[٥٩٠ - ٦٥٦هـ =١١٩٤ - ١٢٥٨ م]
تعاقب فى منصب الخلافة فى هذا العصر أربعة خلفاء هم:
١ - الناصر لدين الله (٥٩٠ - ٦٢٢هـ = ١١٩٤ - ١٢٢٥م).
٢ - الظاهر بأمر الله (أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله) (٦٢٢ - ٦٢٣هـ
= ١٢٢٥ - ١٢٢٦م).
٣ - المستنصر بالله (أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله) (٦٢٣ - ٦٤٠
هـ = ١٢٢٦ - ١٢٤٢م).
٤ - المستعصم بالله (أبو أحمد عبدالله بن المستنصر بالله) (٦٤٠ -
٦٥٦هـ = ١٢٤٢ - ١٢٥٨م).
أما أول هؤلاء الخلفاء - وهو «الناصر لدين الله» - فقد حاول أن يضع
حدا لطموح «علاء الدين تكش»، الذى أراد أن يتنازل له الخليفة عن
السلطة المدنية فى «بغداد»، وأن يكتفى بالسلطة الاسمية على
العالم الإسلامى، فأشعل الخليفة فتيل الصراع بينه وبين سلطان
الغور «غياث الدين محمد بن بهاء الدين»، ونشبت بينهما الحرب سنة
(٥٩٤هـ = ١١٩٨م) وانتهت بهزيمة «تكش».
ولم يكتفِ الخليفة «الناصر» بالاستعانة بالغوريين لإضعاف نفوذ
الخوارزميين، بل إنه استعان بالإسماعيلية الباطنية، وطلب من التتار
(المغول) مساعدته فى القضاء على نفوذ أمراء «خوارزم»، فكان
«الناصر» كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ حيث قضى التتار على
«الدولة الخوارزمية»، وقضوا على «الخلافة العباسية» أيضًا.
ظهور المغول والقضاء على الدولة الخوارزمية:
المغول اسم أطلقه «جنكيز» على أتباعه، وهم شعب وثيق الصلة
بالترك فى اللغة والشكل، يقيم فى المنطقة الواقعة ما بين «الصين»
و«سيبريا الجنوبية» والمنطقة المعروفة اليوم باسم «منغوليا».
ويرى بعض الباحثين أن «المغول» كلمة أوسع دلالة من «التتار»
الذين يمثلون جزءًا من المغول، ولكن الاستعمال الشائع الآن يسوى
بين الكلمتين فى الدلالة.
وقد كان المغول قبائل صغيرة تعيش فى فقر وانحطاط، واستطاع
«جنكيز خان» فى أواخر القرن السادس الهجرى (الثانى عشر
الميلادى) أن يوحِّد هذه القبائل لتصبح «منغوليا» كلها تحت سلطانه
[ ٣ / ٩١ ]
سنة (٦٠٣هـ = ١٢٠٦م)، وقد تلقب منذ ذلك الحين بلقب «إمبراطور»،
وعرف باسم «جنكيز خان» بدلًا من اسمه الأصلى «تموُين» أو
«تيمورُى».
وقد استطاع «جنكيز خان» تكوين إمبراطورية شاسعة، ففى سنة
(٦١٢هـ = ١٢١٥م) استولى على «بكين» وفى ذى الحجة سنة (٦١٦هـ
= ١٢١٩م) استولى على مدينة «بخارى» عاصمة «ما وراء النهر»
وأشعل فيها النار، فحولها إلى كومة رماد، وقتل من أهلها ثلاثين
ألفًا.
وفى (١٠ من المحرم سنة ٦١٧هـ = ١٧ من مارس سنة ١٢٢٠م) استولى
على «سمرقند»؛ فسوَّاها بالأرض بعد أن قتل أهلها بلا رحمة.
وفى (شوال سنة ٦١٧هـ = نوفمبر سنة ١٢٢٠م) تُوفِّى السلطان «علاء
الدين محمد بن تكش» بعد أن استبد به الغم بسبب سقوط «ما وراء
النهر» فى يد المغول واقترابهم من «خوارزم»، فتولى بعده ابنه
«جلال الدين منكوبردى»، الذى يعرف عادة باسم «جلال الدين
منكبرتى»، وهو آخر سلاطين «خوارزم».
وفى أوائل عهد «جلال الدين» سنة (٦١٨هـ = ١٢٢١م) استولى
المغول على «خوارزم» بعد حصار دام خمسة أشهر، وسقطت بذلك
«الدولة الخوارزمية» ببلاد «ما وراء النهر»، وفر السلطان «جلال
الدين» متنقلًا فى عدة بلاد حتى قتله جماعة من الأكراد الناقمين
بإحدى قرى «ميافارفين»، فى منتصف (شوال سنة ٦٢٨هـ =
أغسطس سنة ١٢٣١م)، ففقد المسلمون بطلًا كانوا يطمعون فى
توحيد صفوفهم تحت لوائه لإيقاف طوفان المغول الجارف.
وقد تُوفِّى الخليفة «الناصر» فى أواخر (رمضان سنة ٦٢٢هـ = سبتمبر
١٢٢٥م) وعمره نحو سبعين عامًا، بعد أن استمر فى الحكم سبعةً
وأربعين عامًا. وقد شهدت خلافته سقوط «دولة السلاجقة»، وظهور
قوة المغول، وإسقاطهم «الدولة الخوارزمية»، وتهديدهم للعالم
الإسلامى كله، وكانت الخلافة العباسية قد فقدت معظم أرضها ولم
تعد كلمة الخليفة مسموعة إلا فى بعض «العراق»؛ فأصبحت الخلافة
شكلًا بلا مضمون ووقفت عاجزة أمام هذه الأحداث التى زلزلت كيان
الأمة الإسلامية كلها.
[ ٣ / ٩٢ ]
وقد تولى الخلافة بعد «الناصر» ابنه «أبو نصر محمد» الملقب
بالظاهر بأمر الله، وكان حسن السيرة، عادلًا، لكن خلافته لم تطل،
فقد تُوفِّى فى (١٤ من رجب سنة ٦٢٣هـ = ١١ من يوليو سنة ١٢٢٦م)،
فلم يدم فى الخلافة عامًا.
وتولى الخلافة بعد الظاهر بأمر الله ابنه «أبو جعفر المنصور» الملقب
بالمستنصر بالله، فسار على طريقة أبيه فى العدل والإحسان
وتقريب أهل العلم والدين، وقمع المتمردين، ولكن الظروف القاسية
التى أحاطت بالخلافة فى ذلك الوقت قيدت الخلفاء وشلت قدرتهم
على العطاء، فقد تصاعد خطر المغول فى خلافة «المستنصر بالله»
(٦٢٣ - ٦٤٠هـ = ١٢٢٦ - ١٢٤٢م)، وأصبح على أبواب «العراق»، حيث
تعرضت «الجزيرة» فى شمال «العراق» لهجمات المغول المدمرة.
وقد اجتمع على المسلمين فى هذه الفترة الخطر المغولى القادم من
الشرق، والخطر الصليبى القادم من الشمال، وانشقاق البيت الأيوبى
على نفسه عقب وفاة «صلاح الدين الأيوبى»، ولم يستطع الخليفة
«المستنصر» أن يفعل شيئًا لعدم قدرته على ذلك.
وبعد وفاة الخليفة «المستنصر» فى (جمادى الآخرة سنة ٦٤٠هـ =
نوفمبر سنة ١٢٤٢م) تمت البيعة لابنه «أبى أحمد عبدالله» الملقب
بالمستعصم بالله، وهو آخر الخلفاء العباسيين فى «العراق»، وكان
عمره حينئذٍ ثلاثين عامًا.
ورغم أن «المستعصم بالله» كان موصوفًا بالصلاح والتمسك بالسنة
فإنه لم يكن كأبيه «المستنصر» أو جده «الناصر» فى التيقظ والحزم
وعلو الهمة.
ومما زاد الموقف سوءًا استعانته منذ سنة (٦٤٢هـ = ١٢٤٤م) بوزير
غير ثقة هو مؤيد الدين «أبو طالب محمد بن أحمد العلقمى»، الذى
وصفه المؤرخون بأنه كان رافضيا خبيثًا حريصًا على زوال «الدولة
العباسية»، ونقل الخلافة إلى العلويين، ويقال إنه راسل المغول
وأطمعهم فى القدوم إلى «بغداد»، حتى ينجو من القتل عندما
يدخلونها.
وقد شهدت خلافة «المستعصم» حدثًا خطيرًا كانت له آثاره البعيدة
[ ٣ / ٩٣ ]
فى التاريخ الإسلامى هو انتهاء حكم «الأسرة الأيوبية» فى «مصر»
وبداية حكم المماليك، سنة (٦٤٨هـ = ١٢٥٠م)، وكان الملك المعظم
«توران شاه» آخر حكام الأيوبيين فى «مصر»، ولم يستمر حكمه
شهرًا، فقد تولى الحكم فى أول شهر (المحرم سنة ٦٤٨هـ = منتصف
إبريل سنة ١٢٥٠م)، وقتل فى السابع والعشرين من الشهر نفسه
بتدبير زوجة أبيه «الملك الصالح» المعروفة باسم «شجرة الدر» التى
تولت الحكم بعده وتزوجت «عزالدين أيبك التركمانى»، أحد مماليك
زوجها الراحل «نجم الدين أيوب»، ثم خلعت نفسها من الحكم بعد
ثلاثة أشهر هى صفر وربيع الأول وربيع الثانى من عام (٦٤٨هـ =
١٢٥٠م)، وتولى زوجها «المعز أيبك» حكم «مصر»، وكان ذلك بداية
العصر المملوكى فى «مصر».
وقد استمر الملك «عزالدين أيبك» فى حكم «مصر» سبع سنوات، ثم
قُتل فى الثالث والعشرين من شهر (ربيع الأول سنة ٦٥٥هـ = ١٠ من
إبريل سنة ١٢٥٧م) بتدبير زوجته «شجرة الدر»، حين أراد الزواج
عليها، فتولى الحكم بعده ابنه «الملك المنصور نور الدين على ابن
أيبك»، وكان صبيا فى الخامسة عشرة من عمره، لا يحسن تدبير
الأمور، فتم خلعه بعد ولايته بنحو سنتين وثمانية أشهر فى (١٧ من
ذى القعدة سنة ٦٥٧هـ = ٥ من نوفمبر سنة ١٢٥٩م)، وتولى زمام
السلطة بعده «الملك المظفر سيف الدين قطز»، الذى كان له شأن
كبير فى الجهاد الإسلامى ضد المغول.
سقوط بغداد فى يد المغول وانهيار الخلافة العباسية فى العراق
[٦٥٦هـ = ١٢٥٨م]:
تصاعد خطر المغول فى خلافة «المستعصم بالله»، وخرج قائدهم
«هولاكو» (٦١) - حفيد «جنكيزخان» - على رأس جيش يبلغ تعداده
مائتى ألف قاصدًا «العراق»، وأرسل إلى الخليفة «المستعصم»
يطالبه بالاستسلام والدخول فى طاعته، لكن الخليفة أرسل بعض
الهدايا إلىهولاكو.
وقد وصل جيش «هولاكو» إلى «بغداد» فى شهر (المحرم سنة ٦٥٦هـ
= يناير سنة ١٢٥٨م) وأحاط بعاصمة الخلافة، وكان جيش «بغداد»
[ ٣ / ٩٤ ]
قليل العدد لايبلغ عشرة آلاف فارس، بعد أن كان مائة ألف فى عهد
الخليفة «المستنصر»، ولم يصمد جيش «بغداد» طويلًا فى مواجهة
المغول، فاقتحمت قوات «هولاكو» «بغداد» فى (١٠ من المحرم سنة
٦٥٦هـ = ١٧ من يناير سنة ١٢٥٨م)، وقبض «هولاكو» على الخليفة
«المستعصم» وأهل بيته، بتدبير من وزيره الخائن «ابن العلقمى»،
كما تم القبض على عدد كبير من علماء «بغداد» وأعيانها وأمرائها،
وتم قتلهم جميعًا، واستمر القتال فى «بغداد» أربعين يومًا، وبلغ
عدد القتلى أكثر من مليون شخص، وكانت بلية لم يُصب الإسلام
بمثلها.
وهكذا أسقط المغول «الخلافة العباسية» فى «بغداد» سنة (٦٥٦هـ=
١٢٥٨م)، بعد أكثر من خمسة قرون من قيامها سنة (١٣٢هـ = ٧٤٩م)،
وقد ظن المغول أن سقوط الخلافة العباسية قد مهد الطريق أمامهم
لاكتساح العالم الإسلامى ولكن آمالهم تحطمت على صخرة الجهاد
الباسل فى معركة «عين جالوت» بفلسطين فى رمضان سنة (٦٥٨هـ
= ١٢٦٠م)، بقيادة سلطان «مصر» المملوكى «قطز»، مما مهد الطريق
لإحياء الخلافة العباسية فى «مصر» على يد السلطان «الظاهر
بيبرس» سنة (٦٥٩هـ = ١٢٦١م).
[ ٣ / ٩٥ ]
الفصل الثامن