواسع أخذ «طارق» ينظم قواته ويرتب
لمعركته انتظارًا للقاء القوط.
علم «لذريق» بمجىء القوات الإسلامية، وهو مشغول بمحاربة أعدائه
فى شمالى شبه الجزيرة، فأصيب بهلع ورعب عظيمين، وجمع
جنوده وانحدر بهم لمواجهة المسلمين، ووصلت أنباء تلك الحشود
الضخمة إلى «طارق بن زياد»، فكتب إلى «موسى بن نصير» يخبره
بذلك، فأمده بخمسة آلاف جندى صار بهم مجموع جنود المسلمين
بالأندلس (٢١) ألف جندى.
وصل «لذريق» إلى بلدة «شذونة» وأتم بها استعداداته، ثم اتجه
للقاء المسلمين ودارت بين الفريقين معركة فاصلة فى كورة
«شذونة» جنوب غربى إسبانيا، استمرت ثمانية أيام من (الأحد ٨٢ من
رمضان إلى الأحد ٥ من شوال سنة ٢٩هـ = ٩١ - ٦٢ يوليو ١١٧م)،
وكانت معركة هائلة، اقتتل فيها الطرفان اقتتالا شديدًا حتى ظنوا
أنه الفناء، وكان النصر فى النهاية حليف المسلمين، وفر «لذريق»
من أرض المعركة، وتبعه المسلمون حتى أدركوه وقتلوه بالقرب من
بلدة «لورقة».
وبعد هذا النصر العظيم الذى حققه «طارق بن زياد»، وامتلاء أيدى
أصحابه بالغنائم - اتجه إلى الشمال فاستولى على بعض القلاع، ثم
عبر نهر الوادى الكبير قاصدًا مدينة «طليطلة» عاصمة القوط، وكانت
تبعد عن أرض المعركة بنحو ستمائة كيلومتر، وكلها جبال ووديان
ومضايق عسيرة، وقد تمكن المسلمون بعزيمتهم وإصرارهم وإيمانهم
الجياش من دخول العاصمة بعد مقاومة عنيفة من القوط.
وفى أثناء سير «طارق» إلى «طليطلة» أرسل جزءًا من قواته لفتح
«البيرة» كما أرسل «مغيث الرومى» إلى «قرطبة» ففتحها بعد
حصار دام ثلاثة أشهر، وكانت آنئذ معسكرًا رومانيا قديمًا يقع على
ضفة نهر الوادى الكبير وعندها بُنيت قنطرة حجرية على النهر.
وأثبت «طارق» بهذا التصرف أنه على خبرة واسعة بشئون الحرب
[ ٧ / ٤ ]
وفنون القتال، لأن السيطرة على هذه القنطرة تيسّر له طريق العود.
استقر «طارق بن زياد» فى «طليطلة»، فهرب منها كبار القوط وكبار
رجال الدين الذين حملوا معهم ذخائر كنيستهم، فأدرك المسلمون
هؤلاء الفارين عند بلدة صغيرة تسمى قلعة «عبدالسلام»، وغنموا ما
كان معهم من ذخائر بالغة القيمة، وتجل عن الحصر، من بينها مذبح
الكنيسة الذى سموه «مائدة سليمان» - ولاصلة لنبى الله سليمان
بهذه المائدة - التى كانت من الزبرجد الخالص، ومزدانة بالجواهر،
وتوضع فى صدر الكنيسة وعليها الصلبان والكؤوس والكتب
المقدسة، وبعد أن حل الشتاء آثر «طارق» العودة إلى «طليطلة»،
وكتب إلى «موسى» يحيطه بأنباء الفتح وما أحرزه من نجاح،
ويطلب منه المدد.
موسى بن نصير والمشاركة فى فتح الأندلس:
قرر «موسى بن نصير» التوجه إلى الأندلس على رأس قوات مقدارها
ثمانية عشر ألفا معظمهم من العرب - على حين كان معظم جند طارق
من البربر - فغادر القيروان، ووصل إلى «طنجة» سنة (٩٣هـ = ٧١٢م)،
ثم عبر المضيق ونزل الجزيرة الخضراء.
سار «موسى بن نصير» بجنوده فى غير الطريق الذى سلكه «طارق
بن زياد»، بناءً على نصيحة رجاله وحلفاء المسلمين؛ ليكون له شرف
فتح بلاد أخرى غير التى فتحها طارق، فنزل «شذونة»، واستولى
على حصنين كبيرين بجوارها، هما «قرمونة» وقلعة «وادى إبرة»،
ثم تقدم نحو «إشبيلية» فحاصرها حتى استسلمت وانسحبت حاميتها
إلى مدينة «لبلة» فى الغرب، وهى الآن مدينة برتغالية.
ثم اتجه «موسى» ناحية بلد كبير يحيط به سور حصين، تسمَّى
«ماردة» كان يعتصم به قسم كبير من جيش «لذريق»، فحاصرها
واشتد فى حصارها على الرغم مما كابده المسلمون من خسائر،
حتى استسلمت صلحًا فى (أول شوال سنة ٩٤هـ = ٣٠ من يونيو
٧١٣م)، وغنم المسلمون ما كان بها من ذخائر نفيسة.
وبعد شهر تقدم «موسى» نحو «طليطلة» حيث التقى بطارق عند نهر
«التاجو»، ثم سارا معًا لمواصلة الفتح، وفى أثناء ذلك حدثت ثورة
[ ٧ / ٥ ]
معادية للمسلمين فى «إشبيلية»، فأرسل «موسى» ابنه «عبدالعزيز»
فقضى على تلك الثورة وفتح مدن: «لبلة» و«باجة» و«أكشونبة»
وهى تكوِّن النصف الجنوبى من البرتغال الآن، ثم وصل المسلمون
إلى ساحل المحيط الأطلسى من تلك الناحية.
استقر «موسى بن نصير» فى «طليطلة» فى شتاء سنة (٩٥هـ =
٧١٤م)، وبدأ فى ممارسة عمله، باعتباره أول مسلم يحكم قطرًا
أوربيا، فأمر بضرب عملة إسلامية، مكتوب على أحد وجهيها
باللاتينية «شهادة أن لا إله إلا الله»، وعلى الوجه الآخر «ضربت فى
إسبانيا سنة (٧١٤م)»، ثم أرسل رسولين هما «على بن رباح
اللخمى»، و«مغيث الرومى» إلى الخليفة «الوليد بن عبدالملك»
يحملان إليه نبأ الفتح العظيم، وطرفًا من الذخائر والتحف التى غنمها
المسلمون.
وفى سنة (٩٥هـ = ٧١٤م) اتجه «موسى» ناحية الشمال الشرقى
قاصدًا مدينة «سرقسطة» مفتاح منطقة «وادى أبرة» كلها ونجح فى
الاستيلاء عليها، ثم قام «حنش بن عبدالله الصنعانى» وهو من
التابعين الذى قدموا فى جيش «موسى ابن نصير» باختطاط جامع
سرقسطة، الذى أصبح واحدًِا من أكبر مساجد الأندلس، ثم فتح
«موسى» مدينة «وشقة»، وأتبعها فتح مدينة «لاردة» سالكًا بجيشه
الطريق الرومانى الكبير «المبلط» المسمى بالطريق القيصرى، وبدأ
فى الاستعداد للسير فى اتجاه «برشلونة».
وفى تلك الأثناء عاد «مغيث الرومى» من «دمشق» وطلب من
«موسى» أن يذهب إلى عاصمة الخلافة ومعه «طارق بن زياد» ليقدما
بيانًا شافيًا عن فتوحاتهما، فاستجاب «موسى» للطلب، ولكنه عزم
على إرجائه حتى يتم فتح الشمال الغربى والشرقى لشبه الجزيرة
الأيبيرية، وأمر طارقًا فواصل السير مع الطريق القيصرى، على حين
سار هو فى اتجاه الشمال الغربى، حتى وصل إلى خليج بسكاى
عند «خيخون».
وقد نجح «طارق» فى إخضاع منطقة «أراجون»، ثم اتجه غربًا ليلحق
بموسى، فاستولى على بعض الحصون، وعلى مدينتى «اشترقة»
[ ٧ / ٦ ]
و«ليون»، وبهذه الإنجازات التى حققها القائدان شعرا أنهما أتما
فتح شبه الجزيرة، وأن بإمكانهما الآن تلبية دعوة الخليفة «الوليد»
وبخاصة أنه قد بعث برسول يتعجَّل عودتهما.
أخذ الفاتحان العظيمان طريق العودة إلى المشرق فى (ذى القعدة
٩٥هـ = يوليو ٧١٤م) بعدما نظما شئون البلاد، ورسما سياسة
الحكومة، واتخذا «إشبيلية» عاصمة؛ لموقعها وقربها من البحر، ثم
أسرعا السير نحو العاصمة «دمشق» فوصلاها بعد تولية «سليمان بن
عبدالملك» الخلافة، خلفًا لأخيه «الوليد»، وظلا هناك ولم يعودا
لمواصلة الفتح.
وكان «موسى بن نصير» قد ترك ابنه «عبدالعزيز» واليًا على
الأندلس، فقضى أيام ولايته فى استكمال فتح شبه الجزيرة الأيبيرية،
فى شرقها وغربها، ففتح كورة تدمير (مرسية) صلحًا بعد أن
استسلم ملكها، وقضى على جيوب المقاومة ولذا عده بعض المؤرخين
ثالث فاتحى الأندلس، وكان معروفًا بالصلاح والتقوى والشجاعة
والإقدام، بارعًا فى تنظيم الحكومة وترتيب إدارتها، متبعًا سياسة
الرفق والاعتدال والوفاء بالعهد.
وبنجاح الفتح الإسلامى تنفس أهالى «الأندلس» نسيم الحرية، فقد
رفعت عنهم المغارم والأعباء، وعرف الناس سياسة التسامح
والإنصاف، وأمنوا على حياتهم وأموالهم وحرياتهم، وعاشوا حياة
العدل والمساواة، وترك لهم حق اتباع قوانينهم والخضوع لقضاتهم،
ولم يظلم أحد بسبب دينه أو عقيدته، ولم يفرض الإسلام عليهم فرضًا،
ومن أسلم عن طواعية ودون إكراه فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم،
ومن بقى على دينه لم يكلف بأكثر من الجزية. مقابل حمايته والدفاع
عنه وتأمين حقوقه.
حريق السفن وخطبة طارق:
يرتبط بفتح المسلمين للأندلس مسألة حرقهم لمراكبهم بعد عبورهم
المضيق، والخطبة التى ألقاها «طارق» بعد هذا العبور.
أما مسألة إحراق السفن فإن الدراسة التاريخية ترفض التصديق بقيام
مثل هذا العمل من «طارق»، فلم يكن المسلمون فى حاجة إليه
[ ٧ / ٧ ]
ليخلصوا فى القتال ويتحمسوا له، لأن عملهم جهاد فى سبيل الله
ينتظر المسلم من ورائه النصر أو الشهادة، وقتال من أجل عقيدة
يفدونها بدمائهم وأرواحهم، كما أن إحراق السفن ليس عملا عسكريا
مناسبًا، لأنهم فى حاجة إليها بصفة دائمة للاتصال ببلاد المغرب.
وأما الخطبة المنسوبة إلى «طارق» والتى حث فيها المسلمين على
الجهاد، وقال فيها: أين المفر .. البحر من ورائكم والعدو أمامكم ..،
فلا توجد كاملة فى المصادر الأندلسية الأولى، مما يشير إلى عدم
شيوعها ويقلل من الثقة بواقعيتها. وأنها مليئة بالسجع المتكلف
الذى لم يكن شائعًا فى ذلك العصر، كما أن طارقًا وأكثر جنوده
كانوا من البربر، ولايتوقع أن تكون لغتهم العربية إلى هذا المستوى
العالى من البيان، وهذا لايمنع أن يكون القائد قد ألقى كلمته فى
جنده البربر بلغتهم التى يفهمونها، ثم جاء من كتاب العرب من نقل
معانى تلك الخطبة إلى اللغة العربية، فأصابها شىء من التعديل
والتغيير.
[ ٧ / ٨ ]
الفصل الثاني