قال عبد الله بن أحمد سليم الأسوانى فى كتاب أخبار النوبة أعلم أن أول بلد النوبة قرية تعرف بالأقصر من أسوان إليها خمسة أميال وآخر حصين المسلمين جزيرة تعرف ببلاق بينها وبين قرية النوبة ميل، وهو ساحل بلد النوبة، ومن أسوان إلى هذا الموضع جنادل فى البحر لا تسلكها المراكب إلا بالحيلة، لأن هناك جبال منقطعة وشعاب معترضة فى النيل، ولا صباب فيها جزير عظيم وذوى نسمع من بعد، وبهذه القرية مسلحة وباب إلى بلد النوبة، ومنها إلى الجنادل الأول من بلد النوبة عشر مراحل وهى الناحية التى ينصرف فيها المسلمون ولهم فيما قرب منها أملاك، وفيها جماعة من المسلمين لا يفصحون بالعربية وهى ناحية ضيقة شطفة كثير الجبال وشجرها النخيل والمقل وأعلاها أوسع من أدناها، وفى أعلاها الكروم والنيل لا يروى مزارعها لأرتفاع أرضها فيرونها بالدواليب على أعناق البقر والقمح عندهم قليل والشعير عندهم أكثر، ويزرعون فى الصيف السمسم واللوبيا والذرة وغير ذلك من الزرع، ولها منيا تعرف يادوا، وإليها ينسب إليها لقمان الحكيم وذو النون، وبها عجائب كثيرة، وفيها قلعتين وبها ملك يعرف بصاحب الجبل وفيه العدل، ومن يخرج إلى بلد النوبة من المسلمين ويهدى إليه شئ فيقبل هديته ويكافئ عليه بالرفيق وغيره.
وأول الجنادل من بلد النوبة قرية تعرف بتقوى هى الساحل وإليها ينتهى مراكب النوبة
[ ١٨٨ ]
المصعدة من الأقصر وهى أول بلدهم ولا يتجاوزها أحد من المسلمين ولا من غيرهم إلا بإذن من صاحب الجبل ومعاملتهم إلى دون الجنادل مع المسلمين بالدراهم والدنانير وما فوق ذلك فلا بيع بينهم ولا شرا، وإنما هى معارضة بالرقيق والمواشى والجمال والحديد والحبوب ولا يطلقوا لأحد أن يتجاوز أرضهم إلا بإذن الملك صاحب الجبل ومن خالف ذلك كان جزاؤه القتل كاينا من كان من الناس وبهذا الأحتياط نيلته أخبارهم عن سائر الناس من الملوك وغيرهم.
وقيل أن حجر السنبادج الذى يحرط به الجوهر والبلخفش وغيره يوجد عندهم فى مواضع بأعلى النيل يغطسون عليه وأنه يشتبه عليهم مع الحجارة فيعرفونه بخسه باردا مخالفا للحجارة. ومن هذه القرية قرية تعرف بساى وهى جنادل انصنا وهى كرسى مملكتهم ولهم فيها أسقف وبرابى وهى سبع ولايات وفيها النحل والكروم والزيتون والقطن وغير ذلك من الزروع، وفيها قلعة تعرف باصطون وهى أول الجنادل الثالثة وهى أشد الجنادل صعوبة لأن فيها جبلا معترضا من الشرق إلى الغرب فى وسط النيل والماء ينصب منه من ثلاثة أبواب وما أخسر هناك الماء فيسمع له جزير عظيم عجيب المنظر لينحدر الماء من علو الجبل، فبالت ذلك حجارة مفروشة فى وسط النيل على نحو ثلاثة ابراد وآخر ذلك قرية تعرف يستو وهى آخر قرى مريسى وهو آخر عمل النوبة صاحب الجبل وتليها قرية تعرف بقون وما يرى أوسع من النيل هناك فإنه مسيرة خمس مراحل وفيه الجزائر والأنهار تجرى بينها، وفى تلك الجزاير عمائر حسنة وفيها المواشى والأنعام وهى كثيرة الطير والسمك وأكثر نزهة ملك النوبة صاحب الجبل فى هذه الجزاير.
وقال من رأى ذلك المكان أنه كثير الأشجار من الجانبين فيه خليجان ضيقة أكثرها بخاص وأن التمساح لا يضر هناك وأن بيوتهم يسقفونها بخشب الساج الذى يأتى به النيل فى وقت الزيادة اسقالات لا يدرى من أين يأتى به، وبين دنقلة إلى أول بلاد علوه أكثر مما بينها وبين أسوان وفيها القرى والضياع والجزاير والمواشى والنحل والشجر والزروع والكروم أضعاف ما فى الجانب الذى يلى أرض الإسلام.
ومن هذه المواضع طرق إلى سواكن وغيرها من البلاد وقد عبر فى ذلك الأماكن من نجا من بنى أمية عند هروبهم من القتل خوفا على أنفسهم وأقاموا هناك وصاروا من حملة أهلها.
***
[ ١٨٩ ]