الخاتمة تميزت الخلافة الراشدة بالعدل والإنصاف، حيث اختص الخلفاء الراشدون بصفات تميزوا بها في سلوكهم الذاتي، وفي إدارتهم لشؤون الأمة، ورعايتهم لدينها وعقيدتها، وحفاظهم على النهج الذي جاء به رسول الله ﷺ من الدعوة والجهاد وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولقد وصفهم الرسول ﷺ بالهدي والرشد كما جاء في حديث العرباض بن سارية - ﵁ - الذي قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودَّع، فما تعهد إلينا؟ أو قال: أوصنا، فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لمن ولي عليكم وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» (١) .
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، ٣ / ٨٧١ رقمه (٣٨٥١) .
[ ٣٩ ]
وفي هذا الحديث إشارة صريحة إلى وقوع الفتن، ووجوب طاعة الإمام، والالتزام بالنهج المستقيم الذي كان عليه الخلفاء الراشدون. ولذلك اختص عصرهم من بين سائر عصور الدول الإسلامية بجملة من المميزات والخصائص التي تميزه عن غيره، حيث صار العصر الراشدي معلمًا بارزًا ونموذجًا متكاملًا ذا مستوى رفيع يسعى كل مصلح إلى محاولة الوصول إليه، ويجعله كل داعية نصب عينيه، فيحاول في دعوته رفع الأمة إلى مستوى ذلك العصر أو قريبًا منه، ويجعله معلمًا من معالم التأسي والقدوة للأجيال الإسلامية (١) .
ولقد كان منهج الإسلام صريحًا وواضحًا في مواجهة العنف، فلقد نبذ العنف بجميع أشكاله وألوانه، وحث المسلمين على الابتعاد عن كل ما يؤدي إلى العنف واستخدام القوة وبيَّن لهم العقوبة التي يستحقها من قام بالعنف قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) .
_________________
(١) انظر: سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ص ٧٢، وانظر: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، ص ١٢، ١٣.
(٢) سورة المائدة، الآية: (٣٣) .
[ ٤٠ ]
كما أكد الإسلام حرمة الدم البشري، فحرم سفكه إلا بالحق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١) . وعظم من حرمة النفس البشرية ومن وزر الاعتداء عليها فعد النفوس كلها واحدة، من اعتدى على إحداها فكأنما اعتدى عليها جميعًا، لأنه اعتداء على حق الحياة، ومن قدم لإحداها خيرًا فكأنما قدم الخير للإنسانية بأسرها، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ . (٢) . (٣)
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: (٣٣) .
(٢) سورة المائدة، الآية: (٣٢) .
(٣) انظر: حقيقة موقف الإسلام من الإرهاب، ص ٨٤.
[ ٤١ ]
وقد شدّد الرسول ﷺ بالوعيد في من حمل السلاح وقام بالعنف وخوَّف الآمنين فقال ﷺ: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (١) . ولعل ما رأيناه في هدي الصحابة - ﵃ - في مواجهتهم للغلو واتخاذ العنف سبيلًا في التعامل مع الآخرين. لقد رأينا مواقف الصحابة وهي تنبذ الاعتداء والظلم والغلو في الدين وأن سبب الاعتداء كان أصله الغلو في فهم بعض النصوص الشرعية. لقد اتفق الصحابة - ﵃ - على مواجهة الغلو في دين الله، وعلى مواجهة أولئك الغلاة ودعوا إلى فهم النصوص فهمًا رشيدًا سليما. والرجوع إلى أهم العلم في تفهم تلك النصوص عند أي أشكال. حتى لا تختلط المفاهيم وتقع الأمة في شراك الغلو والتطرف نتيجة لذلك والله المستعان.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ: «من حمل علينا السلاح فليس منا»، ٨ / ١١٦ رقمه (٧٠٧٠) .
[ ٤٢ ]