قَالَ الْمُؤلف عَفا الله عَنهُ لما استقام ملك الأندلس للأمير أبي الْحسن عَليّ بن سعد ودانت لَهُ جَمِيع بِلَاد الأندلس وَلم يبْق لَهُ فِيهَا معاند وَذَلِكَ بعد خطوب وأحداث وكوائن جرت لَهُ مَعَ أَبِيه وَمَعَ قواده بعد موت أَبِيه فِي أَخْبَار وحوادث يطول ذكرهَا
وَذَلِكَ أَنه كَانَ مَحْجُورا للقواد وَلم يكن لَهُ من الْملك إِلَّا اسْمه فَأَرَادَ أَن يقوم بِنَفسِهِ ويزيل عَنْهَا الْحجر فَانْفَرد بِنَفسِهِ عَن قواده كَمَا انْفَرد مَعَه بَعضهم وَوَقعت بَينهم حروب وأحداث
وَذَلِكَ أَنه لما اعتزل عَن قواده أخذُوا أَخَاهُ مُحَمَّد بن سعد وَكَانَ أَصْغَر مِنْهُ سنا فَبَايعُوهُ واشتعلت نَار الْفِتْنَة بَينهم فأظهر
[ ٣٤ ]
الْأَمِير أَبُو الْحسن التَّوْبَة للنَّاس وَوَعدهمْ إِن قَامُوا بدعوته أَن يصلح شَأْنهمْ وَأَن يظْهر الْأَحْكَام وَينظر فِي مصَالح الوطن وَيُقِيم الشَّرِيعَة فمالت إِلَيْهِ الرّعية وأعانوه على مَا نَوَاه من مُرَاده وغرهم إِلَى أَن أظفره الله بهم بعد حروب كَثِيرَة وَقعت بَينهم
وَذَلِكَ أَن أَخَاهُ مُحَمَّدًا أفلت من أَيدي القواد الَّذين بَايعُوهُ وَسَار إِلَى أَخِيه أبي الْحسن وَقدم الطَّاعَة فَلَمَّا علم القواد بذلك اجْتَمعُوا فِي مَدِينَة مالقة فَحَاصَرَهُمْ الْأَمِير فِيهَا حَتَّى أطاعوه فَأَخذهُم وقتلهم كلهم
[ ٣٥ ]
وانقرضت أَعْلَام الْفِتْنَة وخمدت نارها ودانت لَهُ جَمِيع بِلَاد الأندلس وَلم يبْق لَهُ فِيهَا معاند وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَغْزُو بِلَاد الرّوم الْمرة بعد الْمرة حَتَّى غزا غزوات كَثِيرَة وَأظْهر الْأَحْكَام
[ ٣٦ ]
وَنظر فِي مصَالح الْحُصُون ونمى الْجَيْش فهابته النَّصَارَى وصالحته برا وبحرا وَكثر الْخَيْر وانبسطت الأرزاق ورخصت الأسعار وانتشر الْأَمْن فِي جَمِيع بِلَاد الأندلس وشملتهم الْعَافِيَة فِي تِلْكَ الْمدَّة وَضربت سكَّة جَدِيدَة طيبَة