[٢١ - ٢٥٤ هـ = ٦٤٢ - ٨٦٨ م] ..
أصبحت «مصر» بعد الفتح الإسلامى سنة (٢١هـ = ٦٤٢م) ولاية تابعة
للخلافة الإسلامية فى «المدينة المنورة»، ثم فى «دمشق»، ومن
بعدهما «بغداد» فترة قرنين وربع القرن تقريبًا، ثم حكمها
الطولونيون فأصبحت دولة مستقلة فى الفترة من سنة (٢٥٤هـ =
٨٦٨م] إلى سنة [٢٩٢هـ = ٩٠٥م].
أشهر ولاة مصر فى ذلك العصر:
-١عمرو بن العاص:
هو فاتح «مصر»، وأول والٍ عليها من قِبل الخليفة «عمر بن
الخطاب»، وكان واليًا عادلا، عمل على نشر الأمن والأمان فى ربوع
«مصر»، ومنح الأقباط الحرية الدينية التى افتقدوها قبل الفتح
الإسلامى، وأعاد البطريق «بنيامين» من منفاه فى «وادى النطرون»
إلى «كنيسة الإسكندرية»، لذلك أحبه المصريون.
قام «عمرو بن العاص» بالإصلاحات المالية والإدارية فى «مصر»،
واعتمد فيها على الأقباط من أهلها، فنعم المصريون -جميعًا- فى
ولايته بالحرية الدينية والحياة الكريمة.
تأسيس الفسطاط:
لم يقتصر دور «عمرو بن العاص» على الإصلاحات المالية والإدارية، بل
أسس مدينة «الفسطاط» (مصر القديمة حاليا)؛ لتكون عاصمة لمصر
الإسلامية بأمر من الخليفة «عمر بن الخطاب»، ثم أسس مسجده - الذى
لايزال يحمل اسمه حتى الآن - فى وسط تلك المدينة. وهو أول مسجد
فى قارة إفريقيا.
ومن أهم أعمال «عمرو بن العاص» حفر قناة تصل «النيل» بالبحر
الأحمر، بأمر من الخليفة «عمر بن الخطاب»، لتسهيل السفر والتجارة
بين «مصر» والجزيرة العربية، وكان اسم هذه القناة: «خليج أمير
المؤمنين».
وقد تولى «عمرو بن العاص» ولاية «مصر» مرتين، كانت الثانية من
سنة (٣٨هـ = ٦٥٨م) حتى سنة (٤٣هـ = ٦٦٣م).
٢ - مسلمة بن مخلد الأنصارى [٤٧ - ٦٢هـ = ٦٦٧ - ٦٨١م]:
والى «مصر» من قِبل الخليفة «معاوية بن أبى سفيان»، وكان من
خيرة الولاة فى حسن السياسة ونشر العدل، كما كان متسامحًا مع
[ ٥ / ١ ]
الأقباط، وسمح لهم ببناء كنيسة فى مدينة «الفسطاط»، وقام بتجديد
مسجد «عمرو» وتوسعته، وشيد له المنارات لأول مرة.
٣ - عبدالعزيز بن مروان [٦٥ - ٨٦هـ = ٦٨٤ - ٧٠٥م]:
والى «مصر» من قِبل أبيه الخليفة «مروان بن الحكم»، واستمر فيها
حتى زمن خلافة أخيه «عبدالملك بن مروان»؛ لذا كانت فترة ولايته
أطول فترة فى عصر الولاة.
أوصاه أبوه حين ولاه «مصر» بوصية حكيمة، نصحه فيها بأن يحسن
إلى الناس، ويعمهم برعايته حتى يحبوه، فعمل بوصية أبيه؛ فكانت
فترة ولايته من أحسن الفترات فى حكم «مصر»، قام خلالها بالكثير
من الإصلاحات، أبرزها إنشاء مدينة «حلوان» سنة (٧٣هـ).
-٤ صالح بن على بن عبدالله بن عباس [١٣٣هـ = ٧٥٠م]:
من أشهر ولاة «مصر» فى العصر العباسى. أسس لمصر عاصمة
جديدة شمالى مدينة «الفسطاط» أسماها «مدينة العسكر» (منطقة
«السيدة زينب» الحالية)، كما أنه زاد فى «مسجد الفسطاط» زيادة
كبيرة.
ولى «مصر» مرتين، استمرت الأولى سنة واحدة، ثم وليها ثانية من
سنة (١٣٦ هـ = ٧٥٣م) حتى سنة (١٣٨هـ = ٧٥٥م).
-٥ الفضل بن صالح بن على [١٦٩هـ = ٧٨٥م]:
أحد الولاة العباسيين، أسس مسجدًا إلى جانب «دار الإدارة» بمدينة
العسكر، أصبح من المساجد الجامعة، وسمح للناس بالبناء حول
«مدينة العسكر»، فاتصل عمرانها بمدينة «الفسطاط».
٦ - موسى بن عيسى [١٧١هـ= ٧٨٧م]:
ولاه العباسيون إمرة «مصر» ثلاث مرات، كانت الأولى من سنة
(١٧١هـ) حتى سنة (١٧٣هـ)، والثانية من سنة (١٧٥هـ) حتى سنة
(١٧٦هـ)، والثالثة من سنة (١٧٩هـ) حتى سنة (١٨٠هـ)، وحظى خلالها
«موسى بن عيسى» بمحبة الناس واحترامهم، لحبه للخير والعدل،
وتسامحه مع الأقباط، فقد سمح لهم ببناء الكنائس.
-٧ عنبسة بن إسحاق [٢٣٨ - ٢٤٢هـ = ٨٥٢ - ٨٥٦م]:
من أشهر ولاة العصر العباسى، ومن أهم أعماله: إقامة التحصينات
فى «دمياط» و«تنِّيس»، بعد أن تعرضت لغارات الروم، وقد اشتهر
[ ٥ / ٢ ]
«عنبسة بن إسحاق» بالورع، وإقامة العدل بين الناس.
أهم الأحداث فى عهد الولاة:
أ - انتشار الإسلام فى مصر:
من الثابت أن كثيرًا من أقباط «مصر» دخلوا الإسلام قبل استكمال
الفتح الإسلامى لها، فى الوقت الذى كان «عمرو بن العاص» فى
طريقه إلى فتحها، وزاد إقبال المصريين على الدخول فى الدين
الإسلامى نتيجة السياسة الحسنة التى انتهجها الولاة المسلمون
معهم، فشعروا بالحرية، ونعموا بالتسامح الذى أشاعه المسلمون،
وأخذ الإسلام ينتشر تدريجيا بينهم، ولم يأتِ القرن الثالث الهجرى إلا
كان غالبيتهم يدينون بالدين الإسلامى بحرية تامة، ودون أى إكراه.
ب - انتشار اللغة العربية:
بدأ انتشار اللغة العربية فى «مصر» مع بداية الفتح الإسلامى لها،
وساعد على ذلك اختلاط المسلمين العرب بأهل «مصر» والتزوج
منهم، كما كان على مَنْ اعتنق الإسلام من المصريين أن يتعلم اللغة
العربية لمعرفة تعاليم دينه الجديد، ثم كان لتعريب الدواوين فى عهد
«عبدالملك بن مروان» الأثر الكبير والفعال فى انتشار اللغة العربية
فى «مصر»، فمن المعروف أن المسلمين قد عهدوا إلى المصريين
بالكثير من الأعمال الإدارية، كما أشركوهم فى إدارة البلاد، الأمر
الذى افتقده المصريون لفترات طويلة، وظلوا محرومين منه فى العهد
البيزنطى، فكان عليهم - حين عُرِّبت الإدارة- أن يجتهدوا فى تعلم
اللغة العربية ليحافظوا على وظائفهم ويحتفظوا بها، فتهيأت كل
الظروف لتصبح اللغة العربية لغة المصريين عربًا وأقباطًا على
السواء.
النظام الإدارى فى عهد الولاة:
وجد المسلمون بمصر - حين فتحوها - نظمًا إدارية رأوها صالحة؛ فلم
يغيروها، وتولَّوا الوظائف الرئيسية، وتركوا الوظائف الأخرى
للمصريين، فسعدوا بها، وأخلصوا للولاة المسلمين، فدل ذلك على
الوعى السياسى والإدارى لهؤلاء الولاة.
وكان الخليفة هو الذى يقوم بتعيين الخليفة أو الأمير، ويأمره بإمامة
[ ٥ / ٣ ]
المسلمين فى الصلاة إلى جانب مسئوليته السياسية والإدارية الكاملة
عن كل شئون «مصر»، وكذلك كان على الخليفة أن يحدد الوظائف
الكبرى واختصاصاتها، فجعل لقائد الجند مسئولية الجيش والدفاع
عن البلاد، ولصاحب الشرطة حفظ الأمن الداخلى وتنفيذ الأحكام،
وأوكل توصيل المكاتبات بين الولاية وعاصمة الخلافة لصاحب البريد،
ووضع الخليفة نظام رقابة إدارية لمتابعة الوالى وكبار الموظفين فى
أعمالهم، فإذا حدثت مخالفة ما من أحدهم وصل خبرها على الفور
إلى الخليفة، فلا يتردد فى معاقبة المخالف أيا كان منصبه. أما
صاحب الخراج فأوكلت إليه مسئولية الشئون المالية، ولصاحب
الحسبة مسئولية إزالة المنكرات، ومنع أى خروج على الآداب العامة،
وعليه مراقبة الأسواق، ومنع أى غش فى الكيل والميزان، أو فى
المصنوعات والمأكولات، وغيرها. وكان على القاضى أن يحكم بين
الناس بالعدل، وأن يقضى بين المتخاصمين طبقًا لشرع الله وشريعة
الإسلام.
بعض مظاهر الحضارة فى مصر فى عصر الولاة:
١ - العلوم الإسلامية:
كان جيش الفتح الإسلامى لمصر يضم عددًا من كبار الصحابة، وقد
استقر بعضهم بها بعد الفتح، فكانوا النواة الرئيسية للحركة العلمية
الإسلامية فيها، بما علموه للناس من تفسير وحديث وفقه ولغة .. إلخ.
وكان «عبدالله بن عمرو بن العاص» من أشهر الصحابة الذين صحبوا
جيش الفتح، ثم تلا جيلَ الصحابة جيلُ التابعين، واشتُهر منهم:
«يزيد بن أبى حبيب»، الذى عهد إليه الخليفة «عمر بن عبدالعزيز»
(٩٩ - ١٠١هـ) بالفُتيا فى «مصر»، فأقام بها، وتُوفِّى فيها سنة
(١٢٨هـ). و«عبدالله بن لهيعة»، الذى ولى القضاء من سنة (١٥٥هـ)
حتى وفاته سنة (١٦٢هـ)، ثم خرَّجت «مدرسة الدراسات الشرعية» فى
«مصر» إمامًا من كبار الأئمة فى الفقه هو «الليث بن سعد» المتوفى
سنة (١٧٥هـ). ثم يأتى الإمام «الشافعى» - من بعدهم - لزيارة «مصر»
فيقضى فيها الشطر الأخير من حياته حتى وفاته سنة (٢٠٤هـ)، تاركًا
[ ٥ / ٤ ]
خلفه جمهرة من تلاميذه، الذين عملوا على نشر مذهبه، ومنهم: «أبو
يعقوب يوسف البويطى»، و«الربيع بن سليمان الجيزى»
ومن أبرز أعلام «مدرسة الدراسات الشرعية» فى «مصر»، «عثمان
بن سعيد» (المعروف بورش)، وهو من أصل قبطى، برز ونبغ بصفة
خاصة فى علم القراءات، وتوفى سنة (١٩٧هـ).
٢ - علوم اللغة والتاريخ:
قامت إلى جانب «مدرسة الدراسات الشرعية» فى «مصر» مدارس للغة
العربية وآدابها، وأخرى لعلم التاريخ، وكان خير من مثَّل هاتين
المدرستين: «عبد الملك بن هشام»، صاحب كتاب «السيرة النبوية»
الشهير والمتوفى سنة (٢١٨هـ)، كما أن «ابن عبد الحكم»، صاحب
كتاب «فتوح مصر وأخبارها»، كان من أشهر مؤرخى «مصر» فى
ذلك الوقت، وقد تُوفِّى سنة (٢٥٧هـ).
-٣ العلوم الطبيعية:
قامت فى «مصر» أيضًا - إلى جانب ما سبق من مدارس - مدرسة
للعلوم الطبيعية، كالطب والكيمياء وغيرهما، ومن أشهر من اشتغلوا
بهذه العلوم:
» ابن أبجر الطيب»، والصوفى الشهير والفيلسوف والكيميائى «ذو
النون المصرى».
الإسلام فى الشام:
تم فتح الشام سنة (١٥هـ = ٦٣٦م) تقريبًا، فأصبحت - منذ ذلك الحين -
جزءًا رئيسيا من العالم الإسلامى، وكانت الصلة بينها وبين «مصر»
قوية ووثيقة بحكم الموقع، وقد تبعت هذه الولاية - فى البداية - مقر
الخلافة مباشرة، فتولى إمرتها فى عهد الخلفاء الراشدين: «يزيد بن
أبى سفيان»، ومن بعده أخوه «معاوية»، الذى أصبح خليفة
للمسلمين فى سنة (٤١هـ)، فاتخذ من «دمشق» عاصمة للخلافة،
فأصبحت الشام مركز العالم الإسلامى كله طوال العصر الأموى حتى
عام (١٣٢هـ)، وكان الخليفة نفسه هو الذى يحكم هذا الإقليم مباشرة
خلال تلك الفترة.
انتشار الإسلام واللغة العربية:
كان معظم سكان الشام - قبل الفتح الإسلامى - عربًا، ومع ذلك
قاوموا هذا الفتح فى البداية؛ لظنهم أن العرب القادمين جاءوا
ليستولوا على بلادهم وديارهم وأموالهم، كما فعل البيزنطيون من
[ ٥ / ٥ ]
قبل، ولكنهم مالبثوا أن فهموا طبيعة الإسلام، وأنه جاء ليحررهم من
الحكم البيزنطى البغيض، وأن الفاتحين لم يأتوا لاستغلالهم؛ فهم
أهلهم، وهدفهم لم يكن الاستيلاء، وإنما جاءوا لنشر الإسلام الذى
حمل لهم الخير، فرأوا العدل والحرية والمساواة التى تحلى بها الولاة
المسلمون فى حكمهم، فهرعوا إلى اعتناق الدين الجديد بمحض
إرادتهم، ومن أراد منهم البقاء على دينه -يهوديا كان أو نصرانيا-
كانت له الحرية فى ذلك دون إكراه، والدليل على ذلك بقاء عدد كبير
من المسيحيين بالشام حتى الآن.
وكانت جيوش الفتح الإسلامى تضم عددًا كبيرًا من الصحابة؛ الذين
قاموا بتعليم المسلمين الجدد تعاليم دينهم، كما أرسل الخليفة «عمر
بن الخطاب» عددًا آخر من كبار الصحابة إلى الشام للإقامة فيها،
لتفقيه الناس بأمور دينهم، ومن أبرز هؤلاء الصحابة الذين أسسوا
مدرسة الدراسات الشرعية فى الشام: «معاذ بن جبل»، و«أبو
الدرداء»، وقد ازدهرت ازدهارًا كبيرًا فى العصر الأموى، وكان من
أنجب رجالها: الإمام «الأوزاعى» المتوفَّى سنة (١٥٧هـ).
أما بالنسبة إلى اللغة العربية، فلم تكن هناك مشكلة؛ لأنها كانت لغة
السكان - أو معظمهم - قبل الفتح، ومع ذلك كانت اللغة اليونانية هى
اللغة الإدارية - فى البداية - ثم ما لبث أن تحولت إلى اللغة العربية.
[ ٥ / ٦ ]
الفصل الثاني