ثمَّ إِن الْعَدو ارتحل إِلَى بِلَاده فَبَقيَ بهَا بعض أشهر وسرح الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ وَأمره بِالْخرُوجِ إِلَى حصون الشرقية وَذَلِكَ كيدا مِنْهُ ومكرا ليعْمَل الْحِيلَة على تِلْكَ الْجِهَة فَخرج الْأَمِير مُحَمَّد إِلَى حصن بلش من حصون شرقية الأندلس فَقَامَ بدعوته ودخله ثمَّ جعل يكْتب إِلَى الْمَوَاضِع وَيُرْسل الْكتب ويعدهم بِالصُّلْحِ مَعَ النَّصَارَى إِن أطاعوه فَلم يقبل مِنْهُ أحد وَلم يقم بدعوته فَرد وَمَا زَالَت شياطين الْفِتْنَة توسوس إِلَى أَن وجدوا فِي ربض البيازين من غرناطة طَائِفَة من أهل الشَّرّ وَالْفساد فقبلوا قَوْلهم ووعدوهم أَن يقومُوا بدعوته إِن كَانَ لَهُ صلح مَعَ النَّصَارَى وأخفوا حَدِيثهمْ وَلم يظهروه لأحد
ثمَّ إِن حصون الشرقية قَامَت بدعوته طَمَعا فِي الصُّلْح مَعَ
[ ٨٤ ]
النَّصَارَى وَبَقِي الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ يكْتب إِلَى الْمَوَاضِع والقرى والحصون ويخبرهم أَن مَعَه صلحا مَعَ النَّصَارَى صَحِيحا فَلم يقبل مِنْهُ أحد بذلك
فَلَمَّا رأى أَن أهل الْبَلَد لم يقبلُوا مِنْهُ اتّفق رَأْيه أَن يسير بخاصته إِلَى ربض البيازين فَأخذ من خاصته من يَثِق بِهِ وَخرج عَن حصون الشرقيه قَاصِدا ربض البيازين وغرناطة فَدخل ربض البيازين على حِين غَفلَة من عَمه مُحَمَّد بن سعد أَمِير غرناطة وَلم يشْعر بِهِ أحد حَتَّى دخل وَاجْتمعت مَعَه تِلْكَ الطَّائِفَة الْمَذْكُورَة قبل وانضم إِلَيْهِ آخَرُونَ فاشتدت عصابته وغلظت شوكته وَأمر مناديه أَن يُنَادي ان لَهُ صلحا صَحِيحا مَعَ النَّصَارَى فَقَامَ أهل البيازين بدعوته وَلم يقبل أهل غرناطة مِنْهُ مَا ذكر من الصُّلْح وَقَالُوا إِنَّه لَيْسَ بِصَحِيح فاشتعلت نَار الْفِتْنَة بَين أهل ربض البيازين وَبَين أهل
[ ٨٥ ]
غرناطة وَاشْتَدَّ ضرامها وَبلغ الْعَدو دمره الله مَا أمله ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا
وَكَانَ دُخُول الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ ربض البيازين فِي السَّادِس عشر لشوال عَام إِحْدَى وَتِسْعين وثمان مئة فتعصب أهل غرناطة مَعَ أَمِيرهمْ مُحَمَّد بن سعد على أهل البيازين وتعصب أهل البيازين مَعَ أَمِيرهمْ مُحَمَّد بن عَليّ على أهل غرناطة وَوَقع الْحَرْب والقتال بَينهم وَصَارَ يقتل بَعضهم بَعْضًا وينهب بَعضهم مَال بعض الآخر
ثمَّ إِن الْعَدو دمره الله أمد أَمِير البيازين بِالرِّجَالِ والأنفاط والبارود والقمح والعلف والبهائم وَالذَّهَب وَالْفِضَّة وَغير ذَلِك ليَشُد بِهِ عضد الْفِتْنَة وَيُقَوِّي الشَّرّ وَلم تزل الْحَرْب مُتَّصِلَة بَين الْفَرِيقَيْنِ
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم السَّابِع وَالْعشْرُونَ من محرم عَام اثْنَيْنِ وَتِسْعين عزم أَمِير غرناطة أَن يدْخل ربض البيازين عنْوَة بِالسَّيْفِ فندب أهل غرناطة وَغَيرهم من أحوازها وَقَالَ لَهُم إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم قد حلت دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ لنصرتهم بالنصارى فَمَا لَهُم إِلَّا
[ ٨٦ ]
السَّيْف وَندب أهل بسطة وَأهل وَادي آش وَمن حولهَا وَأمرهمْ بالهبوط على طَرِيق الفرغ وَالدُّخُول على بَاب فج اللبوة فِي ذَلِك الْيَوْم وَفتح أهل غرناطة بَاب الْحَدِيد وَبَاب أنيدر وَبَاب قشتر ونقبة بَاب البنود وَبَاب البنود ونقبة ربض
[ ٨٧ ]
الْبَيْضَاء وَبَاب الدفاف فَخرجت عَلَيْهِ طَائِفَة وطلعت على الْوَادي فَدخلت بَاب الشميس وَدخلت كل طَائِفَة على جِهَتهَا
وَذَلِكَ كُله فِي سَاعَة وَاحِدَة
فلطف الله تَعَالَى بِأَهْل البيازين فَخرج لكل جِهَة من هَذِه الْجِهَات طَائِفَة مِنْهُم فدفعوهم وقاتلوهم وردوهم على أَعْقَابهم منهزمين فَدَخَلُوا بلدهم وسدوا أَبْوَابهم وبنوا نقبهم وَلم تزل الْحَرْب مُتَّصِلَة بَين الْفَرِيقَيْنِ والعدو دمره الله يدبر الْحِيلَة عَلَيْهِم