[١٧٢ - ٣٠٠هـ = ٧٨٨ - ٩١٣م]:
إدريس بن عبدالله (١٧٢هـ= ٧٨٨م):
اضطهد العباسيون منذ اللحظة الأولى لقيام دولتهم أبناء عمومتهم من
العلويين، وأسرف بعض الخلفاء العباسيين فى ذلك، فأسفر الأمر عن
قيام عدة ثورات، كانت آخرها ثورة «الحسين بن على بن الحسن بن
الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب» على والى «المدينة» فى
سنة (١٦٩هـ=٧٨٥م)، ولكن العباسيين استطاعوا قمعها، وقتلوا
زعيمها ومجموعة من أهل بيته.
وكان «إدريس بن عبدالله» ومولاه «راشد» ممن فرَّ من أرض المعركة،
واتجها إلى «مصر»، ومنها إلى «المغرب الأقصى»، ونزلا مدينة
«وليلى» عاصمة هذا الإقليم، ثم توجها إلى أميرها وزعيمها
«إسحاق بن محمد بن عبدالحميد الأوربى»، زعيم قبيلة «أوربة» التى
فرضت نفوذها وسيطرتها على مدينة «وليلى» وما حولها، وعرفه
«إدريس» بنفسه، وأعلمه بسبب فراره من موطنه «الحجاز»، ولجوئه
إلى بلاده، فرحب به «إسحاق» وآمن بدعوته، وبايعه بالإمامة،
وكذلك بايعته قبيلته «أوربة»، ومعها بقية القبائل فى رمضان سنة
(١٧٢هـ=٧٨٨م)، ومن ثَم نجح «إدريس» فى تأسيس دولة حملت اسمه
بالمغرب الأقصى.
لكن ذلك أقلق الخلافة العباسية، خاصة بعد أن مدَّ «إدريس» نفوذه
إلى مدينة «تلمسان» بالمغرب الأوسط.
عمد الخليفة العباسى «الرشيد» إلى الحيلة للقضاء على نفوذ
«الأدارسة»، فقيل إنه بعث برجل يدعى «الشماخ» إلى «إدريس»،
فتظاهر بحبه لآل البيت، وفراره من بطش العباسيين، ولازم «إدريس»
فترة ثم اغتاله حين سنحت له الفرصة، وهكذا نجحت الخلافة العباسية
فى التخلص من «إدريس» أبرز المناوئين لها، وفقدت «دولة الأدارسة»
مؤسسها فى سنة (١٧٥هـ=٧٩١م) بعد ثلاث سنوات ونصف فقط من
قيامها.
إدريس بن إدريس بن عبد الله: [١٧٥ - ٢١٣هـ = ٧٩١ - ٨٢٨م]:
بات مقعد الإمامة شاغرًا عقب اغتيال «إدريس»، والتف البربر حول
مولاه «راشد»، وانتظروا مولود «كنزة» جارية «إدريس بن عبدالله»،
[ ٦ / ٣٨ ]
فلما وضعت حملها أسموه «إدريس» تبركًا باسم والده، وتعهده
«راشد» بالتربية والرعاية، ونشَّأه تنشأة دينية، حتى إذا بلغ الحادية
عشرة من عمره أقبلت القبائل على مبايعته بالإمامة، فدعا ذلك
الخلافة العباسية إلى التحرك ثانية للقضاء على هذه الدولة، وأوكلت
هذه المهمة إلى والى «المغرب الأدنى» «إبراهيم بن الأغلب» الذى
نجح فى استمالة مجموعة من البربر بأمواله وهداياه، ثم أوكل إليهم
مهمة قتل «راشد»، فقاموا بتنفيذها فى سنة (١٨٦هـ= ٨٠٢م)، لكن
«الدولة الإدريسية» واصلت مسيرتها، وانتقلت كفالة «إدريس»
والوصاية عليه إلى «أبى خالد بن يزيد بن إلياس العبدى»، وجُدِّدت له
البيعة فى سنة (١٨٨هـ= ٨٠٤م)، حين بلغ الثالثة عشرة من عمره،
وأصبح فى سن تؤهله لخلع الوصاية، وإدارة البلاد، وعزز مركزه
إقبال الوفود العربية من «القيروان» و«الأندلس» للعيش فى كنف
دولته فرارًا من بطش الحكام، فدعم بهم نفوذه، واتخذ منهم الوزراء
والكتاب والقضاة، وجعلهم بطانته وحاشيته، وقد شجعه هؤلاء على
بناء عاصمة جديدة لدولته، فبنى مدينة «فاس»، ثم استقر بها.
وفى سنة (١٩٧هـ= ٨١٣م) خرج «إدريس الثانى» على رأس قواته
لإخضاع «قبائل المصامدة» التى هددت أمن بلاده، ونجح فى ذلك
نجاحًا كبيرًا، وامتد نشاطه حتى منطقة «السوس الأقصى»، ودخل
مدينة «نفيس» ثم عاد إلى عاصمته «فاس»، وخرج فى العام التالى
صوب الشرق لتأمين حدود دولته، ودخل مدينة «تلمسان»، وأقام بها
ثلاث سنوات، يرتب أمورها، ويرمم مسجدها، ثم عاد إلى «فاس» فى
سنة (٢٠١هـ)، وظل فى الحكم حتى وافته المنية فى سنة
(٢١٣هـ=٨٢٨م).
محمد بن إدريس بن إدريس (٢١٣ - ٢٣٤هـ= ٨٢٨ - ٨٤٨م):
تولى «محمد» أكبر أبناء «إدريس الثانى» الإمامة فى سنة
(٢١٣هـ=٨٢٨م)، فنفذ وصية جدته «كنزة» بتقسيم أقاليم الدولة بين
إخوته، فكان لذلك أثره السيئ على وحدة دولة «الأدارسة»، ولما
يمضِ على قيامها أربعون سنة بعد، وطمع كل أخٍ فى الاستقلال
[ ٦ / ٣٩ ]
بإقليمه، وشقَّ عصا الطاعة على السلطة المركزية. ولكن «محمد بن
إدريس» تصدى لإخوته وضم ممتلكات أخويه «عيسى» و«القاسم»
بعد هزيمتهما إلى أخيه «عمر».
ولم تشهد البلاد بعد هذا التقسيم استقرارًا إلا فى بعض الفترات مثل:
عهد «يحيى بن محمد» الذى تولى الإمامة فى سنة (٢٣٤هـ=٨٤٨م)،
فازدهرت فى عهده مدينة «فاس» وشهدت تطورًا ملحوظًا فى
أنشطتها، ثم عهد «يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس» عام (٢٩٢هـ=
٩٠٥م)، الذى وصفه المؤرخون بأنه كان أعظم ملوك «الأدارسة» قوة
وسلطانًا وصلاحًا وورعًا وفقهًا ودينًا، وقد ظل بالحكم حتى سنة
(٣٠٥هـ = ٩١٧م) حتى طرق «مصالة بن حيوس» أبواب مدن «المغرب
الأقصى»، فأطاعه «يحيى بن إدريس»، وبايع «أبا عبيد الله
المهدى»، فدخلت دولة «الأدارسة» منذ ذلك الحين فى طور التبعية
للفاطميين تارة، وللحكم الأموى بالأندلس تارة أخرى.
[ ٦ / ٤٠ ]
الفصل السادس