رَجَعَ ملك قشتالة إِلَى فحص غرناطة وَنزل بمحلته بقرية عتقه ثمَّ شرع فِي الْبناء فَبنى هُنَالك سورا كَبِيرا فِي أَيَّام قَلَائِل وَسَماهُ شنتفي وَصَارَ يهدم الْقرى وَيَأْخُذ مَا فِيهَا من آلَة الْبناء ويجعله على الْعجل ويحمله إِلَى ذَلِك الْبَلَد الَّذِي بناه وَيَبْنِي بِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِك يُقَاتل الْمُسلمين ويقاتلونه قتالا شَدِيدا وَحَارب ملك الرّوم أَيْضا أبراج الْقرى الدائرة بغرناطة وَأَخذهَا وَلم يبْق إِلَّا قَرْيَة الفخار فَلم يزل يلح عَلَيْهَا ويجلب عَلَيْهَا
[ ١١٨ ]
بخيله وَرجله ويطمع أَن يجد فرْصَة فَلم يقدر على شَيْء حَتَّى قتل لَهُ عَلَيْهَا خلق كثير من الرّوم وَوَقعت عَلَيْهَا ملاحم كَثِيرَة بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى لِأَن الْمُسلمين كَانُوا يلحون على حمايتها خوفًا من أَن يملكهَا الرّوم فَتكون سَببا فِي إخلاء قرى الْجَبَل وحصار الْبَلَد
فَلم يزَالُوا يدافعون عَنْهَا ويقاتلون من قَصدهَا حَتَّى قصر عَنْهَا الْعَدو لِكَثْرَة مَا قتل لَهُ عَلَيْهَا من خيل وَرِجَال وَلم تزل الْحَرْب مُتَّصِلَة بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى كل يَوْم تَارَة فِي أَرض الفخار وَتارَة فِي أَرض بليانة وَتارَة فِي أَرض رسانة وَتارَة فِي أَرض طفير وَتارَة فِي أَرض يعمور وَتارَة فِي أَرض الجدوى وَتارَة فِي أَرض رَملَة أفلوم وَتارَة فِي أَرض الربيط وَتارَة وَادي منتثيل وَغير ذَلِك من الْمَوَاضِع الَّتِي على غرناطة
[ ١١٩ ]
وَفِي كل ملحمة من هَذِه الْمَلَاحِم يثخن كثير من أنجاد الفرسان بالجراحات من الْمُسلمين وَيسْتَشْهد آخَرُونَ وَمن النَّصَارَى أَضْعَاف ذَلِك والمسلمون فَوق ذَلِك صَابِرُونَ محتسبون واثقون بنصر الله تَعَالَى يُقَاتلُون عدوهم بنية صَادِقَة وَقُلُوب صَافِيَة وَمَعَ ذَلِك يمشي مِنْهُم الرِّجَال فِي ظلام اللَّيْل لمحلة النَّصَارَى ويتعرضون لَهُم فِي الطرقات فيغنمون مَا وجدوا من خيل وبغال وحمير وبقر وغنم وَرِجَال وَغير ذَلِك حَتَّى صَار اللَّحْم بِالْبَلَدِ من كثرته رَطْل بدرهم
وَمَعَ ذَلِك لم تزل الْحَرْب مُتَّصِلَة بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَالْقَتْل والجراحات فاشيان فِي الْفَرِيقَيْنِ سَبْعَة أشهر إِلَى أَن فنيت خيل الْمُسلمُونَ بِالْقَتْلِ وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل وفني أَيْضا كثير من نجدة الرِّجَال بِالْقَتْلِ والجراحات