فَلَمَّا صَارَت هَذِه الْبِلَاد كلهَا تَحت ذمَّة الْعَدو وَلم يبْق لصَاحب قشتالة سوى غرناطة الَّتِي هِيَ فِي صلحه وَرَأى أَن الاسلام قد دثر من بِلَاد الأندلس وَقع طمعه وَنقض مَا كَانَ بَينه وَبَين صَاحب غرناطة مُحَمَّد بن عَليّ من الصُّلْح فَأخذ برج ملاحة غرناطة وبرج قَرْيَة هَمدَان وَكَانَا برجين كبيرين حصينين فزادهما تحصينا وتمنيعا وأشحنهما بِالرِّجَالِ وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من آلَة الْحَرْب ليضيق على أهل غرناطة لأَنهم كَانُوا قريبين مِنْهُمَا فضيق بذلك عَلَيْهِم أَشد الضّيق
[ ١٠١ ]
وَفِي هَذِه السّنة وَهِي سنة خمس وَتِسْعين وثمان مئة بعث ملك النَّصَارَى إِلَى صَاحب غرناطة مُحَمَّد بن عَليّ على أَن يُعْطِيهِ مَدِينَة الْحَمْرَاء وَمَا قطع الْوَادي لجِهَة الْحَمْرَاء من غرناطة وَيتْرك للأمير الْمَذْكُور مُحَمَّد بن عَليّ سَائِر الْبَلَد وَالدُّخُول فِي ذمتة كَمَا دخل سَائِر الأندلس وَظن أَن ذَلِك يتم لَهُ فأطمعه الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ فِي ذَلِك فَخرج صَاحب قشتالة فَرحا مَسْرُورا بمحلته لقبض مَدِينَة الْحَمْرَاء وغرناطة وللنزهة فيهمَا وَخرج مَعَه الصّبيان وَالنِّسَاء بِقصد النزهة وَلم يظنّ أَن فِي مَدِينَة غرناطة مدافعا لَهُ وَلَا مُقَاتِلًا وَلَا معاندا
فَلَمَّا بلغ الْخَبَر أهل غرناطة بِخُرُوج صَاحب قشتالة وَأَنه قادم عَلَيْهِم حَسْبَمَا ذكر جمع أَمِير غرناطة مُحَمَّد بن عَليّ خاصتهم وعامتهم وَأخْبرهمْ بِمُرَاد طاغية النَّصَارَى وَمَا طلب وَمَا خُرُوجه إِلَّا ليدْخل الْبَلَد على الصّفة الْمَذْكُورَة واستشارهم فِي ذَلِك فَأَجْمعُوا أَمرهم كلهم على قِتَاله ومدافعته عَنْهُم بِمَا أمكن حَتَّى يفتح الله عَلَيْهِم أَو يهْلكُوا عَن آخِرهم وتعاهدوا مَعَ أَمِيرهمْ أَن يَكُونُوا يدا وَاحِدَة على قتال
[ ١٠٢ ]
عدوهم فَبلغ ملك النَّصَارَى مقالتهم وَمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ فساءه ذَلِك وغمه فَجمع جَمِيع جيوشه وَنزل بمحلته مرج غرناطة وَجعل يقطع الطّرق وَيفْسد الزَّرْع وَغَيره فَخرج إِلَيْهِ فرسَان الْمُسلمين من أهل غرناطة يتقدمهم القواد وبرز الْأَمِير مُحَمَّد بن عَليّ مَعَ الرِّجَال قَرِيبا من الْبَلَد وَقُلُوبهمْ واثقة بِاللَّه يسْأَلُون من الله ﷾ النَّصْر والمعونة على عدوهم
وَخرج مَعَ ملك الرّوم فِي محلته جمَاعَة من الْمُرْتَدين الداخلين فِي ذمَّته من أهل الْحُصُون والقرى والمدن يدلونه على عورات الْمُسلمين ويحرضونه على قِتَالهمْ وَكَانَ خُرُوج الرّوم فِي أول رَجَب من سنة التَّارِيخ فَكَانَ كلما أَرَادَ الدنو من الْبَلَد وَفتح للحرب بَابا
[ ١٠٣ ]
ردهم الله على أَعْقَابهم مهزومين مفلولين بنصر الله ومعونته وفرسان الْمُسلمين صَابِرُونَ محتسبون حَتَّى قتلوا من الرّوم خلقا كثيرا فَلَمَّا تبين لملك الرّوم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بالدنو من غرناطة وَأَن بهَا حماة من الفرسان وَالرِّجَال منعوها من كل جِهَة وَمَكَان وأيدهم الله بعزيز نَصره وَلم يَتْرُكُوهُ أَن يجد فِيهَا فرْصَة ارتحل عَنْهَا يعَض أنامله من الغيظ
وَذَلِكَ كَانَ فِي النّصْف من شهر رَجَب عَام تَارِيخه وَهدم برج عويو وَزَاد إشحانا لبرج هَمدَان من الْمُرْتَدين أهل الْقرْيَة وشرذمة أُخْرَى من النَّصَارَى وشيئا كثيرا من الطَّعَام وَالْعدة وَآلَة الْحَرْب وَعمر أَيْضا برج الملاحة وشحنه بِمثل ذَلِك ورحل إِلَى بِلَاده من قشتالة