[٣٣٤ - ٤٤٧ هـ = ٩٤٥ - ١٠٥٥م]
عندما دخل «أحمد بن بويه» «بغداد» فى جمادى الأولى سنة (٣٣٤هـ =
ديسمبر سنة ٩٤٥م) كان «المستكفى بالله» هو الخليفة العباسى، ولم
يكن أمامه إلا أن يظهر الترحيب به، بل إنه زاد على ذلك فخلع عليه
الخُلَع ولقبه «معز الدولة»، كما لقَّب أخاه «عليا» «عماد الدولة»،
وأخاه «الحسن» «ركن الدولة»، وأمر بأن تُضرَبَ ألقابهم وكُناهم
على الدنانير والدراهم، وكان «على بن بويه» حاكمًا لإقليم «فارس»،
و«الحسن ابن بويه» حاكمًا لعدة أقاليم أهمها
«الرى»،و«الجبل»،و«أصفهان»، فى حين دخل أخوهم الأصغر
«أحمد» «بغداد».
وقد تدهورت أحوال «الخلافة العباسية»، واندثرت معالمها من
الناحية الواقعية حينما سيطر البويهيون على «بغداد»، فقد جردوا
الخليفة من كل سلطاته، وعدُّوه مجرد موظف مهمته إضفاء صفة
الشرعية على سلطانهم لدى جماهير المسلمين، فحددوا له راتبه،
وسلبوه حقه فى تعيين الوزراء، وسمحوا له بأن يتخذ كاتبًا
(سكرتيرًا) فقط يشرف على أمواله.
ورغم أن البويهيين كانوا شيعة، فإنهم لم يسقطوا الخلافة العباسية
السُنِّية فى «بغداد»، ليحلوا محلها خلافة علوية شيعية تتفق مع
مذهبهم، وسبب ذلك علمهم أن وجود خليفة من العلويين يهدد ملكهم
وسلطانهم، وليس الأمر كذلك مع الخليفة السنِّى الذى يستطيعون هم
أن يفعلوا به ما يشاءون.
وقد برهن سلوك البويهيين مع الخليفة «المستكفى» على صدق ذلك،
فقبل مرور شهر على دخولهم «بغداد» دخل «معز الدولة أحمد بن
بويه» على الخليفة «المستكفى»، فوقف الناس حسب مراتبهم، فتقدم
اثنان من الديلم - وهم قوم «معز الدولة» - فمدَّ الخليفة يده إليهما ظنا
منه أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه وطرحاه أرضًا، وجرَّاه بعمامته، ثم
هجم «الديلم» على دار الخلافة ونهبوها، وسار «معز الدولة» إلى
منزله، وساقوا الخليفة «المستكفى» ماشيًا إليه، ثم انتهت هذه
المأساة بخلع «المستكفى» وسمل عينيه.
[ ٣ / ٥٢ ]
وإذا استبعدنا خلافة «المستكفى»، فإننا نجد أن الخلفاء الذين
شهدوا عصر نفوذ البويهيين كانوا أربعة هم:
١ - المطيع لله «أبو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد» [٣٣٤ -
٣٦٣هـ = ٩٤٥ - ٩٧٤م].
٢ - الطائع لله «أبو بكر عبدالكريم بن المطيع» [٣٦٣ - ٣٨١هـ= ٩٧٤ -
٩٩١م].
٣ - القادر بالله «أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر» [٣٨١ - ٤٢٢
هـ= ٩٩١ - ١٠٣١م].
٤ - القائم بأمر الله «أبو جعفر عبدالله بن القادر» [٤٢٢ - ٤٦٧هـ= ١٠٣١
- ١٠٧٥م].
أولًا: خلافة المطيع لله:
بعد أن أمر «معز الدولة أحمد ابن بويه» بخلع «المستكفى» فى
(جمادى الآخرة سنة ٣٣٤هـ= ٩٤٥م)، أحضر «أبا القاسم الفضل ابن
المقتدر» وبايعه بالخلافة، ولقَّبه بالمطيع لله، وعمره - حينئذٍ- أربع
وثلاثون سنة، وحدد له «معز الدولة» راتبًا مائة دينار فى اليوم.
وقد شهدت خلافة «المطيع» أحداثًا كثيرة، أولها: نشوب الصراع بين
البويهيين فى «بغداد» بزعامة «معز الدولة» (أحمد بن بويهـ)، وبين
الحمدانيين فى «الموصل» بزعامة «ناصر الدولة» (الحسين بن
عبداللهـ)، وقد استمر هذا الصراع طويلًا فى محاولة كل منهما
الإطاحة بالآخر، وفى (المحرم سنة ٣٣٥هـ = أغسطس سنة ٩٤٦م) تم
الصلح بين «معز الدولة البويهى» وبين «ناصر الدولة الحمدانى» على
أن يدفع «ناصر الدولة» الخراج للبويهيين فى «بغداد» كل عام.
وفى سنة (٣٣٦هـ= ٩٤٧م) استطاع «معز الدولة» أن يستولى على
«البصرة» بعد هروب صاحبها «أبى القاسم عبدالله بن أبى عبدالله
البريدى» إلى القرامطة فى «هجر».
وجدير بالذكر أن «معز الدولة» كان نائبًا فى «بغداد» عن أخيه
الأكبر «عماد الدولة» (على بن بويهـ) فى «فارس»، ثم عن أخيه
الأوسط «ركن الدولة» (الحسن بن بويهـ)، عقب وفاة «عماد الدولة».
ورغم أن الخليفة العباسى كان تحت سيطرة البويهيين فإنهم كانوا
يخضعون له من الناحية الشكلية فقط.
وقد حاول البويهيون صبغ «العراق» بمذهبهم الشيعى، واتخذ «معز
[ ٣ / ٥٣ ]
الدولة» فى سبيل ذلك خطوات بالغة الخطورة أسهمت فى إثارة
عوامل الفتنة والاضطراب داخل مجتمع «العراق»؛ ففى (ربيع الآخر
سنة ٣٥١= مايو سنة ٩٦٢م) أصدر «معز الدولة» أمرًا بأن يُكتَب على
المساجد لَعْنُ «معاوية بن أبى سفيان» وغيره من الصحابة كأبى
بكر و«عمر»؛ حيث يتهمهم الشيعة بإساءة معاملتهم وغصبهم
حقوقهم، ولم يستطع الخليفة العباسى منع ذلك، وفى العاشر من
(المحرم سنة ٣٥٢هـ= يناير سنة ٩٦٣م) أصدر «معز الدولة» أمرًا بتوقف
الناس عن البيع والشراء فى ذلك اليوم، وإظهار البكاء والعويل،
وأمر النساء أن يخرجن حاسرات الرءوس قد شققن ثيابهن وهن
يلطمن الوجوه على «الحسين ابن على بن أبى طالب» فى ذكرى
استشهاده بكربلاء، وكان هذا أول يوم يحدث فيه ذلك ببغداد، ولم
يستطع الخليفة وأهل السنة أن يمنعوا ذلك لكثرة الشيعة ومناصرة
السلطان «معز الدولة» لهم.
وقد أحدثت هذه المظاهر الشاذة آثارها السيئة بين الناس، ففى
العاشر من (المحرم سنة ٣٥٣هـ= يناير سنة ٩٦٤م) - على سبيل المثال -
تم إغلاق الأسواق فى «بغداد»، وفعل الناس ما تقدم ذكره، فثارت
فتنة عظيمة بين الشيعة والسنة، أُصيب فيها كثيرون ونُهبت الأموال،
وجدير بالذكر أن هذه الممارسات التى شجعها البويهيون ماتزال
آثارها موجودة حتى الآن.
ومن أهم ما سجله «معز الدولة» من انتصارات: تخليص «عُمان» فى
(ذى الحجة سنة ٣٥٥هـ = نوفمبرسنة ٩٦٦م) من يد القرامطة الذين
كانوا قد استولوا عليها وعاثوا بها فسادًا، فأصبحت بذلك ضمن
مملكة البويهيين.
ظل «معز الدولة» اثنين وعشرين عامًا يدير الأمور فى «بغداد»، حتى
تُوفِّى فى الثالث عشر من (ربيع الآخر سنة ٣٥٦هـ= مارس سنة ٩٦٧م)،
فتولى ابنه «بختيار» إمارة «العراق» بعهد منه، ولُقب «عز الدولة».
وقد قدم «عز الدولة» صورة صارخة لانصرافه عن المهام الكبرى
واهتمامه بملذاته الشخصية، فقد أنفق وقته فى اللهو والتسلية
[ ٣ / ٥٤ ]
وعِشرة النساء والاستماع إلى الغناء، واستولى على أموال كبار
رجال الدولة وعلى رأسهم الخليفة فى سبيل ذلك.
ففى سنة (٣٦١هـ= ٩٧٢م) هاجم الروم ثغور «الجزيرة» ومن بينها
«الرها» و«نصيبين»، فأحرقوا البلاد وخربوها وغنموا وسلبوا ما
استطاعوا ولم يجدوا من يردعهم بعد وفاة «سيف الدولة الحمدانى»
سنة (٣٥٦هـ= ٩٦٧م)، فسار جماعة من أهل «الجزيرة» إلى «بغداد»
لاستنفار المسلمين ضد الروم، فاستعظم الناس ذلك، وتوجهوا إلى
«عز الدولة بختيار»، وأنكروا عليه انشغاله باللهو والصيد عن جهاد
الروم الذين انتهكوا حرمة دار الإسلام، فوعدهم بالإعداد لغزوهم،
واتصل بالخليفة «المطيع لله» يطلب منه المال ليجهز به المسلمين
للغزو، ولكن «المطيع لله» أجابه بقوله: «إن الغَزاة والنفقة عليها،
وغيرها من مصالح المسلمين تلزمنى إذا كانت الدنيا فى يدى،
وتُجبَى إلىَّ الأموال، وأما إذا كانت حالى هذه فلا يلزمنى شىء من
ذلك، وإنما يلزم مَن البلاد فى يده، وليس لى إلا الخطبة، فإن شئتم
أن أعتزل فعلت»، فهدد «بختيار» الخليفة «المطيع» واضطره إلى
دفع أربعمائة ألف درهم، فلما قبضها «عز الدولة» صرفها فى
مصالحه وملذاته!.
ونتيجة لسوء طبع بختيار واضمحلال شخصيته، بدأت أسباب الشقاق
والفتنة تظهر بين البويهيين، فقد حاول ابن عمه «ركن الدولة»
والملقب فيما بعد «عضد الدولة» انتزاع «العراق» من «بختيار» ولكن
والده «ركن الدولة» اعترض على ذلك، فاضطر «عضد الدولة» إلى
تأجيل ذلك إلى ما بعد وفاة والده.
ولعل من أخطر الأحداث التى شهدتها خلافة «المطيع لله» سيطرة
الفاطميين على «مصر» سنة (٣٥٨هـ= ٩٦٩م) وكانت «مصر» حينئذٍ
تحت حكم الإخشيديين الذين كانوا يخضعون للخليفة العباسى من
الناحية الشكلية، فلما دخلها القائد الفاطمى «جوهر الصقلى»
فى (شعبان سنة ٣٥٨هـ= يونيو سنة ٩٦٩م)، شرع فى بناء مدينة
«القاهرة»؛ لتصبح عاصمة للفاطميين، كما بنى الجامع الأزهر سنة
[ ٣ / ٥٥ ]
(٣٦١هـ= ٩٧٢م)، وظل حاكمًا لمصر نيابة عن مولاه «المعز لدين
الله» حتى سنة (٣٦٢هـ= ٩٧٣م)، حين قدم «المعز» إلى «مصر» فى
رمضان من هذه السنة، فقام بالأمر وأصبحت «مصر» منذ ذلك الوقت
مقرا للخلافة الفاطمية الشيعية حتى سنة (٥٦٧هـ= ١١٧٢م).
ظل «المطيع لله» فى الخلافة ما يقرب من «ثلاثين عامًا»، حتى أُصيب
بالفالج - وهو الشلل النصفى - فى أواخر حياته فتعذرت حركته وثقل
لسانه، مما دعا «سُبُكْتكين»، حاجب «عز الدولة بختيار» إلى أن
يطلب منه خلع نفسه وتسليم الخلافة إلى ابنه «عبدالكريم»، فتم ذلك
فى (١٣من ذى القعدة سنة ٣٦٣هـ= يوليو سنة ٩٧٤م)، ولقب
«عبدالكريم» بالطائع لله.
ثانيًا: خلافة الطائع لله (٣٦٣ - ٣٨١هـ= ٩٧٤ - ٩٩١م).
تولى «الطائع لله» الخلافة فى (ذى القعدة سنة ٣٦٣هـ= يوليو سنة
٩٧٤م) وعمره ثلاث وأربعون سنة، وقد تُوفِّى والده «المطيع لله» بعد
ذلك بفترة قصيرة، فى (سنة المحرم سنة ٣٦٤هـ= سبتمبر ٩٧٤م).
فى بداية خلافة «الطائع لله» حدثت الفتنة بين «عضد الدولة بن ركن
الدولة»، وابن عمه «بختيار بن معز الدولة»، فقد شجع «عضد الدولة»
جند «بختيار» على الثورة عليه ووعدهم بالإحسان إليهم والنظر فى
أمورهم، فثار عليه الجند وتم القبض على «بختيار» وحبسه فى
(جمادى الآخرة سنة ٣٦٤هـ= فبراير سنة ٩٧٥م)، وأصبحت «بغداد»
و«العراق» تحت سلطان «عضد الدولة» ..
وقد عز على «ركن الدولة» أمير أمراء البيت البويهى ووالد «عضد
الدولة» أن يتصرف ابنه «عضد الدولة» مع ابن أخيه «بختيار» بهذه
الصورة، فكتب إلى أنصار «بختيار» يساندهم ويأمرهم بالثبات
والصبر ويعرفهم أنه عازم على المسير إلى «العراق» لإخراج «عضد
الدولة» وإعادة «بختيار»، فانصرف أنصار «عضد الدولة» عنه
واضطر إلى الإذعان لإرادة أبيه، فأخرج «بختيار» من سجنه ورد إليه
ما سلبه من سلطانه، وعاد إلى «فارس» فى (شوال سنة ٣٦٤هـ=
يونيو سنة ٩٧٥م)، وكان الخليفة «الطائع لله» مسلوب الإرادة خلال
[ ٣ / ٥٦ ]
هذه الفتنة، لاحول له ولا قوة.
وقد قسم «ركن الدولة» ملكه بين أولاده فى (جمادى الأولى سنة
٣٦٥هـ= يناير سنة ٩٧٦م) فجعل لابنه «عضد الدولة» ملك البلاد من
بعده، ولولده «فخر الدولة» (أبى الحسن على) «همدان» وأعمال
«الجبل»، ولولده «مؤيد الدولة» (أبى منصور بويهـ) «أصبهان»
وأعمالها، وجعلهما تحت رئاسة أخيهما «عضد الدولة»، وأوصاهم
بالاتفاق وترك التنازع.
وفى (المحرم سنة ٣٦٦هـ= أغسطس سنة ٩٧٦م) تُوفِّى «ركن الدولة»
فأصبح ابنه «عضد الدولة» زعيم البويهيين بلا منازع.
وفى العام نفسه حشد «عضد الدولة» جنوده لغزو «العراق»، وكان
«بختيار» ووزيره «أبو طاهر محمد بن محمد بن بقية» يعلمان نيات
«عضد الدولة» فحاولا استمالة كبار الأمراء من حكام الأقاليم
المختلفة، مثل «فخر الدولة بن ركن الدولة»، و«أبى تغلب بن حمدان»
وغيرهما، وحدثت بعض المعارك بين جيوش «عضد الدولة» وجيوش
«بختيار» سنة (٣٦٦هـ= ٩٧٦م) انتهت بهزيمة «بختيار» وفراره من
«بغداد» إلى «الموصل» حيث تحالف مع واليها «أبى تغلب بن
حمدان» ضد «عضد الدولة»، فسار إليهما «عضد الدولة» وهزمهما
بالقرب من «تكريت» فى (شوال سنة ٣٦٧هـ= مايو سنة ٩٧٨م) وأسر
«بختيار» وقتله، وضم مملكة الحمدانيين فى «الموصل» و«الجزيرة»
إلى أملاكه، واتخذ «العراق» مقرا لحكمه.
اهتم «عضد الدولة» بدعم سلطانه وتوسيع أملاكه؛ ففى سنة (٣٦٨هـ=
٩٧٨م) فتح «ميَّافارقين» و«آمد» و«ديار بكر»، و«ديار مضر» منهيًا
بذلك نفوذ «أبى تغلب ابن حمدان» فى بلاد «الجزيرة».
وفى عام (٣٦٩هـ= ٩٧٩م) استولى على الأقاليم الخاضعة لأخيه «فخر
الدولة» بسبب وقوفه إلى جانب «بختيار»، فاستولى على «همدان»
و«الرى» وما بينهما من البلاد، وعين عليها أخاه «مؤيد الدولة» نائبًا
عنه فى حكمها، وفى سنة (٣٧١هـ= ٩٨١م) ضم إلى نفوذه بلاد
«جرجان» و«طبرستان» بعد أن أجلى عنها صاحبها «قابوس ابن
أبى طاهر» و«شمكير» (أحد أمراء آل زيار)، فتعاظم بذلك نفوذ
[ ٣ / ٥٧ ]
«عضد الدولة» وذاع صيته وتمكنت هيبته، وكان أول من خوطب
بشاهنشاه فى الإسلام، وأول من خُطب له على منابر «بغداد» بعد
الخلفاء.
وقد كان لعضد الدولة إنجازات حضارية بالإضافة إلى أمجاده
الحربية، فبعد دخوله «بغداد» بدأ فى عمارتها، كما أمر بإخراج
أموال الصدقات وتسليمها للقضاة وأعيان الناس، لإعانة من يستحق،
وبدفع أموال للعاطلين الذين يتعذر عليهم الحصول على العمل، بما
يكفى احتياجاتهم، ثم يردونها بعد ذلك إذا عملوا.
كما اهتم «عضد الدولة» بالعلم والعلماء، وأغدق عليهم العطاء
وأحاطهم بمظاهر التكريم، وقد كان مجلسه منتدى للعلماء، تدور فيه
المناقشات الدقيقة فى فروع العلم المختلفة، وكان يشترك مع
العلماء فى هذه المناقشات ويعارضهم فى المسائل، ومن أبرز
هؤلاء العلماء «أبو على الفارسى» الذى صنَّف له كتاب «الإيضاح»
و«التكملة» فى النحو، وكان «عضد الدولة» يقول: «أنا غلام أبى
على فى النحو»، ومنهم أيضًا «أبو إسحاق الصابى» الذى صنف
لعضد الدولة كتاب «التاجى فى أخبار بنى بويه».
وكان «عضد الدولة» يحب الشعر ويطرب له، ويقرضه أحيانًا، ويغمر
الشعراء بفيض كرمه وجزيل عطائه، فقصده عدد من فحول الشعراء
فى عصره، وكتبوا فيه أروع قصائد المديح، وفى مقدمتهم «أبو
الطيب المتنبى» سنة (٣٥٤هـ= ٩٦٥م)، و«أبو الحسن محمد بن عبدالله
السَّلامى أبرز شعراء «العراق»، وكان «عضد الدولة» يقول: «إذا
رأيت السَّلامى فى مجلسى ظننت أن عطارد قد نزل من الفَلك إلىَّ
ووقف بين يدى».
وقد اقتدى «مؤيد الدولة» و«فخر الدولة» بأخيهما «عضد الدولة» فى
تشجيع العلم وإكرام أهله، فعين «مؤيد الدولة» «الصاحبَ بن عباد»
وزيرًا له سنة (٣٦٦هـ= ٩٧٦م)، وكان من أعظم رعاة العلم والأدب،
وعقب وفاة «مؤيد الدولة» واستيلاء أخيه «فخر الدولة» على مملكته
أقر «الصاحب بن عباد» على وزارته، وعين مفكر المعتزلة المشهور
«عبدالجبار بن أحمد» قاضى قضاة للرى سنة (٣٦٧هـ= ٩٧٨م) لصلته
[ ٣ / ٥٨ ]
بالصاحب بن عباد، ثم عزله «فخر الدولة» سنة (٣٨٥هـ= ٩٩٥م) حينما
تُوفِّى «الصاحب بن عباد».
وفاة عضد الدولة وبداية التفكك فى البيت البويهى:
تُوفِّى «عضد الدولة» فى (شوال سنة ٣٧٢هـ= مارس سنة ٩٨٣م)،
وعمره ثمانٍ وأربعون سنة، وقد تركت وفاته فراغًا هائلًا تعذر
على خلفائه أن يملئوه.
وكان أخطر ما ترتب على وفاة «عضد الدولة»، الصراع الذى نشب
بين أولاده الخمسة على السلطة، وهم: «أبو كاليجار المرزبان»
(صمصام الدولة)، و«أبو الحسين أحمد»، و«أبو طاهر فيروز شاه»،
و«أبو الفوارس شيرزيل» الملقب «شرف الدولة»، و«أبو نصر فيروز»
الملقب «بهاء الدولة».
وقد استقر الأمراء والقادة على اختيار «أبى كاليجار المرزبان»
ليكون خلفًا لأبيه «عضد الدولة»، ولقبوه «صمصام الدولة» وأقر
الخليفة «الطائع لله» هذا الاختيار وخلع على «صمصام الدولة» سبع
خلع، ولقبه «شمس الملة»، فلم يكن للخليفة دور سوى إقرار ما يتفق
عليه القادة والأمراء.
وقد واجه «صمصام الدولة» انشقاقًا من أخيه «شرف الدولة» الذى
استطاع الاستقلال ببلاد «فارس» والاستيلاء على «البصرة»، وتعيين
أخيه «أبى الحسين أحمد» نائبًا عنه فى حكمها، كما تمكن من
هزيمة الجيش الذى أرسله إليه «صمصام الدولة» ليسترد منه بلاد
«فارس».
وقد استطاع «صمصام الدولة» استمالة عمه «فخرالدولة» إلى صفه
فى هذا الصراع، ولكن جنده فى «بغداد» ثاروا عليه وأعلنوا بيعتهم
لشرف الدولة، ورغم أن «صمصام الدولة» قضى على هذه الثورة
فإنه لم يستطع وضع حد لازدياد قوة أخيه «شرف الدولة».
ففى سنة (٣٧٥هـ= ٩٨٥م) استولى «شرف الدولة» على «الأهواز»
وقبض على أخيه «أبى طاهر فيروز شاه» المناصر لصمصام الدولة،
وفى (رمضان سنة ٣٧٦هـ= يناير سنة ٩٨٧م) استولى على «العراق»
ودخل «بغداد» وقبض على أخيه «صمصام الدولة»، فذهب إليه
الخليفة وهنأه بالسلطنة.
لم يستمر «شرف الدولة» طويلًا فى إمارته على «العراق»، فقد تُوفِّى
[ ٣ / ٥٩ ]
فى غرة (جمادى الأولى سنة ٣٧٩هـ= أغسطس سنة ٩٨٩م)، ولم يجد
حرجًا وهو فى مرض موته أن يأمر بِسَمْل عينى أخيه «صمصام
الدولة» وهو فى سجنه.
وخلف «شرف الدولة» أخوه «أبو نصر فيروز»، الذى لقبه الخليفة
«بهاء الدولة وضياء الملة»، ولكن العلاقة بين «بهاء الدولة أبى نصر
فيروز» وبين الخليفة «الطائع» وصلت بعد قليل إلى الحد الذى جعل
«بهاء الدولة» يقوم بعزل الخليفة؛ فقد قلت الأموال عند «بهاء
الدولة»، وثار جنده عليه، فاقترح عليه أحد خواصه وهو «أبو الحسن
بن المعلم»، أن يقبض على الخليفة «الطائع» ويستولى على أمواله،
فدخل «بهاء الدولة» على الخليفة ومعه جمع كثير، وتقدم أحد رجاله
كأنه يريد أن يقبل يد الخليفة، فجذبه فأنزله عن سريره والخليفة
يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ويستغيث دون أن يلتفت إليه أحد،
وتم الاستيلاء على أمواله، وحُمِل الخليفة إلى دار «بهاء الدولة»؛
حيث أُرغِم على خلع نفسه فى (التاسع عشر من شعبان سنة ٣٨١هـ=
أكتوبر سنة ٩٩١م) بعد أن استمر فى الخلافة ما يقرب من ثمانية
عشر عامًا، كان خلالها مسلوب الإرادة.
ثالثًا: خلافة القادر بالله (٣٨١ - ٤٢٢هـ= ٩٩١ - ١٠٣١م).
هو «أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر»، اختاره «بهاء الدولة»
بعد خلع «الطائع لله» لتولِّى الخلافة، وكان غائبًا عن «بغداد»، فلما
وصله الخبر حضر إليها وبايعه «بهاء الدولة» والناس فى (رمضان سنة
٣٨١هـ= نوفمبر سنة ٩٩١م)، وعمره خمسة وأربعون عامًا.
وقد دامت خلافة «القادر بالله» إحدى وأربعين سنة وحفلت بالكثير
من الأحداث والتطورات، وأهمها:
أ - ازدياد التفكك فى البيت البويهى:
فقد نشب الصراع بين «بهاء الدولة»، وأخيه «صمصام الدولة» ولم
يكن فى «بنى بويه» أظلم من «بهاء الدولة» ولا أقبح سيرة منه،
ففى سنة (٣٨٣هـ= ٩٩٣م) قام بمحاولة للاستيلاء على المنطقة
الخاضعة لإمارة أخيه «صمصام الدولة» فى بلاد «فارس» و«أرَّجان»،
[ ٣ / ٦٠ ]
فانتهت هذه المحاولة بعكس ما كان يهدف إليه؛ حيث تمكن «صمصام
الدولة» من الاستيلاء على «خوزستان» الخاضعة لبهاء الدولة، وبدد
شمل الجيش الذى أرسله «بهاء الدولة».
وفى سنة (٣٨٤هـ = ٩٩٤م) استطاع «بهاء الدولة» أن يهزم «صمصام
الدولة»، وأن يسترد منه بعض ما خسره قبل ذلك.
وقد تجدد الصراع بينهما مرات عديدة، ووصل فى إحدى مراحله إلى
استيلاء «صمصام الدولة» على «البصرة» فى «العراق» سنة (٣٨٦هـ=
٩٩٦م)، ولم يتوقف هذا الصراع بين «بهاء الدولة» و«صمصام الدولة»
إلا بمقتل «صمصام الدولة» على يد بعض أبناء «عز الدولة بختيار»؛
انتقامًا لمقتل أبيهم «بختيار» على يد «عضد الدولة»، والد «صمصام
الدولة»، وذلك فى (ذى الحجة سنة ٣٨٨هـ= ٩٩٨م).
وعقب مقتل «صمصام الدولة» أراد بعض أبناء «بختيار» الاستيلاء
على «فارس»، فنشب الصراع بينهم وبين «بهاء الدولة» وانتهى
بهروبهم ومقتل أحدهم واسمه «أبو نصر» على يد أنصار «بهاء
الدولة» سنة (٣٩٠هـ = ١٠٠٠م).
وقد تُوفِّى «بهاء الدولة» (أبو نصر فيروز بن عضد الدولة) فى
(جمادى الآخرة سنة ٤٠٣هـ = ديسمبر سنة ١٠١٢م)، فخلفه على
إمارة «العراق» ابنه «أبو شجاع فخر الملك»، الذى لقبه الخليفة
«القادر بالله» «سلطان الدولة»، فولى أخاه «جلال الدولة» «أبا
طاهر» إمارة «البصرة» وأخاه «قوام الدولة أبا الفوارس» «كرمان».
ونشب صراع مرير بين أبناء «بهاء الدولة»: «سلطان الدولة» و«جلال
الدولة»، و«قوام الدولة»، و«مشرف الدولة» الذى استطاع الاستيلاء
على «العراق» سنة (٤١١هـ = ١٠٢٠م) وبعد وفاة «سلطان الدولة»
فى (شوال سنة ٤١٥هـ = ديسمبر سنة ١٠٢٤م) خلفه ابنه «أبو
كاليجار» على إمارة «فارس» و«كرمان»، ودخل فى صراع مع عمه
«أبى الفوارس بن بهاء الدولة» الذى استطاع الاستيلاء على
«كرمان»، وأرغم «أبا كاليجار» على دفع خراج له قيمته عشرون
ألف دينار، إلا أن «أبا كاليجار» استرد «كرمان» بدون قتال عقب
[ ٣ / ٦١ ]
وفاة عمه «أبى الفوارس» سنة (٤١٩هـ = ١٠٢٨م).
وعقب وفاة «مشرف الدولة» تولى أخوه «أبو طاهر جلال الدولة» -
أمير «البصرة» - إمارة «العراق»، لكنه لم يتمكن من دخول «بغداد»؛
حيث منعه أنصار ابن أخيه «أبى كاليجار» من دخولها، تمهيدًا لقدوم
«أبى كاليجار» وسيطرته على «العراق»، ولكن ذلك لم يحدث
لانشغاله بصراعه مع عمه «أبى الفوارس»، وبقيت «بغداد» بدون أمير
بويهى لمدة عامين وبضعة أشهر، مما دعا رؤساء الجند إلى أن
يطلبوا من الخليفة «القادر بالله» أن يرسل إلى «جلال الدولة» ليحضر
إلى «بغداد» ويتسلم الإمارة؛ جمعًا للكلمة وحسمًا للخلاف، فاستجاب
الخليفة لهم ودخل «جلال الدولة» «بغداد» فى (رمضان سنة ٤١٨هـ =
سبتمبر سنة ١٠٢٧م)، إلا أنه ما لبث أن دخل فى صراع مع ابن أخيه
«أبى كاليجار»، الذى أراد انتزاع «العراق» من عمه «جلال الدولة»،
واستمر الصراع بينهما بين النصر والهزيمة لهذا الطرف أو ذاك حتى
وفاة «جلال الدولة» سنة (٤٣٥هـ= ١٠٤٤م).
وقد أدى الصراع المستمر بين أبناء البيت البويهى إلى تطلع قوى
أخرى من خارج البيت البويهى للاستيلاء على مقاليد الحكم فى دولة
الخلافة العباسية، كما شغل هذا الصراع البويهيين عن توجيه أذاهم
إلى الخليفة العباسى «القادر بالله»، الذى ظل واحدًا وأربعين عامًا
على كرسى الخلافة حتى تُوفِّى سنة (٤٢٢هـ = ١٠٣١م).
ب - اتساع قوة الدولة الغزنوية:
تُنسب «الدولة الغزنوية» إلى مدينة «غَزْنَة» بأفغانستان الحالية،
ويقال: إن اسمها الصحيح «غَزْنين» ثم تحول عند العامة إلى
«غَزْنَة»، واشتهرت به.
وتمتد جذور الأسرة الغزنوية إلى مرحلة سابقة على خلافة «القادر
بالله»، فقد ارتبطت بداية ظهور الغزنويين بظهور «ألبَتكين» (ويكتب
أحيانًا: ألب تكين أو ألفتكين)، وهو غلام تركى التحق بخدمة
السامانيين، وتدرج فى المناصب حتى وصل إلى منصب «حاجب
الحجاب»، وهو منصب كان يتيح سلطة خطيرة لصاحبه، ثم تقلد
[ ٣ / ٦٢ ]
«ألبتكين» ولاية «خراسان» نيابة عن الأمير السامانى «عبدالملك بن
نوح» سنة (٣٤٩هـ= ٩٦٠م) حتى عزله عنها الأمير «منصور بن نوح»
الذى خلف أخاه «عبدالملك» فلجأ «ألبتكين» إلى «بلخ»، واستطاع
هزيمة جيش «منصور» الذى أرسله إليه سنة (٣٥١هـ = ٩٦٢م)، ثم
توجه إلى «غزنة» فى السنة نفسها، واستولى عليها واتخذها مقرا
له فى خلافة «المطيع لله».
وبعد وفاة «ألبتكين» خلفه ابنه «أبو إسحاق إبراهيم»، الذى تعاون
مع الأمير «منصور بن نوح» ضد أمير «غزنة» السابق «أبى على»،
الذى أطاح به «ألبتكين» سنة (٣٥١هـ = ٩٦٢م)، فسانده الأمير
«منصور» على شرط أن يعد نفسه تابعًا للدولة السامانية، فوافق
«أبو إسحاق» على ذلك.
وبعد وفاة «أبى إسحاق إبراهيم» سنة (٣٥٥هـ = ٩٦٦م) دون أن
يُعْقِب تولى إمارة «غزنة» «بلكاتكين»، ثم «بيرى تكين» على
التوالى وهما من غلمان «ألبتكين»، ثم أصبح «سُبُكْتكين» أميرًا
على «غزنة» فى (شعبان سنة ٣٦٦هـ = مارس ٩٧٧م) فكان ذلك نقطة
تحول فى تاريخ الغزنويين.
و«سبكتكين» غلام تركى من غلمان «ألبتكين»، كان قد قربه إليه
وزوجه ابنته، وعينه قائدًا لحرسه، فلما تولى «غزنة» وسع حدودها
فى اتجاه بلاد «الهند»، وحقق انتصارات كبيرة فى تلك البلاد،
وأصبح بذلك المؤسس الحقيقى للدولة الغزنوية.
وقد استعان الأمير «نوح بن منصور السامانى» (٣٦٦ - ٣٨٧هـ = ٩٧٧ -
٩٩٧م) بسبكتكين سنة (٣٨٤هـ = ٩٩٤م) للقضاء على حركة تمرد
وعصيان ضده فى «بخارى»، وخلع عليه لقب «ناصر الدولة»، وعين
ابنه «محمودًا» قائدًا لجيش «خراسان» ومنحه لقب «سيف الدولة».
واختار «سبكتكين» مدينة «بلخ» مقرا له فى أواخر أيامه، وقد
تُوفِّى فى (شعبان سنة ٣٨٧هـ = أغسطس سنة ٩٩٧م)، وعقب وفاته
تنازع ابناه «محمود» و«إسماعيل» حول أحقيتهما فى وراثة
الحكم، وانتهى هذا النزاع بانتصار «محمود» الذى أصبح رئيسًا
للدولة الغزنوية سنة (٣٨٧هـ= ٩٩٧م)، وأحسن معاملة أخيه
«إسماعيل» وأعلى منزلته.
[ ٣ / ٦٣ ]
وقد حققت إمارة «محمود بن سبكتكين» قفزة هائلة فى مسار
«الدولة الغزنوية»، فترامت أطرافها، واتسع نفوذها، وذاع صيتها،
وأصبحت بلا منافس من حيث هيبتها العسكرية ومكانتها الحضارية،
وقد اشتهر «محمود بن سبكتكين» بلقب «السلطان»، كما خلع عليه
الخليفة «القادر بالله» لقب «يمين الدولة وأمين الملة» سنة (٣٨٩هـ =
٩٩٩م).
نجح «محمود بن سبكتكين» فى السنوات الأولى من إمارته فى
تعزيز وضعه الداخلى والقضاء على معارضيه، ثم صرف اهتمامه إلى
الفتوح فى بلاد «الهند»، وحقق انتصارات هائلة جعلته واحدًا من
أعظم الفاتحين فى التاريخ الإسلامى؛ ففى سنة (٣٨٩هـ = ٩٩٩م)
استولى على «خراسان» وقضى على سلطة السامانيين بها، وفى
سنة (٣٩٣هـ = ١٠٠٣م) استولى على «سجستان» التى كان حاكمها
«خلف بن أحمد» وهو من أكبر أعدائه.
وتعد فتوحات السلطان «محمود بن سبكتكين» فى بلاد
«الهند»،أعظم إنجاز له فى هذا المجال، ففى سنة (٣٩٥ هـ =
١٠٠٥م) استطاع فتح مدينة «بهاتية» الهندية بجوار إقليم «الملتان»،
وأقام بها حتى أصلح أمرها واستخلف بها مَنْ يُعلِّم مَنْ أسلم مِن
أهلها قواعد الإسلام وفرائضه، وفى سنة (٣٩٦هـ = ١٠٠٦م) استولى
على «الملتان» التى كانت تخضع لحكومة إسماعيلية شيعية تعادى
السلطان «محمود الغزنوى» وتتحالف ضده مع أعدائه الهنود غير
المسلمين.
واستمرت غزوات السلطان «محمود» المظفرة فى بلاد «الهند» بصورة
شبه منتظمة حتى سنة (٤١٦هـ = ١٠٢٥م) فنجح فى الاستيلاء على
قلعة «ناردين» الهندية المنيعة، بعد قتال عنيف سنة (٤٠٤هـ =
١٠١٣م) ودان له كثير من حكام المناطق المجاورة، وأقبل الهنود فى
تلك المناطق على اعتناق الإسلام، وأرسل إليهم السلطان من يفقههم
فى الدين، وفتح سنة (٤٠٩هـ = ١٠١٨م) مدينة «قنوج» الحصينة على
نهر «الجانج»، الذى يقدسه الهنود، واعتنق أهلها الإسلام.
وفى سنة (٤١٦هـ = ١٠٢٥م)، قام السلطان «محمود» بآخر غزواته
[ ٣ / ٦٤ ]
فى بلاد «الهند»، وهى غزوة «سُومْنَات» وكان بقلعة «سومنات»
الحصينة معبد يضم نفائس الذهب والفضة والجواهر، مما لا يوجد له
نظير فى أى مكان آخر فى شبه القارة الهندية، بالإضافة إلى صنم
البراهمة الأعظم الذى يحج إليه الهنود من كل مكان، فاقتحم السلطان
«محمود» هذه القلعة، فى (ذى القعدة سنة ٤١٦هـ = ديسمبر سنة
١٠٢٥م) بعد أن استبسل الهنود فى الدفاع عنها، واستولى على كل
ما فيها من نفائس قُدِّرت قيمتها بأكثر من عشرين مليون دينار، وحطم
السلطان «محمود» بنفسه صنم البراهمة الأعظم بسومنات وأرسل منه
قطعًا إلى «غزنة»، و«مكة» و«بغداد» إعلانًا بهذا الفتح العظيم،
وكان السلطان «محمود» يتصل -عادة- بالخليفة «القادر بالله» فى
«بغداد» بعد كل فتح عظيم فى البلاد الهندية؛ ليخبره بما فتح الله
للمسلمين فى هذه البلاد، مجددًا ولاءه له.
وأثناء قيامه بغزواته فى شبه القارة الهندية استطاع السلطان
«محمود» أن يضم إلى نفوذه إقليم «خوارزم» ويقضى على الأسرة
المأمونية المعادية له بها سنة (٤٠٧هـ = ١٠١٦م)، كما ضم إليه أيضًا
«الرى» و«قزوين» و«أصفهان» سنة (٤٢٠هـ = ١٠٢٩م) بمعاونة ابنه
«مسعود»، فاتسعت مملكته فى «خراسان» و«ما وراء النهر» و«شبه
القارة الهندية».
وبعد غزوة «سومنات» لم يتمكن السلطان «محمود» من مواصلة
حملاته الموفقة فى «شبه القارة الهندية»، بسبب اهتمامه بمواجهة
ثورات «العراق» و«خراسان» وخطر الأتراك السلاجقة.
وقد تُوفِّى السلطان «محمود» بغزنة فى شهر (ربيع الآخر سنة
٤٢١هـ = أبريل سنة ١٠٣٠م) وعمره واحد وستون عامًا، وكان قد
أوصى بالسلطة لابنه «محمد»، ولكنه لم يكن يتمتع بحب الجند
والرعية فتخلَّوا عنه وبايعوا أخاه الأكبر «مسعودًا» واستتب له الأمر
فى أواخر سنة (٤٢١هـ = ١٠٣٠م)، ووصل إلى «غزنة» من
«أصبهان» فى (جمادى الآخرة سنة ٤٢٢هـ = مايو سنة١٠٣١ م) وقد
ورث مملكة أبيه الشاسعة.
[ ٣ / ٦٥ ]
وقد كان السلطان «محمود بن سبكتكين» يتحلى بمواهب إدارية
متميزة، فقد استطاع بعد فتوحاته فى «الهند» أن يتألَّف الهندوس،
وأن يجعلهم جزءًا من نسيج دولته، وأن يستخدمهم فى جهازه
الإدارى وأن يجندهم فى جيشه، كما كان السلطان «محمود» يتحلى
بأخلاق رفيعة، ويكثر الإحسان إلى الرعية والرفق بهم، ويحب
العلماء ويكرمهم ويعظمهم وكان على مذهب «أبى حنيفة» فى
الفقه، وهو المذهب الذى مازال واسع الانتشار فى «شبه القارة
الهندية» و«أفغانستان» و«أواسط آسيا»، وكان السلطان «محمود»
شغوفًا بعلم الحديث النبوى، فكان الشيوخ يقرءونه بين يديه وهو
يسمع.
وقد قصده العلماء والشعراء من كل مكان، وكان أبرزهم المؤرخ
العربى «العُتْبى» (أبو النصر محمد بن عبدالجبار) صاحب كتاب
«اليمينى» الذى جمع فيه سيرة «يمين الدولة السلطان محمود»،
و«الريحان البيرونى» (محمد بن أحمد) صاحب المعرفة الموسوعية
فى الرياضيات والفلك والطب والتاريخ والجغرافيا، ومن أشهر كتبه
«الآثار الباقية عن القرون الخالية»، والشاعر الفارسى المعروف
«الفردوسى» (أبو القاسم حسن) صاحب الشاهنامة أو «كتاب
الملوك» وهو ملحمة شعرية تتألف من ستين ألف بيت، وقد أهداها
«الفردوسى» إلى السلطان «محمود» الذى كافأه عليها بستين ألف
درهم، لكن «الفردوسى» رأى أن هذه المكافأة أقل مما كان
يتوقع، فترك بلاط السلطان معترضًا!.
وكان «يمين الدولة السلطان محمود» حريصًا على تقديم كل فروض
الولاء لخليفة المسلمين، باعتبار منصب الخلافة رمزًا يجب صيانته
والمحافظة على مكانته، فالخلافة قد ارتبطت منذ قيامها بعزة
الإسلام ومجده، والتطاول على هذا المنصب العظيم يُعد استخفافًا
بكل ما يرمز إليه من قيم ومعانٍ.
وفاة الخليفة القادر بالله، ونبذة عن شخصيته:
تُوفِّى «القادر بالله» فى شهر (ذى الحجة سنة ٤٢٢هـ = نوفمبر سنة
١٠٣١م) وعمره سبع وثمانون سنة، ودامت خلافته واحدًا وأربعين
[ ٣ / ٦٦ ]
عامًا، فكانت أطول مدة يقضيها خليفة عباسى فى هذا المنصب حتى
عصره.
كان الخليفة «القادر بالله» يتحلى بصفات جعلته إحدى الشخصيات
المتميزة فى تاريخ «الخلافة العباسية»، فقد كان راجح العقل وافر
الحلم، مؤثرًا للخير، ظاهر الكرم، جميل الأخلاق، آمرًا بالمعروف
وناهيًا عن المنكر، كما كان شغوفًا بالعلم محبا لأهله، مستقيم
الطريقة فى الدين بعيدًا عن البدعة، متواضعًا، عزوفًا عن مظاهر
الأبهة والتكلف، فكان يخرج من داره فى زىِّ العامة، ويزور قبور
الصالحين، وكان عادلًا وصولًا ظاهر البر باليتامى والمساكين، قوى
الشخصية، يحظى بالاحترام والتبجيل؛ فلم يتعرض لما تعرض له غيره
من السابقين له من مهانة خلال فترة اضمحلال الخلافة، ورغم ما
تعرضت له الخلافة من ظروف وأحداث وتغلغل نفوذ الترك والفرس فإن
«القادر بالله» استغل كل ما أتيح له من إمكانات، وقدَّم أفضل
نموذج يمكن أن نتوقعه لخليفة عباسى فى ضوء تلك الظروف.
شهد القرنان (٤و٥ هـ= ١٠و١١م) قمة الازدهار الحضارى بمظاهره
المختلفة فى أرجاء العالم الإسلامى بصفة عامة وفى «دولة الخلافة
العباسية» بصفة خاصة؛ ويمثل عصر «القادر بالله» زبدة الحضارة
الإسلامية فى هذين القرنين، وهكذا كانت الأوضاع الحضارية أحسن
حالًا من الأوضاع السياسية خلال تلك الفترة.
رابعًا: خلافة القائم بأمر الله ونهاية عصر النفوذ البويهى (٤٢٢ -
٤٤٧هـ = ١٠٣١ - ١٠٥٥م):
تولى «القائم بأمر الله» (أبو جعفر عبدالله بن القادر) الخلافة فى
اليوم الذى تُوفِّى فيه أبوه «القادر بالله» فى ذى الحجة سنة (٤٢٢هـ
= ١٠٣١م)، وعمره ثلاثون عامًا، وقد لقبه أبوه - قبل وفاته - بالقائم
بأمر الله.
وقد زادت الأوضاع الداخلية فى «دولة البويهيين» فى عهده تدهورًا
وانحطاطًا، وأصبحت الدولة جسمًا بلا روح، فقد استمرت أمور
«العراق» فى فوضى واضطراب؛ بسبب الصراع بين «جلال الدولة»
و«أبى كاليجار» على السيطرة عليه، وضعفت مكانة «جلال الدولة»،
[ ٣ / ٦٧ ]
ورغم الصلح الذى تم بين «جلال الدولة» و«أبى كاليجار» سنة
(٤٢٨هـ = ١٠٣٧م)، وتأكيده بزواج «أبى منصور بن أبى كاليجار»
من ابنة «جلال الدولة» فإن «أبا كاليجار» انتهز فرصة وفاة «جلال
الدولة» سنة (٤٣٥هـ = ١٠٤٤م) واستولى على زمام السلطة فى
«العراق» فى (صفر سنة ٤٣٦هـ = أغسطس سنة ١٠٤٤م)، بعد إحباطه
محاولة الابن الأكبر لجلال الدولة للاستيلاء على الحكم فى «بغداد».
وأثناء إمارة «أبى كاليجار» فى «بغداد» استطاع الأتراك السلاجقة
أن يسيطروا على أجزاء كبيرة من البلاد الخاضعة للبويهيين، واضطر
«أبو كاليجار» إلى طلب الصلح مع السلطان السلجوقى «طغرل بك»
وزوَّجه ابنته، كما تزوج «أبو منصور بن أبى كاليجار» من ابنة الملك
«داود» أخى «طغرل بك»، وأصبحت «الدولة البويهية» معرضة
للسقوط فى أية لحظة.
وعقب وفاة «أبى كاليجار» فى (جمادى الأولى سنة ٤٤٠هـ =
أكتوبر سنة ١٠٤٨م) خلفه على إمارة «العراق» ابنه «أبو نصر خسرو
فيروز» الملقب بالملك الرحيم، وكانت فترة إمارته تمثل قمة التردى
فى أوضاع «الدولة البويهية»؛ حيث دخل فى صراع مع إخوته حول
السلطة، واستعان بعضهم بالسلاجقة ضد أخيهم «الملك الرحيم»،
وأصبح البويهيون تحت سيطرة السلاجقة، وتحدد مصير دولتهم على
أيدى هذه القوة الناشئة.
[ ٣ / ٦٨ ]
الفصل السادس