أعلم أن النيل إذا انتهت زيادته فتحت منه خلجان وترع يتحرق الماء فيها يمينا وشمالا إلى البلاد البعيدة عن مجرى النيل، وأكثر الخلجان والترع والجسور والأخوار بالوجه البحرى.
وأما الوجه القبلى - وهى بلاد الصعيد فإن ذلك قليل فيه، وقد ذهبت معالمه ودرست رسومه من هناك.
والمشهور من الخلجان: خليج سخا ومنف والمنهى وأشموم طناح وسردوس والأسكندرية ودمياط والقاهرة وأبى المنجا والناصرى.
[ ١١٥ ]
قال ابن عبد الحكم عن أبى رهم السماعى قال: كانت مصر ذات قناطر وجسور بتقدير حتى أن الماء البحرى يجرى تحت منازلها وأفيتها فيحسبونه كيف شاءوا وذلك قول الله تعالى عما حكي عن قول فرعون ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي، أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (^١).
قيل لم يكن فى الأرض يومئذ ملك أعظم من ملك مصر، وكانت الجنات بحافتى النيل من أوله إلى آخره فى الجانبين جميعا - ما بين أسوان إلى رشيد وسبع خلجان متصلة لا ينقطع منها شئ عن شئ، والزرع ما بين الجبلين من أول مصر إلى آخرها مما يبلغه الماء.
وكان جميع أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا، لما قدروا وديروا من قناطرها وخلجانها وجسورها فذلك قوله ﷿ ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ (^٢) قيل المقام الكريم إن كان بها ألف منبر، وقيل المقام الكريم هو االقيوم.