العنف في عهد علي بن أبي طالب ﵁
وموقف الصحابة ﵃ منه
ومن الخلفاء الراشدين الذين رأوا العنف أثناء خلافتهم وأرادوا إخماد الفتنة وجمع شمل المسلمين ووحدة الأمة الإسلامية علي بن أبي طالب - ﵁ - الذي سعى إلى إخماد الفتنة مع توليه الخلافة بعد مقتل عثمان - ﵁ - سنة ٣٦ هـ. فمنذ خلافته وهو يسعى إلى وأد الفتنة التي بدأت بوادرها تظهر بين المسلمين، فحينما طالب عدد من المسلمين من علي ﵁ أن يقتص من قتلة عثمان خشي ﵁ أن يكون الاقتصاص من هؤلاء سببًا في إشعال فتنة جديدة تضر بالمسلمين وتؤثر في وحدتهم، ولكن هذه الفتنة التي بدأت تنمو من مجموعة من الخوارج الذين كانوا يظهرون الولاء لعلي ﵁ والغيرة على الدين والحمية للشريعة، ولكنهم في الواقع كانوا ينقمون في باطن أمرهم ولاية قريش، فنتج عن ما سعى إلى بثه هؤلاء الخوارج من إشاعات، وإثارة للاضطرابات أن وقعت بين المسلمين معارك منها وقعة الجمل وصفين والتي كانت بين كل من علي ومعاوية ﵄.
[ ٣٥ ]
فلما شعر علي - ﵁ - بتأثير هؤلاء الخوارج في وحدة الأمة الإسلامية حاربهم في وقعات كثيرة، حتى أخمد شوكتهم وقضى على معظمهم (١) .
لم يترك بقايا الخوارج الأمر فقام نفر منهم بالتخطيط لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃ جميعًا اعتقادًا منهم بأن قتلهم سيقضي على الفتنة التي هددت وحدة المسلمين، وأحدثت شرخًا كبيرًا في الدولة الإسلامية. وقصة هؤلاء النفر كما يرويها الطبري بدأت حينما اجتمع عبد الرحمن بن ملجم والبراك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي وعابوا على ولاتهم وذكروا أهل النهر فترحموا عليهم قائلين ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئًا. إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة دينهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم، فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا. فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب ﵁. وكان من أهل مصر.
_________________
(١) انظر: الخلفاء الراشدين، ص ٣٦٣.
[ ٣٦ ]
وأتى ابن ملجم رجلًا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب، قال ثكلتك أمك لقد جئت شيئًا إدًا كيف تقدر على علي قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قُتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. قال: ويحك لو كان غير علي لكان أهون عليَّ، قد عرفت بلاءه في الإسلام وسابقته مع النبي ﷺ، وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر، العباد الصالحين، قال: بلى قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه.
فذهبا في ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها علي ﵁ وجلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف ووقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف (١) .
فقتل علي - ﵁ - يوم الجمعة سحرًا. وذلك لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربعين (٢) .
قالت عائشة - ﵂ - لما بلغها موت علي ﵁: لتصنع العرب ما شاءت، فليس لها أحد ينهاها (٣) .
_________________
(١) انظر: تاريخ الطبري، ٣ / ١٥٥، ١٥٦، ١٥٧.
(٢) انظر: البداية والنهاية، ٧ / ٣٤٣.
(٣) انظر: الرياض النضرة في مناقب العشرة، ٣ / ٢٣٧.
[ ٣٧ ]
ونقل جرير عن مغيرة أنه قال: لما جاء نعي علي بن أبي طالب إلى معاوية وهو نائم مع امرأته فاختة بنت قرطة في يوم صائف، جلس وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعل يبكي، فقالت: ويحك، فقال: إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره. (١)
عن ابن هشام قال: قدمت دمشق وأنا أريد العراق، فأتيت عبد الملك لأسلم عليه، فوجدته في قبة على فرش تفوت القائم، وتحته سماطان فسلمت ثم جلست، فقال لي: يا ابن شهاب، أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم. قال: فقمت من وراء الناس حتى أتيت خلف القبة، وحول إلي وجهه وأحنى علي فقال: ما كان؟ فقلت: لم يرفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم. فقال: لم يبق أحد يعلم هذا غيري وغيرك، فلا يسمعه أحد منك. فما حدثت به حتى توفي، أخرجه ابن الضحاك في الآحاد والمثاني.
_________________
(١) البداية والنهاية، ٨ / ١٤.
[ ٣٨ ]