[٩٧ - ١٣٨ هـ = ٧١٥ - ٧٥٥ م].
يقصد بالولاة حكام الأندلس الذين عينتهم الحكومة الأموية فى دمشق،
أو والى الشمال الإفريقى الذى كانت الأندلس تابعة له أحيانًا، وقد
تولى على الأندلس خلال هذه الفترة (٢٢) واليًا، حكم اثنان منهم
مرتين، وهذا يعنى أن متوسط فترة حكم الوالى تقل عن سنتين،
وهذا يعنى أن عدم الاستقرار هو السمة الغالبة على هذه الفترة،
ويعود ذلك إلى اضطراب السياسة العامة بعد وفاة «الوليد بن
عبدالملك» وانتشار العصبيات القبلية والشخصية، ونزاع العرب مع
البربر.
أيوب بن حبيب البلخى:
قتل «عبدالعزيز بن موسى بن نصير» والى الأندلس عندما وثب عليه
جماعة من الجند على رأسهم وزيره «زياد بن عذرة البلوى» أثناء
صلاته بأحد مساجد «إشبيلية»، وذلك فى (رجب ٩٧هـ = فبراير
٧١٦م)، لتبدأ فترة عهد الولاة.
وقد آل أمر الأندلس إلى «أيوب بن حبيب البلخى» ابن أخت «موسى
بن نصير»، وهو من العرب الذين اشتركوا فى فتح هذه البلاد، ثم
استقروا بها، ورأوا أنهم أولى من غيرهم بحكم الأندلس، ولم تزد
ولاية «أيوب» على ستة أشهر لم يفعل فيها شيئًا يذكر سوى نقله
العاصمة من «إشبيلية» إلى «قرطبة» لأن موقعها أوسط وأقرب إلى
منازل جماعات العرب فى الشرق، والجنوب، والجنوب الشرقى.
الحر بن عبدالرحمن الثقفى:
لم تجر الأمور على النحو الذى أراده «أيوب»؛ إذ قام والى إفريقية
الذى تتبعه الأندلس بتعيين «الحر بن عبدالرحمن» واليًا عليها، ودام
حكمه سنتين وثمانية أشهر، بدأت فى (ذى الحجة ٩٨هـ = يوليو
٧١٧م)، واستطاع خلالها أن يقمع المنازعات التى كانت بين العرب
والبربر، ويصلح الجيش، وينظم الإدارة، ويوطد الأمن.
وينسب إلى «الحر» إقامته دار الإمارة فى «قرطبة» فى مواجهة
«قنطرة الوادى»، وكانت من قبل مقرا للحاكم القوطى، فاعتنى بها
«الحر» وسمى القصر والأرض الواسعة أمامه على ضفة النهر «بلاط
الحر».
[ ٧ / ٩ ]
وبعد أن تولى «عمر بن عبدالعزيز» الخلافة عزل «الحر» عن ولاية
الأندلس، لاضطراب النظام فى آخر عهده.
السمح بن مالك الخولانى:
كانت الأندلس تابعة لإفريقية من الناحية الإدارية، فلما ولى «عمر بن
عبدالعزيز» جعلها تابعة للخلافة مباشرة لأهميتها واتساعها، وأقام
عليها «السمح ابن مالك الخولانى» سنة (١٠٠هـ = ٧١٩م)، غير أن
تبعية «الأندلس» لإفريقية عادت مرة أخرى فى عهد «يزيد بن
عبدالملك».
ويعد «السمح» من خيرة ولاة «الأندلس»، فضلا وصلاحًا وكفاءة
وقدرة؛ حيث نظم شئون البلاد، وأعاد بناء القنطرة التى كانت مقامة
على الوادى الكبير، وكانت قد تهدَّمت ولم يعد الناس يستطيعون
العبور إلا فى السفن، وكان العرب فى أمسِّ الحاجة إلى قنطرة متينة
يستطيعون العبور إليها من الجنوب إلى عاصمتهم الجديدة، كما أعاد
الأمن والاستقرار إلى البلاد لحسن سياسته، وحمله الناس على طريق
الحق، ورفقه بهم.
ولم يكن «السمح بن مالك» كفءا من الناحية الإدارية فحسب، بل كان
أيضًا قائدًا عسكريا ممتازًا قام بحملة شاملة، اخترقت «جبال البرت»
من الشرق، وسيطر على عدد من القواعد هناك، واستولى على
«سبتمانيا» وأقام حكومة إسلامية بها فى هذا الوقت المبكر، واتخذ
من «أربونة» قاعدة للجهاد وراء «البرت»، وقد استشهد فى معركة
مع النصارى عند «تولوز» فى يوم عرفة من سنة (١٠٢هـ = ٧٢١م)،
فتولى القيادة «عبدالرحمن بن عبدالله الغافقى»، وأقر واليًا للأندلس
حتى يأتى الحاكم الجديد.
عنبسة بن سحيم الكلبى:
قدم إلى الأندلس فى (صفر سنة ١٠٣هـ = ٧٢٢م)، وكان كالسمح بن
مالك صالحًا قويا، فأنفق وقته فى تنظيم الإدارة، وضبط النواحى،
وإصلاح الجيش، وإعداده لغزوات جديدة، وقد عبر «عنبسة» بجيوشه
«جبال البرت»، وتمكن من بسط سلطان المسلمين فى شرقى جنوب
فرنسا، وفى أثناء عودته داهمته جموع من الفرنجة، فأصيب فى
المعركة، ثم توفى سنة (١٠٧هـ = ٧٢٥م).
[ ٧ / ١٠ ]
وبعد «عنبسة» توالى على «الأندلس» سبعة من الولاة بين سنتى
(١٠٧ - ١١٢هـ = ٧٢٥ - ٧٣٠م) تفاقمت خلالها المشكلات، وازدادت
الاضطرابات، وانتشر الخلل والخلاف بين الزعماء ورجال القبائل فى
الأندلس، وتجددت المنازعات بين العرب البلدانيين (وهم العرب الذين
طال بهم المقام والعمل فى إفريقية حتى سمو بالبلدانيين)،
والشاميين، وهاجم الأعداء القواعد الإسلامية.
عبدالرحمن الغافقى:
ظلت الأمور تجرى على هذا النحو المضطرب حتى عُيِّن «الغافقى»
واليًا على الأندلس من قبل والى «إفريقية»، فى (صفر ١١٢هـ = مارس
/ إبريل ٧٣٠م) لتبدأ فترة ولايته الثانية، وقد أيد الخليفة هشام بن
عبدالملك ذلك الاختيار.
وكان «الغافقى» من كبار رجالات الأندلس عدلًا وصلاحًا، وقدرة
وكفاءة، نظَّم شئون البلاد، وأصلح نظم الحكم والإدارة، وعين
أصحاب الكفاءات فى المناصب المختلفة، وقمع الظلم، ورد إلى
النصارى كنائسهم وأملاكهم، وفرض ضرائب عادلة وعنى بتنظيم
الجيش وإصلاحه، وأنشأ فرقًا من العرب والبربر، وحصن القواعد
والثغور الإسلامية، وجمع أعظم جيش سيره المسلمون إلى فرنسا.
موقعة بلاط الشهداء:
فى أوائل سنة (١١٤هـ = ٧٣٢م) سار «الغافقى» بجيوشه نحو
الشمال وعبر جبال «البرت» من طريق «بنبلونة» ودخل فرنسا؛ حيث
قام بمعارك ناجحة ضد أعدائه، وفتح نصف فرنسا الجنوبى كله من
الشرق إلى الغرب فى بضعة أشهر، وواصل زحفه المظفر حتى
أشرف بجيشه على نهر اللوار، وهناك احتشد له «شارل مارتل»
بجيش ضخم من الفرنج والمرتزقة نصف العراة، ويتشحون بجلود
الذئاب، وتنسدل شعورهم الجعدة فوق أكتافهم العارية.
استولى المسلمون على مدينتى «بواتيه» و«تور»، ثم فاجأهم العدو
دون أن تشعر به طلائع المسلمين أو تحسن تقدير عدده، وأراد
عبدالرحمن أن يقتحم «اللوار» ففاجأه «شارل مارتل» بجموعه
الجرارة فارتد إلى السهل الواقع بين مدينتى «بواتيه» و«تور»،
[ ٧ / ١١ ]
وعبر جيش الفرنج «اللوار» وعسكر غربى الجيش الإسلامى.
عزم «الغافقى» على لقاء العدو على الرغم من أن بعض قبائل البربر
فى جيشه كانت تتوق إلى الانسحاب بما تحمله من غنائم كثيرة، وأن
عدد جنوده قد قل بسبب تخلف حاميات كثيرة فى المدن والقرى
المفتوحة.
ودامت المعركة تسعة أيام دون أن يحقق الفريقان نصرًا حاسمًا،
وفى اليوم العاشر أبدى كلا الطرفين غاية الجلد والشجاعة، وظهر
الإعياء على الفرنج، وبدت علامات انتصار المسلمين، لكن حدث أن
افتتح الفرنج ثغرة فى معسكر غنائم المسلمين وارتفعت فيه صيحة
مجهول تقول إن معسكر الغنائم سيقع فى يد العدو، فارتدت قوات
كبيرة إلى ماوراء الغنائم لحمايتها، واختلت صفوف المسلمين، وبينما
يحاول «الغافقى» إعادة النظام إلى جيشه أصابه سهم أرداه من
فوق جواده قتيلا، فعم الاضطراب بين المسلمين، وكثر القتل فيهم،
واشتد الفرنج عليهم، لكنهم صبروا حتى جن الليل وافترق الجيشان
دون فصل فى (أوائل رمضان ١١٤هـ = ٢١ أكتوبر ٧٣٢م)، ثم انسحب
المسلمون نحو مراكزهم فى «سبتمانيا» تاركين غنائمهم.
وفى فجر اليوم التالى تقدم «شارل» بحذر فوجد المعسكرات
الإسلامية خالية إلا من الجرحى ومن لم يتمكنوا من مرافقة الجيش
المنسحب فذبحوهم، وخشى «شارل مارتل» الخديعة فاكتفى
بانسحاب المسلمين ولم يتعقبهم، وآثر العودة بجيشه إلى الشمال.
وكان مقتل «الغافقى» خسارة فادحة للمسلمين، وضربة شديدة
لمشاريع الخلافة فى الغرب؛ إذ أخفقت آخر محاولة بذلتها لفتح العالم
الغربى.
عبدالملك بن قطن الفهرى:
تولى «عبدالملك بن قطن الفهرى» بعد استشهاد «الغافقى»، فعبر
إلى الأندلس فى جيش من جند إفريقية فى أواخر سنة (١١٤هـ =
٧٣٢م) وسار إلى «أراجون» وهزم الثائرين فى عدة مواقع، ثم عبر
جبال البرت إلى بلاد «البشكنس» سنة (١١٥هـ = ٧٣٣م)، وكانت أشد
المقاطعات الجبلية مراسًا وأكثرها انتفاضًا وثورة، فشتت جندها
[ ٧ / ١٢ ]
وألجأهم إلى طلب الصلح، ثم اضطر بعد ذلك إلى أن يرتد إلى الجنوب
دون أن يتوغل كثيرًا فى أرض العدو، لقلة ما معه من الجند، ثم سخط
عليه الزعماء، ودب خلاف بين القبائل، وأدى ذلك إلى عزله.
عقبة بن الحجاج السلولى:
تولى سنة (١١٦هـ = ٧٣٤م) بعد «عبدالملك بن قطن» وكان رجلًا
عظيمًا مثل «الغافقى»، فنشر العدل ورد المظالم، وأنشأ المساجد
ودور العلم ونظم الجيش، وتوغل فى أراضى «جليقية» شمالى
الأندلس، واهتم بتحصين جميع المواقع الإسلامية، ومنح عناية خاصة
لثغر «أربونة» واتخذه قاعدة للجهاد، وأمد رجاله بالجند والذخيرة.
وكان يخرج للغزو كل عام على مدار خمس سنوات فى الجنوب
والشمال الشرقى من فرنسا، حتى أصبح نهر «الرون» رباط
المسلمين ومعقل فتوحاتهم بعد أن كان الفرنج قد استردوا مافى
أيدى المسلمين، وقد استشهد «عقبة» فى معركة مع الأعداء سنة
(١٢١هـ = ٧٣٩م)، فكان خاتمة الولاة المجاهدين وراء البرت.
عبدالملك بن قطن:
أقام عرب الأندلس «عبد الملك بن قطن» واليًا عليهم للمرة الثانية،
فكان عهده بداية عهد من الفتن والاضطرابات والحروب الأهلية؛ إذ
اشتعلت ثورة البربر بسبب تعصب العرب لبنى جنسهم وتعاليهم على
غيرهم، وكان معظم هؤلاء من «القيسية» الذين يرون أن الدولة
الأموية دولتهم، على حين كان العرب البلدانيون ومعظمهم من
«اليمنية» بعيدين عن هذه النزعة.
وقام البربر فى الأندلس أثناء ثورتهم بإخراج العرب من المناطق التى
شكلت أغلبية بربرية، وبخاصة «جليقية» ومناطق نهر تاجة وغيرها،
وظن «عبدالملك بن قطن» وهو كبير البلدانيين أن الثورة موجهة ضد
الشاميين، ثم مالبث أن تبين أنها موجهة إلى العرب جميعًا، وأن
البربر يسيرون فى جيوش ثلاثة: واحد منها متجه إلى «طليطلة»،
والثانى نحو «قرطبة»، والثالث نحو «الجزيرة الخضراء».
وفى تلك الأثناء كان «بلج بن بشر القشيرى» أحد قادة والى
المغرب محاصرًا فى «سبتة» مع عشرة آلاف من جنده من قبل البربر
[ ٧ / ١٣ ]
الذى ثاروا فى إفريقية ضد العرب، تلك الثورة التى انتقلت أصداؤها
إلى الأندلس، فثار البربر هناك ضد العرب.
وقد استغاث هؤلاء المحاصرون بوالى الأندلس «عبدالملك بن قطن»
وطلبوا منه أن يسمح لهم بالعبور إليه لمعاونته فى القضاء على
ثورة البربر، فاستجاب على مضض، وطلب من «بلج» أن يعود بمن
معه إلى شمال إفريقيا متى صلحت الأحوال.
وقد حقق هؤلاء مع «عبدالملك» انتصارات على البربر فى شذونة،
وقرطبة، ثم فى معركة حاسمة قرب طليطلة عند وادى سليط قرب
الجزيرة الخضراء فى أوائل سنة (١٢٤هـ = ٧٤٢م)، وأخذ العرب
الشاميون يطاردون البربر، فتركوا أراضيهم فى الوسط والشمال
الغربى، وعادوا إلى إفريقيا فى هجرات جماعية تركت آثارًا سيئة
على مستقبل المسلمين فى الأندلس.
وكان من نتيجة تلك الهجرات أن تركت الأراضى شمالى نهر تاجة
خالية من المسلمين تقريبًا، فامتد إليها نفوذ نصارى الشمال،
فساحوا فيها، ولم يمر وقت طويل حتى أصبحت تلك الأراضى
نصرانية، وخسر المسلمون بذلك ربع شبه الجزيرة، نتيجة انقسامهم
وتفرقهم.
رفض «بلج» العودة إلى المغرب حسب الاتفاق، وقام بعزل
«عبدالملك» وزعم أنه الوالى الرسمى بتأييد من اليمانية، وانقسمت
الأندلس إلى معسكر للشاميين يضم مائتى ألف، وآخرللعرب البلدانيين
ضم مائة ألف، ونشبت معارك قتل فيها «بلج» ومع ذلك انتصر
الشاميون، وولوا على الأندلس «ثعلبة بن سلامة العاملى» فى (شوال
سنة ١٢٤هـ = أغسطس٧٤٢م)، فحاول أن يعيد الأمن والاستقرار، لكن
الحكومة كانت قد ضعف سلطانها، وانقسمت البلاد إلى عدة مناطق
نفوذ، واشتعلت الحرب من جديد، ولم ينقذ الموقف إلا قدوم الوالى
الجديد.
أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبى:
أرسله والى إفريقية فقدم إلى «الأندلس» فى (رجب سنة ١٢٥هـ =
مايو ٧٤٣م)، وبدأ ولايته بتأمين العرب البلدانيين والبربر على
ممتلكاتهم ومصالحهم، وحال بين الشاميين وبين إيذائهم، وعمل على
[ ٧ / ١٤ ]
القضاء على المنازعات القبلية بين السكان، ورأى بعد نصيحة ذوى
الرأى أن يفرق الشاميين فى مناطق لايوجد فيها بلدانيون أو
يمنيون، ويستقر كل فريق منهم بناحية ويأخذ ثلث خراج الأرض مقابل
أن يقدموا عددًا معينًا من الجند، كلما طلبت السلطات منهم ذلك، كما
تتبع الزعماء الخارجين وسلك معهم سبيل الحزم، وكان عادلا؛
فَرضى عنه الجميع.
غير أن «أبا الخطار» مالبث أن تخلى عن تلك السياسة الحكيمة،
ومال إلى قومه من اليمنية وتنكر للمُضَرية، فعادت المعارك بينه وبين
خصومه من جديد، وقتل بعضهم بعضًا، وانفضت عنه جنده، وعمت
الفوضى البلاد إلى أن تولى الفهرى.
يوسف بن عبدالرحمن الفهرى:
تولى الأندلس سنة (١٢٩هـ = ٧٤٧م) دون مصادقة من إفريقية أو من
دمشق التى كانت قد بدأت فترة من الضعف فلم تتمكن الخلافة من
الإشراف على الولايات، واستقلت الأندلس بشئونها.
استقل «يوسف» بولاية الأندلس نحو عشرة أعوام، واتفق مع
«الصميل ابن حاتم» زعيم المضرية على أن يتداولا السلطة فيما
بينهما، لكن الأمور لم تستقر، وتجدد النزاع بين المضرية واليمنية، ولم
تستقر الأوضاع ليوسف إلا بعد مقتل زعيم اليمنية سنة (١٣٠هـ =
٧٤٨م).
وقد حاول «يوسف» إصلاح الدولة، فنظم شئونها المالية، وقسم
البلاد إلى خمس ولايات إدارية على نحو ماكانت عليه زمن القوط، كما
عنى بتنظيم الجيش وإصلاحه، والقضاء على خصومه، وشغلت الخلافة
بمشاكلها عن الأندلس.
ثم ظهر فى شمال البلاد رجل يدعى «عامر بن عمرو بن وهب
العبدرى»، وبدأ يراسل الخليفة العباسى «أبا جعفر المنصور»،
وعين نفسه واليًا على الأندلس، وأصبح الشمال فى قبضته، وخرج
عن سلطان «يوسف» الذى توجه إلى «سرقسطة»، وحاصرها بشدة
سنة (١٣٧هـ = ٧٥٤م) حتى استسلم «عامر»، ثم اتجه «يوسف» بعد
ذلك إلى «طليطلة».
وفى طليطلة جاء رسول من قرطبة بخبر مؤداه أن فتىً من بنى أمية
يدعى «عبدالرحمن بن معاوية» قد نزل فى ثغر المنكب بالأندلس،
[ ٧ / ١٥ ]
واجتمع حوله أشياع بنى أمية فى كورة غرناطة، وأن دعوته
انتشرت بسرعة فى الجنوب، وقد ذاع هذا الخبر فى جند يوسف
فأحدث فزعًا واضطرابًا، وتفرق عنه جنده، فاضطر هو و«الصميل»
بالعودة بمن معهما متوجهين إلى قرطبة؛ لمواجهة هذا الخطر الداهم،
وكان ذلك سنة (١٣٨هـ= ٧٥٥م).
وأثناء هذه الفتن استولى الفرنج على جميع القواعد الإسلامية فى
الشمال ماعدا «أربونة» أمنع قلاع المسلمين فيما وراء جبال البرت،
وقد قاوم المسلمون بها، وصبروا على مدار أربعة أعوام، ولم تستسلم
إلا بعد خيانة القوط بها، وقد دخلها الفرنج، وخربوا مساجدها
ومعاهدها ودورها سنة (١٤٢هـ = ٧٥٩م)، وبذلك انتهى الوجود
الإسلامى فيما وراء جبال البرت بعد أن استمر هناك ما يقرب من
نصف قرن، وقد حدث هذا فى الوقت الذى كانت فيه قوى الإسلام
فى شبه الجزيرة مشغولة بتمزيق بعضها بعضًا.
وقد استفادت المجموعة التى اعتصمت فى جبال «استوريا»
و«جليقية» فى شمالى غرب إسبانيا، والتى عرفت بمجموعة «بلاى»
من هذا التمزق، وأخذت تنمو مع الزمن، ويشتد ساعدها ابتداءً من
القرن الثامن الميلادى حتى صارت شوكة فى جنب المسلمين هناك.
وأدت الحروب المتوالية بين العرب بعضهم بعضًا، وبينهم وبين البربر
إلى مجاعة شديدة بلغت أقصاها سنة (١٣٦هـ = ٧٥٣م)، وترتب عليها
تزايد حركة الهجرة إلى إفريقية وقلة عدد المسلمين فى شبه الجزيرة
الأيبيرية، ولايستثنى من ذلك سوى إقليم «سرقسطة» الذى كان
معظم سكانه من اليمنيين، فاستقروا به واشتغلوا بالزراعة.
[ ٧ / ١٦ ]
الفصل الثالث