[٦٠٢ - ٦٨٩ هـ = ١٢٠٦ - ١٢٩٠ م].
النشأة والتكوين:
شهد العالم الإسلامى فترة من تاريخه، تبوَّأ فيها الأرقاء والعبيد
عرش البلاد، وتقاليد الحكم، ومناصب الدولة المهمة، وكان هؤلاء
العبيد من الأتراك الذين جلبهم السلاطين للخدمة فى صفوف الجيش،
فتدرجوا فى مناصبه حتى بلغوا المناصب القيادية المهمة، فزاد
نفوذهم، وعلا شأنهم، وباتوا قوة ضاربة تتحكم فى سير الأمور
وتطورها؛ حتى إن أحدهم انتزع الملك لنفسه حين توفى أحد
السلاطين، ولم يكن له وارث، وأقام المماليك دولتهم بالهند عقب زوال
دولة الغور، وظلَّت دولتهم قائمة مدة أربعة وثمانين عامًا فى الفترة
من سنة (٦٠٢هـ= ١٢٠٦م) إلى سنة (٦٨٩هـ = ١٢٩٠م).
الوضع الداخلى:
كان «قطب الدين أيبك» الذى حكم من سنة (٦٠٢ هـ= ١٢٠٦م) إلى
سنة (٦٠٧هـ = ١٢١٠م)، أول سلاطين المماليك فى «الهند»، واشتهر
بحبه للعدل، وإقراره السلام والأمن فى نواحى بلاده، وبنى مسجدين
كبيرين، أحدهما بدهلى والآخر بآجمبر. وتوفى هذا السلطان فى
عام (٦٠٧هـ= ١٢١٠م)، ثم خلفه ابنه «آرام شاه»، وعجز عن تسيير
أمور البلاد وإدارتها، فاستدعى رجال الدولة والبلاط «ألتُمش» وطلبوا
منه أن يلى أمور السلطنة، فوافق على مطلبهم وطرد «آرام شاه» من
السلطنة، وتربع على عرشها فى عام (٦٠٧هـ = ١٢١١م).
يُعدّ «شمس الدين ألتمش» المؤسس الحقيقى لدولة المماليك فى
«الهند»، وهو مملوكى اشتراه «قطب الدين أيبك» من «غزنة»،
وحمله معه إلى «الهند»، ثم جعله رئيسًا لحرسه، ثم أسند إليه حكم
ولايات «الهند»، فتعرض «شمس الدين» لمحاولات كثيرة للإطاحة به،
وما كاد يتخلص منها حتى ظهر له خطر المغول، وألحقوا بدياره
الخراب والدمار، ولكنهم لم يتحملوا حرارة جو بلاده، واتجهوا صوب
الغرب ثانية، فنجت البلاد من شرورهم.
لم ير «ألتُمش» فى أبنائه الذكور مَنْ يصلح للحكم من بعده، فأوصى
[ ٤ / ٨٥ ]
به لابنته «رضية»، ولكن رجال البلاط عهدوا بالملك عقب وفاته إلى
الأمير «ركن الدين فيروز شاه»، إلا أنه لم يهنأ بالملك بسبب الفتن
والاضطرابات التى عمت أنحاء البلاد، وكان نتيجة ذلك أن قُتل هو
وأمه، فآلت أمور الحكم إلى السلطانة «رضية» فى عام (٦٤٣هـ =
١٢٣٦م).
يعد السلطان «بِلْبان» (بِلْبِن) الذى حكم فى الفترة من عام (٦٦٤هـ =
١٢٦٥م) إلى عام (٦٨٦هـ = ١٢٨٧م)، من أقوى سلاطين «الهند»
وأعظمها فى تاريخها الوسيط، إذ واجه المغول الذين عادوا إلى
تهديد «الهند» ثانية، وأعاد الهدوء والاستقرار إلى بلاده، ثم قضى
على «الهندوس» الذين قطعوا الطريق بين «دهلى» و«البنغال»،
وأقر الأمن والنظام فى ربوع دولته.
عهد «بلبان» - حين شعر بدنو أجله - بالحكم إلى ابنه «بغراخان»، إلا
أن ابنه رفض ذلك، فعهد به إلى حفيده «كيخسرو بن بغراخان»،
فتولى أمور البلاد، ولكنه كان ضعيفًا لا يقوى على تسيير أمور
الحكم بمفرده، فأسندها إلى «نظام الدين» الذى اعتمد على خواصه
والمقربين إليه فى إدارة شئون البلاد، فاستبدوا بها، وحاول
«بغراخان» أن يتخلص من «نظام الدين» ولكن الترك لم يمكنوه من
ذلك، وعزلوا ابنه «كيخسرو» وولوا «كيقباد» أحد أطفاله الصغار،
فتصدى لهم «الخلجيون» بقيادة زعيمهم «فيروز شاه»، وقضوا
عليهم، فزال حكم المماليك بالهند على أيديهم.
العلاقات الخارجية:
اتسمت العلاقة الخارجية لسلطنة «دهلى» الإسلامية فى عهد الملوك
المماليك (القرن السابع الهجرى - الثالث عشر الميلادى) بأنها كانت
علاقة عسكرية فى المقام الأول؛ إذ عمد سلاطينها إلى توطيد ملكهم
بعد زوال دولة الغور على أيديهم. يضاف إلى ذلك الخطر الذى واجهه
هؤلاء السلاطين وبلادهم على أيدى المغول، الذين طمعوا فى ملك
بلا حدود، والهندوس الذين سعوا إلى إسقاط حكمهم والتوسع على
حسابهم، واستطاع «بلبان» - كما مر - أن يتصدى للغزاة والطامعين،
وحفظ لبلاده استقرارها وهدوءها.
[ ٤ / ٨٦ ]
ثم تمكن الخلجيون من إسقاط هذا الحكم، وإقامة آخر باسم جديد
لدولة جديدة تحمل اسمهم.
مظاهر الحضارة:
نعمت «دهلى» بالاهتمام ببعض مظاهر الحضارة فى عهد الملوك
المماليك، فبنى «قطب الدين أيبك» مدرسة كبيرة إلى جانب مسجده
الشهير الذى بدأ بناءه فى عام (١١٩١م)، ثم أكمله له «ألتُمش» فى
عام (١٢٣٠م)، ولاتزال منارة هذا المسجد - التى كانت مكونة من
سبعة طوابق - قائمة حتى الآن، ولم يتبقَّ من طوابقها سوى خمسة
فقط.
كما قام «ألتُمش» بتشجيع العلوم والآداب فى السلطنة، وأنفق أموالا
كثيرة فى نسخ أعداد كثيرة من القرآن الكريم لتكون فى متناول
أفراد شعبه، وأسس العديد من المدارس، وزيَّن بلاطه بالعلماء
والشعراء، وأولى الفن المعمارى عناية فائقة، فأتم مسجد «أيبك»
فى «دهلى»، وشيَّد آخر فى «آجميز»، وجعل عاصمته أحد مراكز
العلوم والآداب المهمة.
[ ٤ / ٨٧ ]
الفصل الخامس عشر