ويقال كان اسمها في الدهر الأول قبل الطوفان «جزله»، ثم سميت «مصر»، وقد اختلف أهل العلم عن المعني الذي من أجله سميت هذه الأرض بمصر. فقال قوم سميت بمصر ابن مركابيل بن دوابيل بن عريان بن آدم ﵇، وهو مصر الأول، وقيل، بل سميت بمصر الثانى وهو مصرام بن نقراوش الجبار بن مصريم بن تيصر بن حام بن نوح ﵇ وذلك بعد الطوفان وهو اسم أعجمي لا ينصرف.
وقال آخرون هو اسم عربي مشتق فأما من ذهب إلي أن مصر اسم أعجمى فأنه أستدل إلي ما رواه أهل العلم بالأخبار من نزول مصريم بن بنيصر بهذه الأرض، وقسمها بين أولاده فعرفت به.
وذكر أبو الحسن المسعودى (^١) في كتاب أخبار الزمان: أن بني نوح ﵇ لما تحاسدوا وبغي بعضهم علي بعض، ركب نقراوش في نيف وسبعين من كبار قومه جبابرة، وكلهم يطلبون موضعا من الأرض يقطنون فيه، فلم يزالوا يمشون حتى وصلوا إلي النيل، فلما طالوا في المشي رأوا سعة البلد وحسنها أعجبهم، وقالوا: هذا بلد زرع وعمارة أقاموا فيه واستوطنوه وبنوا فيه الأبنية المحكمة والمصانع العجيبة، وبني نقراوش مصر، ونزل بها فلم يزل مطلعا.
_________________
(١) هو علي بن الحسين بن علي أبو الحسن المسعودى، من ذرية عبد الله بن مسعود، مؤرخ رحالة بحاثة من أهل بغداد، أقام بمصر وتوفي بها. قال الذهبي «عداده فى أهل بغداد، نزل مصر مدة. وكان معتزليا» من تصانيفه «مروج الذهب» و«أخبار الزمان ومن أباده الحدثان» و«التنبية والإشراف» و«أخبار الخوارج» و«ذخائر العلوم وما كان فى سالف الدهور» و«الرسائل» و«والاستذكار بما مر في سالف الأعصار» و«أخبار الأمم من العرب والعجم» و«خزائن الملوك وسر العالمين» و«المقالات في أصول الديانات» و«البيان» فى أسماء الأئمة و«المسائل والعلل فى المذاهب والملل» و«الإبانة عن أصول الديانة». و«سر الحياة» و«الاستبصار» في الإمامة، و«السياحة المدنية» فى السياسة والاجتماع، وهو غير المسعودى الفقيه الشافعى وغير شارح المقامات الحريرية.
[ ١٩ ]
وقد كان وقع إليه من العلوم التى كان رواميل قد علمها لآدم ﵇، فلم يزل يقهر الجبابرة الذين (^١) كانوا قبله وملوكهم، ثم أمر أن تبنا له مدينة مكان خيمته، فقطعوا الصخور من الجبال وآثار ومعادن الرصاص، وبنوا وزرعوا وعمروا الأرض، ثم أمر ببناء المدائن والقرى واسكن كل ناحية من الأرض أقاربه وأصحابه، ثم أمر بحفر النيل حتى أخرجوا ماء إليهم ولم يكن قبل ذلك معتدل في مجريانه، وإنما كان ينبطح ويتفرق فى الأرض حتي وجه إلي النوبة، وهندسوه وساقوا منه أنهارا إلي مواضع كثيرة من المدن.
وقيل أن قليمون الكاهن خرج من مصر والحق بنوح ﵇، وأمن به هو وأهله وولده وتلاميذه، وركب معه في السفينة وزوج ابنته بنيصر بن حام بن نوح ﵇، فلما خرج نوح من السفينة وقسم الأرض بين أولاده وكانت أبنة قليمون قد ولدت لبنيصر ابنا سماه مصرايم، فقال قليمون لنوح: ابعث معى يا نبي الله ولد أبنتي حتي أمضي به بلدي «يعنى مصر»، وأظهره علي كنوزه وأوقفه علي علومه ورموزه. فأرسله نوح ﵇ مع جماعته من أهل بيته، فلما قرب من مصر بني له عريشا من أغصان الشجر وستره بحشيش الأرض، ثم بني له بعد ذلك في هذا الموضع مدينة سماها درسان أى الجنة، وزرع وغرس فيها الأشجار فصارت هناك زروع وعمارة، وكان الذي مع مصرايم جبابرة فقطعوا الصخور وينوا المعالم والمصانع وأقاموا أرغد عيش، ويقال أن لما غرست الأشجار بمصر فكانت ثمارها عظيمة بحيث تشق الأترجة نصفين فيحمل البعير نصفها، وكان القثاء فى طول أربعة عشر شبرا.
وقيل أن مصرايم أول من صنع السفن بالنيل، وأن سفينة كانت طولها ثلاثمائة ذراع في عرض مائة ذراع، ويقال أن مصرايم نكح امرأة من بنات الكهنة فولدت له ولدا، يقال له قبطيم، ونكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره امرأة فولدت له أربعة نفر: أنه قبطيم وأشمون وأتريب وصا، فكثروا وعمروا الأرض وبورك فيها، وقيل إنه كان عدد من وصل معهم ثلاثين رجلا، فبنوا مدينة سموها ناقة، ومعنى ناقة يعني مدينة ثلاثون بلغتهم وهي منف، وكشف أصحاب قليمون الكاهن عن كنوز مصر وعلومها وآثار المعادن وعمل الطلسمات وعمل الكيمياء، ثم أن مصرايم أمرهم عند موته أن يحفروا له في الأرض سربا، وأن يفرشوه بالمرمر الأبيض، ويجعلو فيه جسده ويدفنوا معه جميع ما فى خزائنه من الذهب والجوهر، وكتبوا عليه أسماء الله
_________________
(١) وردت فى الأصل «الذى».
[ ٢٠ ]
المانعة تمنع من أخذه فحفروا له سربا طوله مائة وخمسون ذراعا، وجعلوا في وسطه مجلسا مصفحا بصفائح الذهب، وجعلوا له أربعة أبواب على كل باب منها تمثال من ذهب، عليه تاج مرصع بالجواهر، وهو يجالس علي كرسي من ذهب قوائمه من زبرجد، وكتبوا في صدر كل تمثال آيات مانعة وجعلوا جسده في جرن (^١) مرمر مصفحة بالذهب، وكتبوا على مجلسه مات مصرايم بن حام بن نوح ﵇ بعد سبعمائة عام مضت من أيام الطوفان، ومات ولم يعبد الأصنام ولم يصل إلى هذا المكان أحدا إلا من يكون ولدته سبعة ملوك تدين بدين الملك الديان وذلك أخر الزمان، وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط وألف تمثال من الجوهر النفيس وألف برينة مملوءة من الدر الفاخر والصنعة الإلهية، ومن العقاقير والطلمسات العجيبة وسبائك الذهب وسقفوا ذلك بالصخور وهالوا فوقها الرمال وذلك عند دير أبي هرمس غربي الأهرام، وهو أول قبر بأرض مصر، وولى أبنه قبطيم الملك.
وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم (^٢) في كتاب فتوح مصر وأخبارها عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال كان لنوح ﵇ ثلاثة (^٣) من الولد وهم: سام وحام ويافث وأن نوحا رغب إلي الله تعالي وسأله أن يرزقه الإجابة في ولده وذريته حين تكاملوا بالنماء والبركة فوعده بذلك، فنادي نوح ولده فلم يجبه أحد منهم إلا ولده سام فانطلق به معه حتي أتا الجبل فوضع نوح ﵇ يمينه علي سام وشماله علي أرفخشد بن سام وسأل الله تعالي أن تبارك في سام أفضل البركة وأن يجعل الملك والبنوة في ولده أرفخشد، ثم نادي حاما وتلفت يمينا وشمالا فلم يجبه ولم يقيم إليه هو ولا أحد من ولده فدعا الله تعالي أن يجعل أولاده أذلا، وأن يجعلهم عبيد لولد سام، وكان مصر بن بنبصر بن حام نائما إلي جنب جده، فلما سمع دعاء نوح ﵇ قام يسعي إليه.
وقال: يا جدى قد اجبتك إذ لم يجبك جدي، ولا أحد من ولده فاجعل لي دعوة من دعائك ففرح نوح بذلك ووضع يده علي رأسه، وقال: اللهم أنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد وغوت العباد التي نهرها أفضل الأنهار
_________________
(١) وردت فى المخطوطة (أحمد).
(٢) هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصرى الفقيه، روى عن أبيه والشافعى والقعنبى وخلق، وعنه النسائى ووثقه. وقال ابن يونس: كان المفتى بمصر فى أيامه. مات سنة ٢٦٨ هـ.
(٣) وردت عند المقريزى (أربعة) والصواب فى المتن.
[ ٢١ ]
فيها أفضل البركات وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم وقوهم عليها. ثم دعا ولده يافث فلم يجبه ولا أحد من ولده فدعا الله عليهم أن يجعلهم شرار الخلق. وعاش سام مباركا حتى مات، وكان الملك والنبوة والبركة في ولده أرفخشد بن سام، وكان أكبر ولده.
***