وأصل ذلك فى الإسلام أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، بلغه أن تجارا من المسلمين يأتون من المسلمين يأتون أرض الجند فيأخذون منهم منهم العشر، فكتب عمر إلى موسى الأشعرى وهو على البصرة: أن خذ من كل تاجر يمر بك من المسلمين من كل مائتى درهم خمسة دراهم، وخذ من تجار العهد يعنى أهل الذمة من كل عشرين درهم درهما.
وأول من أحدث ما لا سوى بمصر أحمد محمد بن مدبر - لما ولى خراج مصر بعد سنة خمسين ومائتين - فإنه كان من دهاة الناس وشياطين الكتاب، فابتدع فى مصر بدعا صارت مستمرة من بعده، فأحاط بالنطرون وحجر عليه بعد ما كان مباحا لجميع الناس، وقرر على الكلأ الذى ترعاه البهائم ما لا سماه المراعى، وقرر على ما يطعمه الله من البحر وهو السمك ما لا وسماه المصايد … وغير ذلك.
فلما ولى الأمير أحمد بن طولون بمصر وأضيفت إليه الثغور الشامية والمصرية تنزه عن أناس هذه الأمور وكتب باسقاطها من جميع أعماله، وكانت تبلغ بمصر خاصة مائة ألف دينار فى كل سنة ثم أعيدت جميع تلك المظالم والمكوس فى أثناء الدولة الفاطمية عند ما ضعفت دولتهم.
فلما ولى السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شادى بملك مصر أمر باسقاط مكوس مصر والقاهرة جميعها، وكتب بذلك مرسوما عند القاضى الفاضل عبد الرحيم وكان جملة ذلك في كل سنة مائة ألف دينار.
[ ١٤١ ]
فلما ولى ابنه الملك العزيز عثمان أعاد المكوس وزاد فى شناعتها. قال القاضى الفاضل فى متجددات سنة تسعين وخمسمائة وكان قد تتابع فى شهر شعبان أهل مصر والقاهرة فى أظهار المنكرات وترك الإنكار لها وإباحة أهل الأمر والنهى إليها وتفاحش الأمر فى تلك السنة إلى أن غلا سعر العنب لكثرة من يعصره، وأقيمت طاحون بحارة المحمودية لطحن بذر الحشيش فيها وخميت بيوت المزر، وأقيمت عليها الضرائب الثقيلة حتى صارت تأخذ منها فى كل يوم ستة عشر دينارا، وحملت أوانى الخمر على روءس الأشهاد وفى الأسواق من غير منكر لذلك وظهر عقب ذلك وفوق زيادة النيل عن معتادها وغلت سعر الغلة فى وقت ميسورها.
وقال جامع السيرة التركية: ولما استقل الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى الصالحى بمملكة مصر فى سنة خمسين وستمائة بعد انقراض دولة بنى أيوب، فجدد أيبك التركمانى مكوسا وضمانات وأخذ من التجار أموالا ومن أرباب العقارات وغير ذلك.
ولما ولى الملك المظفر سيف الدين قطز مملكة مصر بعد خلع الملك المنصور على ابن المعز أيبك التركمانى أحدث عند سفره الذى قتل فيه مظالم كثيرة لأجل جمع المال وصرفه فى الحركة لقتال التتار منها أنه أحدث على كل إنسان دينارا من الفقراء والنساء وأخذ ثلث الترك الأهلية وأحدث من هذا الأمر شئ كثيرا حتي بلغ ذلك ستمائة ألف دينار، فلما قتل قطز ومضى خبره.
وجلس الملك الظاهر ركن الدين بيبرس بعده على سريره الملك بمصر [ق ١١٩ ب خ بقلعة الجبل فعند ذلك أبطل جميع ما كان من المظالم قديما وحديثا وكتب بذلك مساميح قرئت على المنابر وذلك فى سنة اثنين وستين وستمائة وأبطل ضمان الحشيس من الديار المصرية وأمر باراقة الخمور وأبطال المنكرات وخراب بيوت المسكرات ومنع الحانات من الخواطى بجميع أقطار مملكة مصر والشام فظهرت من ذلك البقاع جميعا وقد أحضر إليه بشخص يسمى الكازرونى وهو سكران فأمر بصلبه وعلقت الجرة فى عنقه وذلك الذى يقول فيه ابن دانيال.
لقد كان بعد السكر من قبل صلبه … خفيف الأذى إذ كان فى شرعنا جلدك
فلما بدا المصلوب قلت لصاحبى … ألايت فإن الحد قد جاور الحدا
ولما ولى الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى بمملكة مصر أبطل زكاة الدولة وهو ما
[ ١٤٢ ]
كان يؤخذ من الرجل عن زكاة ماله أبدا ولو عدم منه ولو مات لا يزال يؤخذ من ورثته، وأبطل ما كان يجبى من أهل إقليم مصر كله إذا حضر مبشر بفتح حصن أو بنصرة عسكر أو نحوه فيؤخذ من الناس على قدر طبقاتهم وكان يجتمع من ذلك مال كثيرة، وأبطل ما كان يجنى عنده وفاء النيل من أهل مصر مما كان يعمل شوى وحلوى وفاكهة برسيم المقياس وجعل مصروف ذلك من بيت المال وأبطل أشياء كثيرة من هذا النمط.
ولما ولى الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون أبطل ضمان المغانى، وكان ذلك بلاء عظيما وهو عبارة عن أخذ مال من النساء البغايات وذلك لو خرجت أجل المرأة فى مصر تريد البغا ونزلت اسمها عند الضامنة وقامت بما يلزمها لما قدر أكبر من فى مصر بمنعها من عمل الفاحشة وكان يؤخذ من كل باع ملكا عن ألف درهم عشرون درهما، وكان متحصل هذين الجهتين مال كبير جدا.
ولما ولى الملك الظاهر برقوق أبطل من المظالم شيئا كثيرا منها ما كان يؤخذ من بيع القمح من الفقراء بثغر دمياط فمن يبتاع من أردبين إلى ما دونهما، وأبطل ما كان يؤخذ على الدريس والحلفاة بباب النصر خارج القاهرة، وأبطل الأبقار التى كانت ترمى على الناس بالوجه البحرى عند فراغ الجسور وأبطل من هذا النمط شيئا كثيرا.
ولما ولى ابنه الملك الناصر فرج بن برقوق الملك بمصر زاد فى الظلم وتجديد المكوس بواسطة الأمير جمال الدين يوسف الاستا دار فزاد مظالما كثيرة وكان فيما زاده أخذ المكس من الصيادين وكان ذلك قد بطل من مصر وأعمالها من البورى وغيره من السمك، ولما تجدد المكس عليها قل السمك بالقاهرة وغلا سعره.
قال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس فى تاريخ مصر أن كان صنما بالإسكندرية يقال له شراحيل على حشفه من حشف البحر مستقبل بأصبع من كفه نحو قسطنطينية أكان مما عمله سليمان بن داود، أم عمله الإسكندر؟ فكانت الحييتان السمك يدور بذلك الصنم، وتصاد عنده فيما زعموا، فكتب رجل يقال له أسامة بن زيد وكان عاملا على مصر للوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين كتابا يذكر فيه إن عندنا بالإسكندرية صنما يقال له شراحيل من نحاس، وقد غلت علينا الفلوس الجدد والنحاس، فإن رأى أير المؤمنين أن ينزله ويضربه فلوسا فعلنا، وأن رأى غير ذلك فالأمر أمره، فكتب إليه: لا تنزله حتي أبعث إليك أمناء يحصرونه فبعث إليه رجالا أمنتاء حتى أنزلونه من الحشفة فوجدوا عيناه
[ ١٤٣ ]
ياقوتتين ليس لهما قيمة فعند ذلك ضربة فلوسا، فلما بطل فعله انطلقت الحيات السمك من ذلك المكان، ولم ترجع إليه من ذلك الوقت.
ولما ولى الملك المؤيد شيخ مملكة مصر بعد الخليفة العباس بن محمد بن أمير المؤمنين المستعين بالله فأمر المؤيد شيخ يجنى الجوالى من اليهود والنصارى فأخذت منهم المثل مثلين وحصل لهم ضرر زايد وأحدث مظالم كثيرة فى أيامه. وقد صار كل ملك من الملوك لا بد أن يحدث شئ فى أيامه من أبواب الظلم فيتبعه على ذلك من يجيء بعده، وربما يزيد عليه شيئا آخر، والأمر فى ذلك لله ما شاء فعل، وقد قال بعضهم.
كم من ملوك طغوا فينا وما عدلوا … ولم تنل منهم رفقا مساكنهم
حتى إذا ما عثوا عن ما نهوا أخذوا … فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم
وقال الإمام على ﵁:
يسعى ابن آدم فى قضى أؤطاره … والموت يتبعه على آثاره
يلهو وكف الموت فى أطواقه … كالكبش يلعب فى يدى جزاره
يمسى وقد أمن الحوادث ليلة … فلربما يطرقه فى أسحاره
من ليس يعلم وكيف تصبح داره … من بعده فليعتبر بجواره
قيل كتب قيصر إلى كسرى كتابا وكانا ضدين متباغضين لاقتسامهما نصفين الدنيا، يقول له فى الكتاب «أعلمنى بمادامت لك الطاعة فى جميع أهل ممللتك مع شطه أقطارها واستثبتت لك الأمور، وساعدك المقدور وأنت رجل مجوسى ليس لك كتاب منزل ولا نبى مرسل.
وكتب إليه كسرى وهو يقول فى كتابه: استقام إلى أمر مملكتى فى جميع ما ذكرته وما لم تذكره وما هو أعظم منه وذلك أن لى عشرة خصال تؤمن فى مثلها الغاية التى يحذر وقوعها وهى إنى لم أهزل فى أمر ولا نهى ولا أكذب فى رعد ولا عيد، واستخدم فى أعمالى الكفاءة والأغنياء وعقوبتى للذنب لا للغضب واستلمت قلوب الرعية بتوقيع منافعها، والحرص على
[ ١٤٤ ]
مدافعها وعميت بالقوت ومبعث من الفضول ونزلت الرعية طبقاتها المتعارفة وحدرت كل أحد أن يتجاوز حد طبقته لأن أكبر أسباب الفساد التى تعرض للدول من أهمال ضبط الطبقات فيدخل كل منهم فى ما ليس من شكله ولا مخبرة له به ولا من شأنه فيتابع الفساد ويستسرى الأضطراب فحينئذ اجتمعت لي القلوب مع كثرة الاعظام والمهابة ثم إنى لم أخيب قصد من رجائى ولا قطعت حبل من واصلنى ولا أبغضت من أحبنى ولا احتجبت عن مظلوم ولا تهاونت بحقير ولاننا سيئت إحسان كريم ولا رفعت نفسى عن أحد من ذوى رحمى ولا نصرت أحدا من قومى ولا وخرت مجازاة محسن ولا غفلت من عقوبة مجرم.
قال الراوى: فلما وقف قيصر على كتاب كسري كتب إليه قيصر وهو يقول له: يحق لمن كانت له هذه السياسة أن تدوم له الرياسة.
***