(٤٠٠ - ٤٨٤هـ = ١٠٠٩ - ١٠٩١م).
ترتب على سقوط الخلافة والدولة الأموية انقسام الأندلس إلى دويلات
متنازعة، واستقلال كل أمير بناحيته، وإعلان نفسه ملكًا، ودخلت
البلاد بذلك فى عصر جديد عرف باسم عصر ملوك «الطوائف» أو عصر
الفرق.
وقد انضوت هذه الدويلات تحت مظلة أحزاب ثلاثة كبيرة عمل كل منها
على بسط سلطانه على كل الأندلس.
١ - حزب أهل الأندلس:
ويقصد بهم من استقروا فى البلاد من قديم الزمان وصاروا أندلسيين
بمرور الزمن بصرف النظر عن أصلهم العربى أو المغربى أو الصقلى
أو الإسبانى، وقد أطلق على هؤلاء مصطلح أهل الجماعة، ومن
هؤلاء:
بنو عباد اللخميون فى إشبيلية، وبنو جهور فى قرطبة، وبنو هود
الجذاميون فى سرقسطة، وبنو صمادح أو بنو تجيب فى ألمرية،
وبنو برزال فى قرمونة، وعبد العزيز بن أبى عامر فى بلنسية .. الخ.
٢ - حزب البربر أو المغاربة: حديثوا العهد بالأندلس وهم الذين استقروا
بها منذ زمن المنصور بن أبى عامر، ومن هؤلاء بنو زيرى
الصنهاجيون فى غرناطة، وبنو حمود الأدارسة العلويون فى مالقة.
٣ - حزب كبار الصقالبة:
الذين استقلوا بشرقى الأندلس، ومنهم مجاهد العامرى الذى استقل
بداتية والجزر الشرقية وغيرها، وخيران العامرى زعيم حزب الصقالبة
فى قرطبة أثناء الفتنة، وكل واحد من هذه الأحزاب حرص على أن
يبحث لنفسه عن غطاء روحى فأقام خليفة بجواره يستمد منه
سلطانه، فبنو عبَّاد جاءوا بشخص اسمه خلف الحصرى، كان شديد
الشبه بهشام المؤيد المشكوك فى موته، فجعلوه خليفة صاحب
الجماعة، ثم أظهر المعتضد بن عباد موته عام (٤٥٥هـ= ١٠٥٣م)،
وأعلن أنه منحه ولاية العهد وأنه الأمير بعده على كل الأندلس
بمقتضى هذا العهد.
أما الحزب المغربى فقد تولى خلافته بنو حمود بالنظر إلى أصلهم
العربى الشريف، ولكن هؤلاء انقسموا على أنفسهم وصار كل واحد
منهم يزعم الخلافة لنفسه، ويتخذ ألقابها مثل المهدى والعالى
[ ٧ / ٩٨ ]
والمستعلى .. الخ، وانتهى الأمر باستيلاء بنى زيرى ملوك غرناطة
على مالقة، وبنى عباد على الجزيرة الخضراء وانتهى بذلك ملك
الحموديين.
أما حزب الصقالبة فقد أقام مجاهد العامرى فى مملكته بداتية والجزر
الشرقية خليفة أمويا هو الفقيه أبو عبدالله بن الوليد المعيطى الذى
لقبه بالمنتصر بالله.
لكن مجاهد مالبث أن طرده ونفاه إلى بلاد المغرب عندما علم أنه
تآمر عليه أثناء غزوه لجزيرة «سردينيا «.
وقد اصطدمت مصالح هؤلاء جميعًا لقرب المسافات بينهم، وهذا وضع
جعل المراكشى يسخر منه فيقول:
» وصار الأمر فى غاية الأخلوقة (الأضحوكة) والفضيحة، أربعة كلهم
يتسمى بأمير المؤمنين فى رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخًا
فى مثلها «.
كما كان جديرًا بتندر ابن حزم الذى علق عليه بقوله:
» واجتمع عندنا بالأندلس فى صقع واحد خلفاء أربعة، كل واحد منهم
يخطب له بالخلافة بموضعه، وتلك فضيحة لم ير مثلها، أربعة رجال
فى مسافة ثلاثة أيام كلهم تسمى بالخلافة، وإمارة المؤمنين «.
تجرى الأمور على هذا النحو المرير بالأندلس فى الوقت الذى كانت
تعمل فيه دول إسبانيا المسيحية فى شمال البلاد على توحيد
صفوفها تساندها فرنسا والبابوية فى روما.
وما إن زالت الدولة الأموية من الأندلس حتى تغلغل النفوذ الفرنسى
بكل صوره، سياسية وثقافية ودينية فى الشمال الإسبانى باعثًا
روحًا صليبية جديدة ضد المسلمين.
وكان يحكم إسبانيا المسيحية فى هذه الآونة رجل طموح هو الملك
«ألفونسو السادس» ملك قشتالة، نجح فى توحيد مملكتى قشتالة،
وليون، وسيطر على الممالك المسيحية الشمالية، وتوَّج جهوده
العسكرية باحتلال «طليطلة» عاصمة الثغر الأدنى للمسلمين سنة
(٤٧٨هـ = ١٠٨٥م)، رغم تميزها بموقع منيع.
وكان سقوط مدينة «طليطلة» فى أيدى الإسبان كارثة كبرى
للمسلمين؛ لأن العدو احتل الأراضى الواسعة التى تمتد جنوبًا حتى
جبال قرطبة، وأطلق على هذه المنطقة الجديدة اسم «قشتالة
[ ٧ / ٩٩ ]
الجديدة» وبذلك تمزقت بلاد المسلمين وانشطرت إلى قسمين.
ولم يكتف «ألفونسو السادس» بما حققه، وإنما اتجه بتحريض من
الفرنسيين إلى مدينة «سرقسطة» عاصمة الثغر الأعلى وحاصرها
بهدف الاستيلاء عليها، وأخذ يضرب ملوك الطوائف بعضهم ببعض،
ويهاجم أراضيهم ويطالبهم بالأموال كى يضعفهم عسكريا
واقتصاديا.
وعلى الرغم من هذه الصورة القاتمة سياسيا واجتماعيا فإنه مما
يلفت النظر أن تزدهر العلوم وترتقى الآداب والفنون فى عصر ملوك
الطوائف؛ لأن معظم هؤلاء الملوك والرؤساء كانوا من العلماء والأدباء
والشعراء، وكانت قصورهم مجامع للعلوم والآداب، وكلها تزهو لا
بفخامتها وروعتها بل بأمرائها ووزرائها وكتابها، وقد بلغ الشعر
الأندلسى فى زمن ملوك الطوائف شأوًا لم يصل إليه فى أى عصر
آخر.
وقد تميزت قصور ثلاثة بصفة خاصة بمشاركتها فى النهضة الأدبية
والشعرية، وهى قصور بنى عباد بإشبيلية، وبنى الأفطس فى
بطليوس، وبنى صمادح فى ألمرية، وقد برز من بنى عباد: المعتضد
بن عباد وولده المعتمد، ولمع فى بلاطهم كثير من الشعراء والوزراء
والكتاب، وظهر فى بلاط بنى الأفطس «أبو محمد عبدالمجيد بن
عبدون»، و«أبو بكر» و«أبو محمد» و«أبو الحسن» أبناء عبدالعزيز
البطليوسى، كما اجتمع حول بنى صمادح عدد من أقطاب الأدب
والشعر منهم ابن القزاز وابن الحداد والوازى آشى وغيرهم، أما بنو
هود فى سرقسطة فقد نعم بحمايتهم واشتهر فى ظلهم الشاعر أحمد
بن محمد ابن دراج القسطلى.
وعرف هذا العصر مجموعة من العلماء الكبار الذين وصلوا إلى القمة
من حيث النضج الفكرى والمستوى العلمى، من هؤلاء ابن حزم وأبو
الوليد الباجى، واللغوى ابن سيده، واللغوى الجغرافى أبو عبيد
البكرى، والعلامة ابن عبدالبر، ومجاهد العامرى صاحب داتية، ومحمد
بن أحمد بن طاهر صاحب مرسية، ومن أكابر الفلكيين والرياضيين
الذين أفادوا الغرب ببحوثهم أبو إسحاق إبراهيم يحيى الزرقالى،
[ ٧ / ١٠٠ ]
وأبو القاسم إصبغ بن السمح الغرناطى، وقد اشتهر الأول بجداوله
الفلكية التى صحَّحت كثيرًا مما جاء فى الجداول القديمة، أما الآخر
فكان بارعًا فى الهندسة والفلك، والرياضيات، ومن كبار العلماء
الذين عنوا بالتاريخ وتدوين الحوادث والترجمة للأعلام ابن حزم،
والمؤرخ الكبير أبو مروان حيان بن خلف بن حيان، وأبو عبدالله
الحميدى، وأبو الحسن على بسام الشنترينى صاحب كتاب «الذخيرة
فى محاسن أهل الجزيرة»، والكاتب القدير والمؤرخ الأديب الفتح بن
خاقان، وكما ارتقت العلوم والآداب ازدهرت الفنون والصناعات فى
عهد ملوك الطوائف، خاصة ما يتعلق بالموسيقى والغناء وآلات
الطرب.
وإذا كان يعرف عن أهل الأندلس اهتمامهم بكل ما يتعلق بتربية
الماشية، وفلاحة الأرض، وتنظيم الرى وأحوال الجو، وخواص النباتات
وإنشاء الحدائق فإنه ينبغى الإشارة إلى ظهور عدد من علماء النبات
والزراعة فى عهد ملوك الطوائف، لاسيما فى طليطلة وإشبيلية منهم
ابن وافد وابن بصال، وأحمد بن محمد حجاج، وابن لونكو فى قرطبة
وغير هؤلاء.
وكانت الصناعات رائجة خلال عصر الطوائف وأشهرها بصفة خاصة،
وكان فى ألمرية وحدها خمسة آلاف مصنع تنتج أجمل أنواع الأقمشة
وأفخمها، وكانت السفن تأتى من بلاد المشرق ومن الثغور الإيطالية
إلى الموانئ الأندلسية فى إشبيلية وألمرية وبلنسية وداتية
وسرقسطة تحمل بضائع المشرق، وتعود محملة بما تستورده من
السلع الأندلسية، وكانت التجارة الخارجية مصدرًا مهما من مصادر
دخل دول الطوائف ذات الثغور.
[ ٧ / ١٠١ ]
الفصل السابع