وموقف الصحابة ﵃ منه
لما تولى أبو بكر الصديق - ﵁ - الخلافة بعد وفاة الرسول ﷺ خطب خطبته المشهورة التي أشار فيها بقوله: "إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله " (١) . ومن هذه الخطبة تتضح طريقة الصديق ﵁ وأسلوبه في الخلافة. وفعلًا هذا ما كان عليه طوال أيام خلافته التي دامت سنتين وأشهرًا.
_________________
(١) البداية والنهاية، ٥ / ٢٤٨.
[ ١٥ ]
وبعد مباشرة أبي بكر الصديق - ﵁ - للخلافة كانت هناك أحداث عنف اتسمت بالخروج عن إجماع المسلمين، وهذا ما أوجب أن يقوم الخليفة برد حازم تجاهها حتى لا تكون فتنة ويضعف الإسلام ويعود إلى بداياته الأولى، وأهم حدث كاد يعصف بوحدة المسلمين في ذلك الوقت هو المرتدون الذين امتنعوا عن أداء الزكاة. لقد كان موقف أبي بكر الصديق - ﵁ - حينما حدثت الردة قويًا وحاسمًا حيث قال:" والله لو منعوني عناقًا (١) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها " (٢)، فقاتلهم أبو بكر الصديق ﵁ حتى أدوا الصدقة وقتل الله مسيلمة الكذاب في اليمامة والأسود العنسي في اليمن وغيرهم في عُمان والبحرين.
لقد تفرغ أبو بكر الصديق خلال فترة خلافته القصيرة للقضاء على هؤلاء المرتدين سواء منهم من أراد الانفصال عن الدولة الإسلامية أو ادعى النبوة رغبة في الحصول على مجد خاص به كالأسود العنسي في اليمن.
_________________
(١) عناقًا: المراد به هو الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة. انظر: لسان العرب، ٩ / ٤٣٣.
(٢) جزء من حديث في صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، ٢ / ١٣٥ رقمه (١٤٠٠) وانظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ١ / ٥٢ رقمه (٢٠) .
[ ١٦ ]
وقد نتج عن حركة الردة والقضاء عليها إعادة وحدة الدولة الإسلامية وإكساب المسلمين المزيد من الخبرات القتالية والمعرفة بجغرافية الجزيرة العربية، وهو ما أفادهم في حشد الجيوش في حركة الفتح الإسلامي. (١) كما ساعدت على حفظ التصور الإسلامي من التحريف والتشويه، وتجريد الراية الإسلامية من العصبية الجاهلية، والولاء المختلط، والتأكيد على أن القوة الإسلامية لا ترتبط بالعدد ولا العدة، ولكن بقوة الإيمان والروح المعنوية. (٢)
وحينما نرغب في التعرف على مواقف الصحابة تجاه قرار خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق - ﵁ - في حروب الردة فإن الباحث يجد أن الصحابة رضوان الله عليهم قد أشاروا إلى قوته في الحق، واقتدائه الكامل برسول الله ﷺ، وأثنوا على رجاحة رأيه فيما اتخذه من قرارات حازمة حفظت للإسلام قوته وللأمة وحدتها.
يقول عمر بن الخطاب ﵁ عن أبي بكر الصديق وموقفه من حروب الردة: فوالله ما هو إلا أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق (٣) .
_________________
(١) انظر: عصر الخلافة الراشدة «محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين، ص٤١٢.
(٢) انظر: الانشراح ورفع الضيق بسيرة أبي بكر الصديق شخصيته وعصره، ص٣٦١.
(٣) انظر: الرياض النضرة في مناقب العشرة، ص ١٤٧.
[ ١٧ ]
وأما عائشة أم المؤمنين - ﵂ - فقالت: لما خرج أبي شاهرًا سيفه راكبًا راحلته، يعني يوم الردة، فجاء علي بن أبي طالب فأخذ بزمام راحلته، فقال له: أين يا خليفة رسول الله ﷺ أقول لك ما قال رسول الله ﷺ يوم أحد شم (١) سيفك لا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة. والله لئن أصبنا بك لا يكون بعدك نظام أبدًا (٢) .
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: كرهنا ذلك - يعني حروب الردة - ثم حمدنا في الانتهاء، ورأيناه رشيدًا، لولا ما فعل أبو بكر لألحد الناس في الزكاة إلى يوم القيامة.
ويقول أبو رجاء العطاردي ﵁: دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين ورأيت رجلًا يقبل رأس رجل وهو يقول: أنا فداؤك، ولولا أنت لهلكنا فقلت من المقبِّل؟ ومن المقَبَّل؟ قال: ذاك عمر يقبل رأس أبي بكر في قتاله أهل الردة إذ منعوا الزكاة حتى أتوا بها صاغرين (٣) .
_________________
(١) شم سيفك: أي أغمده ويقال سله وهو من الأضداد. أو اجعله في منزلة من الرفعة والعلو، انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ٢ / ٥٠٢.
(٢) انظر: الرياض النضرة في مناقب العشرة، ص ١٤٧.
(٣) المرجع السابق، ص ١٤٨.
[ ١٨ ]