المبحث الأول العنف (تعريفه وحكمه وآثاره) يعد العنف من الأمور الطارئة في حياة الأمم والشعوب والتي يؤثر وجود العنف فيها على الاستقرار والأمن في المجتمع. ولتحقيق تماسك بنيان المجتمع وضمان أمنه، لا بد من السعي إلى القضاء على العنف أو التقليل منه، وبالرغم من أنه لا توجد تعريفات محددة للعنف نظرًا لاختلاف ظروفه ومسبباته، إلا أنه يمكن الإشارة إلى أن العنف يعد سمة من سمات الطبيعة البشرية يظهر حين يكف العقل عن قدرة الإقناع أو الاقتناع فيلجأ إلى الأنا تأكيدًا لذاته ووجوده وقدرته على الإقناع المادي أي استبعاد الآخر الذي لا يقتنع على إرادة الأنا، وإما نهائيًا بإنهاء ذات وجوده (١) .
ويرى آخرون أن العنف هو الاستخدام العقلي للقوة أو التهديد باستخدامها لإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص والإتلاف للممتلكات (٢) .
ونستنتج من هذين التعريفين أن العنف لا يأتي من خلال التفكير المتعقل، وإنما يأتي بعد أن يتوقف العقل عن التفكير ويرى طريقًا واحدًا فقط لإقناع الآخرين برأيه أو منهجه عن طريق القوة فينتج عن ذلك اختلافات كبرى، وزعزعة للاستقرار سواء بين الأفراد أو المجتمع.
_________________
(١) انظر: حقوق الإنسان وأسباب الضعف في المجتمع الإسلامي في ضوء أحكام الشريعة، ص١٣-١٤، وانظر أيضًا: العنف والشريعة في مصر، ص ٤٩.
(٢) انظر: دراسة خاصة عن العنف السياسي في مصر، ص ٥٦٨، وانظر أيضًا: العنف والشريعة في مصر، ص ٥٠.
[ ٤ ]
والعنف له صور مختلفة فمنها ما يمكن أن يطلق عليه العنف الفردي والذي يقتصر ضرره على نطاق محدود، وهناك العنف الاقتصادي الذي تعود جذوره إلى أسباب اقتصادية مثل الفقر والبطالة، وأيضًا هناك العنف الاجتماعي الذي يعود لأسباب اجتماعية مثل فقدان أحد الوالدين، أو الشعور بظلم المجتمع، أو الشعور بالرغبة في الانتقام لأسباب اجتماعية.
أما أخطر صور العنف، وأكثرها تأثيرًا في بنيان المجتمع وتماسكه فهو العنف العقدي، أي الذي يعود لأسباب عقدية، فهو لا يرتبط بمشكلات شخصية ولا اجتماعية ولا اقتصادية. ولكنه يرتبط بالغلو ومجاوزة الحد والتشدد والمبالغة في الأمور الشرعية، قال تعالى محذرًا من الغلو والتشدد في الدين: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (١) .
كما حذر الرسول ﷺ من الغلو في الدين كما يظهر لنا في أحاديث كثيرة منها حديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٢) .
_________________
(١) سورة النساء، الآية (١٧١) .
(٢) رواه أحمد في المسند، وقال الشيخ شاكر إسناد صحيح، ١ / ٢١٥ رقمه (١٨٥١) .
[ ٥ ]
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة (١) والروحة (٢) وشيء من الدُلجة» (٣) " (٤) .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا» (٥) .
قال الإمام النووي ﵀: "المتنطعون " المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم (٦) .
ولا شك أن العنف الذي يأتي نتيجة للغلو في الدين قد ذمه رسول الله ﷺ لأنه خروج عن المنهج الوسط الذي اختاره الله لهذه الأمة.
ويمكن أن نتبين ملامح الغلو في الدين من خلال ما يأتي:
١- التشدد في تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بما يعارض مقاصد الشريعة.
٢- التكلف في التعمق في معاني القرآن الكريم.
٣- أن يلزم الشخص نفسه بما لم يوجبه الله عليه كما فعل بنو إسرائيل.
٤- أن يحِّرم الشخص على نفسه أمورًا لم يحرمها الله على الناس.
٥- أن يترك الأمور الضرورية كالأكل والشرب والزواج والنوم.
٦- الغلو في الموقف من الآخرين مدحًا أو ذمًا.
٧- ترك الحلال وتحريمه على النفس ظنًا أنه من التدين (٧) .
_________________
(١) الغدوة: بمعنى البكرة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. انظر: لسان العرب ١٠ / ٢٦.
(٢) الروحة: تعني نقيض الصباح، وقيل الرَّواح العَشي. انظر: لسان العرب ٥ / ٣٦٢.
(٣) الدلجة: بمعنى سير الليل. انظر: لسان العرب ٤ / ٣٨٥.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، وقول النبي ﷺ: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» ١ / ١٨ رقمه (٣٩) .
(٥) صحيح مسلم، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، ٤ / ٢٠٥٥ رقمه (٢٦٧٠) .
(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ٨ / ٤٧٣.
(٧) انظر: الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، ص ٦٦ - ٨٣. وانظر:التطرف والإرهاب في المنظور الإسلامي والدولي، ص ٣٧ - ٣٨.
[ ٦ ]
كما أن للتطرف والغلو مظاهر وعلامات يأتي في مقدمتها:
التعصب للرأي، والتمحور حول الشخصيات والأحزاب والجماعات، والتقليد الأعمى، وسوابق الأفكار والانطواء والتقوقع والنقص العلمي وعدم الاتزان الفكري والتجرؤ على الفتوى، والطعن في العلماء والتشنيع على المخالف، والجلافة والغلظة والشدة والفهم الخاطئ للإسلام، والتزام التشديد دائمًا (١) .
والخوارج أول من بدأ في سلوك طريق التشدد في الدين حيث كانت أبرز معالم تشددهم تظهر في:
١- الطعن في مخالفيهم وتضليلهم وتكفيرهم. ودليل ذلك طغيانهم في الرسول ﷺ وقسمته وتكفيرهم لأمير المؤمنين عثمان وعلي بن أبي طالب ﵄ والحكمين وأصحاب الجمل.
٢- سوء الظن، ودليل ذلك اتهامهم الرسول ﷺ بعدم الإخلاص في القسمة لأنهم لم يفهموا مقصده السامي لقصر نظرهم ومرض قلوبهم.
٣- المبالغة في العبادة بغير علم، لقوله ﷺ: «يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم. . . الحديث» (٢) .
٤- الشدة على المسلمين: لقوله ﷺ: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» (٣) .
_________________
(١) انظر: المتطرفون، من ص ١١١ إلى ص ١٢٤.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، ٢ / ٧٤٤ رقمه (١٠٦٤) .
(٣) المرجع السابق، ٢ / ٧٤٤ رقمه (١٠٦٤) .
[ ٧ ]
٥- قلة الفقه لعدم تتلمذهم على الصحابة لقوله ﷺ: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» . (١)
٦- نقص التجربة والخبرة وصغر السن وسفاهة العقل لقوله ﷺ: «أحداث الأسنان سفهاء الأحلام» (٢) . (٣)
_________________
(١) المرجع السابق ٢ / ٧٤٤ رقمه (١٠٦٤) .
(٢) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، ٢ / ٧٤٦ رقمه (١٠٦٦) .
(٣) انظر: المتطرفون، ص ٧٥.
[ ٨ ]