٦٤٣ - ٧٩١ هـ = ١٢٤٥ - ١٣٨٩ م.
النشأة والتكوين:
استقل ملوك «كرت» ببلادهم استقلالا محدودًا تحت لواء الإيلخانات
فى «إيران»، وإن استمروا فى الحكم فترة بعد سقوط «الدولة
الإيلخانية»، وقد استقر ملوك «آل كرت» فى «هراة»، و«بلخ»،
و«غزنة»، و«سرخس»، و«نيسابور»، ولم يصلوا إلى ما وصلت إليه
الأسر المغولية الأخرى من أهمية فى تاريخ المشرق الإسلامى؛ إذ
حكموا الجزء الشرقى لإيران من منتصف القرن السابع الهجرى إلى
نهاية القرن الثامن الهجرى، وأزال ملكهم الأمير «تيمور كوركان»
مثلما أزال ملك الأسر المغولية الأخرى.
الوضع الداخلى:
كان «شمس الدين الأول محمد»، أول ملوك «آل كرت»، وهو ابن ابنة
«ركن الدين بن تاج» الذى تزوج ابنة السلطان «غياث الدين محمود
الغورى»، الذى عينه حاكمًا على قلعة «خنسيار» (تقع بين هراة
والغور) والتى آل أمرها -فيما بعد - إلى الملك «شمس الدين».
عندما زحف المغول على العالم الإسلامى رأى الجد «ركن الدين بن
تاج» الدخول تحت لوائهم، ليضمن سلامة ملكه، فتركه المغول، وبعث
بحفيده «شمس الدين كرت» إليهم ليكون فى خدمتهم، تعبيرًا عن
الطاعة والولاء.
حكم «شمس الدين كرت» مناطق كثيرة، منها: «هراة»، و«بلخ»،
و«غزنة»، و«سرخس»، و«نيسابور»،ووصل بملكه إلى ضفاف
«سيحون»، و«سيستان»، و«كابل» حتى «نهر السند»، وتمكن من
الاستقلال بالحكم فى سنة (٦٤٨هـ)، ومن المؤكد أن «شمس الدين»
لعب دورًا كبيرًا فى حملة «هولاكو خان» على بلاد طائفة
«الإسماعيلية»، إذ كان أول المشاركين فيها إظهارًا لولائه وطاعته
للمغول، وكان له الفضل فى تسليم «ناصر الدين محتشم» «قلعة
قهستان» إلى المغول.
لم تسر سياسة «شمس الدين» على نهج واحد فى علاقته بالمغول،
إذ انحاز إلى «براق خان» الجغتائى فى هجومه على «آباقا خان بن
هولاكو» للاستيلاء على «خراسان» التابعة للدولة الإيلخانية، وذلك
[ ٤ / ٥٤ ]
بعد وفاة «هولاكو»، وتولى ابنه «آباقا خان» الحكم خلفًا له، فغضب
«آباقا خان» على «شمس الدين» لموقفه، وخشى «شمس الدين»
على حياته من غضب «آباقا خان» وانتقامه.
شعر «براق خان» بقرب نهاية دولته (الدولة الجغتائية)، فعرض على
«شمس الدين كرت» أن يعرف له أسماء الأغنياء فى «خراسان»
-طمعًا فى مالهم- مقابل أن يحصل «شمس الدين» على تفويضه فى
أملاك «الدولة الإيلخانية»، فأحس «شمس الدين» بذكائه قرب زوال
ملك الجغتائيين، خاصة أن جيشهم بدت عليه أمارات القسوة والتجبر،
فعاد إلى «هراة»، واعتصم بقلعة «خنسيار»، وانتظر ما ستسفر عنه
الأحداث، ولكنه لم يلبث طويلا وتمكن من النجاة بشفاعة «شمس الدين
الجوينى» صاحب الديوان (٧) له عند «آباقا خان» الذى عفا عنه،
ومات «شمس الدين كرت» فى «تبريز» مسمومًا فى عام (٦٧٦هـ =
١٢٧٧م)، فولَّى «آباقا خان» «ركن الدين بن شمس الدين» حكم
«هراة» (٦٧٧ - ٦٨٢هـ = ١٢٧٨ - ١٢٨٣م).
واتخذ هذا الابن لقب أبيه وعرف باسم «ركن الدين بن شمس الدين
الأصغر».
فلما تُوفِّى الإيلخان «آباقا خان» خشى ركن الدين على حياته،
واعتصم بقلعة «خنسيار» الحصينة حتى وفاته سنة (٧٠٥هـ =
١٣٠٥م)، ثم تولى ابنه «فخر الدين» مكانه من قِبَل «غازان خان» سنة
(٦٩٥هـ= ١٢٩٥م)، وشغل عهده بالخلاف مع «غازان»، حتى تُوفِّى
سنة (٧٠٦هـ = ١٣٠٦م)، فعين «أولجايتو» مكانه أخاه «غياث
الدين»، وظل فى الحكم حتى سنة (٧٢٩هـ = ١٣٢٨م)، فخلفه بالتتابع
ولداه «شمس الدين الثانى» الذى مات سنة (٧٣٠هـ = ١٣٢٩م)،
و«الملك حافظ» الذى قتل سنة (٧٣٢هـ = ١٣٣١م)، ثم جاء من بعدهما
الأخ الثالث «معز الدين حسين»، وكان من أبرز حكام «بنى كرت»،
فقد قرئت الخطبة باسمه، وأهداه «سعد الدين التفتازانى» كتابه
المشهور فى البلاغة باسم «المطول» وقد توفى «معز الدين حسين»
سنة (٧٧١هـ = ١٣٧٠م)، وحل مكانه ابنه «غياث الدين بير على» الذى
[ ٤ / ٥٥ ]
دعاه «تيمورلنك» للاجتماع به، فلما لم يلبِّ دعوته، قاد بنفسه جيشًا
تمكن من الاستيلاء على هراة سنة (٧٨٣ هـ = ١٣٨١م)، وأسر «غياث
الدين» وابنه «بير محمد» وأخاه الملك «محمدا» والى «سرخس»
وأركان حكومته، وساقهم إلى «سمرقند»، ثم أعدمهم فى أواخر
سنة (٧٨٤هـ) وبذلك انقرضت أسرة ملوك كرت.
العلاقات الخارجية:
أتاح اتصال ملوك «كرت» بالغوريين فرصة الوصول إلى الحكم، فلما
غزا المغول البلاد الإسلامية انضوى «ركن الدين» تحت لوائهم، وعمل
على مسالمتهم ليأمن شرهم على نفسه وعلى مُلك «آل كرت» فى
«هراة» وغيرها. ثم جاء «شمس الدين كرت» ومضى على الدرب نفسه
فى موالاة المغول، وانضم إليهم فى حملة «هولاكو خان» على بلاد
«الإسماعيلية»، وكان له دوره البارز فى استسلام «ناصر الدين
محتشم»، وتسليمه لقلعة «قهستان» للمغول، ومضى «آل كرت» فى
طاعتهم للإيلخانيين الذين أسسوا دولتهم فى «إيران» و«العراق»،
باستثناء بعض الأوقات التى خرج فيها بعض ملوك «آل كرت» على
سيطرة الإيلخانيين المغول، ثم سرعان ما يعودون ثانية إلى الانضواء
تحت اللواء المغولى، كما فعل «شمس الدين كرت» نفسه حين انضم
إلى «الجغتائيين» فى صراعهم مع الإيلخانيين، ثم عاد ثانية إلى
طلب العفو والصفح عنه من الإيلخان «آباقا» المغولى.
وبذا يمكن القول: إن أمر تولية «آل كرت» الحكم كان يرجع إلى رغبة
«الإيلخان» المغولى، وأصبحت مناطق نفوذ «آل كرت» إمارات تابعة -
إلى حد بعيد- للمغول الإيلخانيين، وظلوا على ذلك حتى انتهى أمرهم
على يد التيموريين الغزاة فى عام (٧٩١هـ= ١٣٨٩م).
مظاهر الحضارة فى إمارة آل كرت:
كانت إمارة «آل كرت» إمارة ثرية؛ إذ ضمت إلى حكمها مناطق عدة
اشتهرت بثرواتها وخيراتها ومزروعاتها، وسعة أرضها، وعذوبة
مائها، وخصوبة تربتها، فاشتهرت «هراة» ببساتينها الكثيرة،
و«غزنة» بسعة أرضها وخصوبة تربتها ووفرة مائها العذب، وكانت
[ ٤ / ٥٦ ]
تقع فى أطراف «خراسان» وتربطها بالهند، أما «سرخس» فتقع بين
«مرو» و«نيسابور» وبها خيرات كثيرة، واشتهرت «نيسابور» (إحدى
مدن خراسان) بالفواكه والثمار، والمعادن الكثيرة وبخاصة الفيروز،
كما كانت تزخر بالعلماء الفضلاء، وتعد هذه المدينة عتبة الشرق.
والواقع أن تلك البقاع التى شملتها أقاليم «آل كرت» كانت تفيض
بالخير والثراء، فلم يجد الحكام صعوبة فى توفير احتياجات البلاد،
وكذلك لم يكن لهم طموح فى توسيع حدودهم، أو إدخال دولة ما
تحت تبعيتهم؛ إذ كانوا أنفسهم تابعين للحكم الإيلخانى المغولى،
وحرص الإيلخانيون على ولائهم وكسب ودهم، وبقاء تبعية «آل
كرت» لهم.
وقد أدى استقرار الأوضاع الاقتصادية فى دولة «آل كرت» إلى
استقرار الأوضاع السياسية، فشجع «الحكام» العلماءَ والأدباء،
وعمدوا إلى مساعدتهم، فبرز منهم عدد كبير، ومنهم «ابن يمين»
(المتوفى عام ٧٦٩هـ)، وقد مدح بأشعاره «آل كرت» والسربداريين،
وتضمن شعره الحكم والمواعظ، ومما يجدر ذكره أن العالم الجليل
والقطب الكبير «جلال الدين الرومى»، قد وُلد وعاش فى «بلخ» فى
الفترة من (٦٠٤هـ إلى ٦٧٢هـ)، وهو من أكبر شعراء الصوفية الفرس،
وصاحب كتاب «مثنوى».
[ ٤ / ٥٧ ]
الفصل الثامن