[١٨٤ - ٢٩٦هـ=٨٠٠ - ٩٠٩م]:
قامت أربع دول إقليمية ببلاد المغرب فى الفترة من سنة (١٤٠هـ=
٧٥٧م) إلى سنة (٢٩٦هـ=٩٠٩م)، وسوف نعرض لهذه الدول وفقًا
لأماكن تواجدها على خريطة «المغرب» دون التقيُّد بالزمن الذى قامت
خلاله هذه الدول، ونبدأ من ناحية الشرق بدولة الأغالبة، التى
تأسست بالمغرب الأدنى (ليبيا وتونس) فى سنة (١٨٤هـ= ٨٠٠م) ثم
«الدولة الرستمية» بالمغرب الأوسط (الجزائر) فى سنة (١٦١هـ=٧٧٨م)،
ثم دولة «الأدارسة» بالمغرب الأقصى فى سنة (١٧٢هـ=٧٨٨م)، وأيضًا
دولة «بنى مدرار» فى «سجلماسة» بجنوب «المغرب الأقصى» فى
سنة (١٤٠هـ=٧٥٧م).
ينسب الأغالبة إلى «الأغلب بن سالم التميمى»، وهو عربى من قبيلة
«تميم»، التى شاركت فى القضاء على «الأمويين»، وإقامة «الدولة
العباسية»، وقد تولى «الأغلب» إفريقية فى سنة (١٤٨هـ=٧٦٥م)، ثم
استشهد بها فى حربه ضد الطامعين بقيادة «الحسن بن حرب
الكندى».
إبراهيم بن الأغلب [١٨٤هـ=٨٠٠م]:
تلقى «إبراهيم بن الأغلب» - فى نشأته الأولى - دروسه الدينية
بمسجد الفسطاط على يد الإمام «الليث بن سعد»، فلما بلغ مبلغ
الشباب التحق بالجندية، ثم جاء إلى «المغرب» وشارك فى أحداثها،
ثم ظهر على مسرح الأحداث فى إفريقية - كما سبقت الإشارة إليه -
فى عهد «محمد بن مقاتل العكى».
استقل «إبراهيم» بحكم «المغرب الأدنى» عن الخلافة، وعمد إلى
إقرار الأمن والاستقرار بهذا الإقليم، فضلًا عن تعريبه، واستكمال
نظامه الإدارى، وتنمية اقتصاده، فباتت «القيروان» مركزًا من مراكز
العلم والحضارة بالدولة الإسلامية، وظهرت أهمية المدن التابعة لها.
مثل: «تونس»، و«سوسة»، و«قابس»، و«قفصة»، و«توزر»،
و«نفطة»، و«طبنة»، و«المسيلة»، و«بجاية»، وغيرها. ولكن ذلك لم
يمنع من وقوع بعض الثورات بالمنطقة، مثل ثورة «عمران بن مجالد
الربيعى» الذى جمع حوله أهل «القيروان» فى محاولة للقضاء على
[ ٦ / ٢٩ ]
حكم «الأغالبة»، ولكن محاولتهم باءت بالفشل، حيث تصدى لهم
«إبراهيم بن الأغلب» بحزم وشدة، واستمر فى منصبه حتى وافته
منيته فى شوال سنة (١٩٦هـ= يونيو ٨١٢م)، فذكره المؤرخون بأنه
كان أحسن الولاة سيرة، وأفضلهم سياسة، وأوفاهم بالعهد،
وأرعاهم للحرمة، وأرفقهم بالرعية، وأخلصهم لأداء واجبه.
أبو العباس عبدالله بن إبراهيم بن الأغلب [١٩٦هـ=٨١٢م]:
تولى «أبو العباس» «المغرب» خلفًا لوالده، فاستقامت له الأمور
واستقرت، ولكنه انتهج سياسة ضريبية سيئة، أسفرت عن سخط
الناس عليه، وظل «أبو العباس» بالحكم مدة خمس سنوات ثم مات من
جرَّاء قرحة أصابته تحت أذنه.
زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب [٢٠١هـ=٨١٦م]:
تولى «زيادة» مقاليد الحكم بالمغرب خلفًا لأخيه «أبى العباس»
واستمر فى هذه الإمارة حتى سنة (٢٢٣هـ= ٨٣٨م)، فتمتعت البلاد فى
عهده بالرخاء والازدهار، فضلا عن التشييد والعمران بالمدن
المغربية، مثل: «القيروان»، و«العباسية»، و«تونس»، و«سوسة»
وقد وجه «زيادة» قدراته العسكرية للقضاء على الثورات التى قامت
بالمنطقة، ومنها: ثورة «زياد بن سهل» المعروف بابن الصقلبية فى
سنة (٢٠٧هـ=٨٢٢م)، وثورة «عمرو بن معاوية العيشى» فى سنة
(٢٠٨هـ=٨٢٣م)، وثورة «منصور الطنبذى» فى سنة (٢٠٩هـ=٨٢٤م)،
وكذلك وجه «زيادة» كفاءته الحربية فى العناية بالأسطول
الإسلامى، ثم توجيهه لغزو بعض الجزر القريبة من «تونس»، وإليه
يرجع الفضل فى إعداد حملة بحرية كبيرة بقيادة «أسد بن الفرات»
لغزو الجزر القريبة من «تونس»، ثم تُوفى فى سنة (٢٢٣هـ=٨٣٨م).
أبو عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب [٢٢٣هـ=٨٣٨م):
تولى الإمارة خلفًا لأخيه «زيادة» فى سنة (٢٢٣هـ=٨٣٨م)، ومكث بها
ما يقرب من ثلاث سنوات؛ نعمت البلاد خلالها بالهدوء والاستقرار،
وحرَّم «أبو عقال» صنع الخمور بالقيروان، وعاقب على بيعها
وشربها، فكان لذلك صداه الطيب فى نفوس الناس عامة، فضلا عن
[ ٦ / ٣٠ ]
الفقهاء والعلماء، ومات «أبو عقال» بالقيروان فى سنة
(٢٢٦هـ=٨٤١م).
أبو العباس محمد بن الأغلب [٢٢٦هـ=٨٤١م]:
تولى الإمارة خلفًا لأبيه «الأغلب»، وظل بها أكثر من خمسة عشر
عامًا، اتسمت بالخلافات بين أبناء «الأسرة الأغلبية»، فضلا عن
محاولة أخيه «أحمد» الفاشلة للإطاحة به والوصول إلى الحكم، يضاف
إلى ذلك انتفاضات الجند التى لم يكتب لها النجاح بمنطقتى «الزاب»،
و«تونس»، وقد تُوفى «أبو العباس» فى سنة (٢٤٢هـ) بالقيروان.
أبو إبراهيم أحمد بن محمد [٢٤٢هـ=٨٥٦م]:
تولى خلفًا لأبيه عقب وفاته فى سنة (٢٤٢هـ)، وتميزت فترة حكمه
بالهدوء والاستقرار، وقد غلب الطابع الدينى على سلوكه، فكان
يخرج فى شهرى شعبان ورمضان من مقر إقامته ليوزع الأموال على
الفقراء والمساكين بالقيروان، واهتم «أبو إبراهيم» بالبناء والتعمير،
وزاد فى «مسجد القيروان»، وجدد «المسجد الجامع» بتونس، وحصَّن
مدينة «سوسة» وبنى سورها، كما اهتم بإمداد سكان المدن بمياه
الشرب، وقد تُوفى فى سنة (٢٤٩هـ=٨٦٣م).
أبو محمد زيادة الله الثانى [٢٤٩هـ=٨٦٣م]:
تولى «أبو محمد» خلفًا لأخيه «أبى إبراهيم أحمد»، ولم يستمر فى
منصبه سوى عام واحد، ثم تُوفى فى سنة (٢٥٠هـ=٨٦٤م).
أبو عبد الله محمد بن أحمد [٢٥٠هـ=٨٦٤م]:
خلف عمه «أبا محمد زيادة» فى الإمارة فى سنة (٢٥٠هـ=٨٦٤م). وقد
اشتهر «أبو عبدالله» بأبى الغرانيق؛ لولعه بصيد «الغرانيق»، وبنى
لذلك قصرًا كبيرًا، أنفق عليه أموالا كثيرةً، كما شاد الحصون
والمحارس الكثيرة على سواحل البحر المتوسط وتوفى «أبو
الغرانيق» فى سنة (٢٦١هـ).
إبراهيم بن أحمد [٢٦١هـ=٨٧٥م]:
ولى أمور الحكم عقب وفاة أخيه «أبى الغرانيق» فى سنة
(٢٦١هـ=٨٧٥م)، وامتد عهده أكثر من ثمانية وعشرين عامًا؛ ظهر
خلالها «أبو عبدالله الشيعى»، الذى استقطب إلى دعوته الشيعية
عددًا من القبائل، وقد اختلف المؤرخون فى تقييم شخصية «إبراهيم
[ ٦ / ٣١ ]
بن أحمد»، فذكر بعضهم أن عهده كان عهد استقرار وهدوء، وإقرار
للعدل، وتأمين للسبل، فضلا عن قيامه بإتمام بناء المسجد بتونس،
وبناء الحصون والمحارس على سواحل البحر، يضاف إلى ذلك
تأسيسه مدينة «رقادة»، وبناؤه جامعًا بها، فى حين يصفه «ابن
خلدون» بقوله: «وذكر أنه كان جائرًا، ظلومًا ويُؤخذ أنه أسرف فى
معاقبة المعارضين له بالقتل والتدمير، لكنه حاول فى أخريات أيامه
إصلاح ما أفسده، وبخاصة بعد ظهور داعية الشيعة «أبى عبدالله»
وانضمام كثير من الناس إلى دعوته، فأسقط المغارم، ورفع المظالم
عن طبقات الشعب الكادحة، كما تجاوز عن ضريبة سنة بالنسبة إلى
أهل الضياع، ووزع الأموال على الفقراء والمحتاجين، وختم حياته
بالجهاد فى «صقلية»، حيث مرض أثناء حصاره لإحدى المدن، ومات
ليُحمل ويدفن فى مدينة «بلرم» فى سنة (٢٨٩هـ=٩٠٢م)، وذكر «ابن
الأثير» أنه حُمل فى تابوت ودفن بالقيروان.
أبو العباس عبدالله بن إبراهيم [٢٨٩هـ=٩٠٢م]:
تولى الإمارة فى سنة (٢٨٩هـ=٩٠٢م)، ولم يستمر بها سوى عام
ونصف العام، حيثُ قُتل على يد ابنه «زيادة الله»، وكانت فترة حكمه
امتدادًا لسياسة والده «إبراهيم بن أحمد» فى الحكم، فبدأت عوامل
الضعف والوهن تدب فى أوصال دولة الأغالبة.
زيادة الله بن أبى العباس عبدالله [٢٩٠هـ=٩٠٣م]:
تولى «زيادة» الحكم عقب مقتل أبيه، وانتهج سياسة أبيه وجده،
وتتبع أفراد أسرته بالقتل، فى الوقت الذى نشط فيه «أبو عبدالله
الشيعى» وأحرز الانتصارات تلو الأخرى، واستولى على كثير من
المدن الأغلبية، ولم تفلح جيوش «زيادة» فى صده أو إيقاف زحفه،
فوجد «زيادة» نفسه عاجزًا عن الحفاظ على ملك آبائه وأجداده،
فآثر الهرب إلى «مصر»، وحمل معه كل ما استطاع حمله من مال
وعتاد، ورحل من «رقادة» فى (٢٦من جمادى الآخرة عام ٢٩٦هـ=
مارس ٩٠٩م)، فباتت المدينة سهلة المنال «لأبى عبدالله الشيعى»،
فبعث «عروبة بن يوسف» أحد قادته للاستيلاء عليها، فدخلها دون
[ ٦ / ٣٢ ]
قتال، وطويت بذلك صفحة «الأغالبة».
[ ٦ / ٣٣ ]
الفصل الرابع