قال الأصل فى جواز تتبع الدفائن ما ورده أبو عمرو بن عبد البر من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ: لما انصرف من الطائف، مر بقبر أبي رغال (^١) فقال هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف، كان إذا أهلك الله قوم صالح في الحرم فمنعه الله.
فلما خرج من الحرم رماه الله بقارعة وآية وذلك أنه دفن معه عمرو بن ذهب فابتدر المسلمون قبره واستخرجوا العمود منه.
ومن حديث عبد الله بن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر. فقال هذا قبر أبي رغال، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه، فابتدره الناس فأخرجوا العصا الذى كان معه.
_________________
(١) هو أبو رغال قسي بن منبه بن البنيت بن يقدم من بني إياد صاحب القبر الذى يرجم إلى اليوم بين مكة والطائف وهو جاهلى، اختلفوا في اسمه ونسبه ومنشأه مات نحو ٥٠ ق. م/ ٥٧٥ م.
[ ٦٠ ]
وبمصر كنوز يوسف ﵇ وكنوز الملوك من قبله، والملوك من بعده، لأنهم كانوا يكنزون ما يفضل من النفقات لنوائب الدهور وهو يقول الله ﷿ ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ﴾ (^١).
ويقال أن علم الكنوز في كنيسة القسطنطينية (^٢) نقلت إاليها من طليطلة (^٣) ويقال أن الروم لما خرجت من الشام ومصر اكنزت كثيرا من أموالها في مواضع أعدتها لذلك وكتب كتبا بأعلام مواضعها وطرق الوصول إليها، وأودعت هذه الكتب في مكان في كنيسة القسطنطينية ومنها يستفاد معرفة ذلك، وقيل أن الروم لم تكنز، وإنما ظفرت بكتب معالم من اليونانيين والكلدانيين والقبط لما خرجوا من مصر والشام وحملوا تلك الكتب معهم وجعلوها في الكنيسة وقيل أنه لا يعطوا من ذلك أحدآ شيئا حتى يخدم الكنيسة مدة طويلة فيدفع إليه ورقة تكون حظه.
قال المسعودى: ولمصر أخبار عجيبة من الدفائن والبنيان، وما يوجد في الدفائن من ذخائر الملوك التى استودعوها تحت الأرض وغيرها وقد أثبتنا جميع ذلك فى كتبنا فمن أخبارها ما ذكره يحيي بن بكير (^٤) قال: كان عبد العزيز بن مروان فأتاه رجل متنصح فسأله عن نصحه فقال: بالقبة الفلانية كثير عظيم.
قال عبد العزيز: وما مصداق ذلك؟ قال: هو أن يظهر لنا بلاط من المرمر عند يسير من الحفر ثم ينتهي بنا الحفر إلى باب من النحاس تحته عمود من الذهب على أعلاه ديك عيناه
_________________
(١) ٥٧ ك الشعراء: ٢٦.
(٢) ويقال قسطنطينية باسقاط ياء النسبة، قال ابن خرداذبه: كانت رومية دار ملك الروم وكان بها منهم تسعة عشر ملكا ونزل بعمورية منهم ملكان، وعمورية دون الخليج، وبينها وبين القسطنطينية ستون ميلا وملك بعدهما ملكان آخران برومية، ثم ملك أيضا برومية قسطنطين الأكبر ثم انتقل إلى نرنيطة وبنى عليها سورا وسماها قسطنطينية وهى دار ملكهم إلي اليوم واسمها استانبول. أنظر: معجم البلدان ٧/ ٨٦ - ٨٨.
(٣) بضم الطاءين وفتح اللام مدينة كبيرة ذات خصائص محمودة بالأندلس يتصل عملها بعمل وادى الحجارة من أعمال الأندلس.
(٤) هو يحيي بن أبي بكير واسمه نسر الأسدي القيسي أبو زكريا الكرماني كوفيء الأصل، روي عن جرير ابن عثمان وإبراهيم بن طهمان وإبراهيم بن نافع المكي وإسرائيل وزائدة وزهير بن محمد وزهير بن معاوية وشعبة وسفيان وأبى جعفر الرازي، ثقة مات سنة ٢٠٨ هـ.
[ ٦١ ]
ياقوتنا تساويان ملك الدنيا وجناحاه مضرحان بالياقوت والزمرد، ورأسه على صفائح من الذهب على ذلك العمود فأمر له عبد العزيز بنفقة لأجل من تحفر معه من الرجال، وكان هناك تل عظيم فاحتقروت حفيرة عظيمة فى الأرض والدلايل المقدم ذكرها من الرخام والمرمر تظهر وعبد العزيز حرصا على ذلك وأوسع فى النفقة وأكثر من الرجال ثم إنتهوا في حفرهم إلى ظهور رأس الديك، فبرق عند ظهوره لمعان عظيم لما فيه عينيه من الياقوت ثم بان جناحاه ثم بانت قوائمه وظهر حول العمود عمود من البنيان بأنواع الحجارة والرخام وقناطر مقنطرة وطاقات علي أبوابه معقودة ولاحت منها تماثيل وصور وأشخاص من أنواع صور الذهب واجران من الأحجار قد أطبق عليها أغطيتها وسبكت.
فركب عبد العزيز بن مروان حتي أشرف علي المواضع فنظر إلي ما ظهر من ذلك فتسرع بعضهم ووضع قدمه علي درجة من نحاس فينتهي إلي ما هنالك.
فلما استقرت قدمه علي المرقاة ظهر سيفان عاديات عن يمين الدرجة وشمالها، فالتقيا علي الرجل فلم يدر حتي جرته قطعا قطعا وهوي جسمه سفلا.
فلما استقر جسمه علي بعض الدرج اهتز العمود وصفر الديك صفيرا عجيبا أسمع من كان بالبعد من هناك وحرك جناحيه وظهرت من تحته أصوات عجيبة قد عملت بالكواكب والحركات وكان إذا ما وقع علي تلك الدرج شيء أو مسها شئ انقلبت، فتهاوي كل من هناك إلى أسفل في تلك الحفر وكان فيهما من يحفر ويعمل وينقل التراب وينظر ويحول ويأمر وينهى نحو ألف رجل فهلكوا جميعا، فخرج عبد العزيز وقال: هذا ردم عجيب الأمر ممنوع النيل، نعوذ [بالله] منه، وأمر جماعة من الناس فطرحوا ما خرجوا منها من التراب على من هلك من الناس فكان المواضع قبرا لهم.
قال المسعودى: وقد كان جماعة من أهل الدفائن والمطالب ومن قد اعتني وأغري بحفر الحفائر وطلب الكنوز وذخائر الملوك والأمم السالفة المستودعة بطن الأرض ببلاد مصر قد وقع إليهم كتابا ببعض الأقلام السالفة فيه ووصف موضع ببلاد مصر على أذرع يسيرة من بعض الأهرام بأن فيه مطليا عجيبا فأخبروا الأخشيد محمد بن طغج بذلك فأمرهم بحفره واستعمل الحيلة في إخراجه فحفروا حفرا عظيما إلى أن انتهوا إلى أزج وأقباء وحجارة مجوفة في صخر منقور فيه تماثيل قائمة على أرجلها من الخشب وهى صور مختلفة منها صور شيوخ وشبان ونساء وأطفال أعينهم من أنواع الجوهر كالياقوت والزمرد والفيروز، ومنها ماء وجوهها ذهب وفضة فكسر بعض تلك التماثيل فوجدوا في أجوافها دمما بالية وأجساما
[ ٦٢ ]
فانية، وإلي جانب كل التماثيل منها نوع من الأبنية كالبرابي وغيرها من المرمر والرخام وفيه من الطلاء الذى قد طلي منه ذلك الميت الموضوع في التماثيل الخشب، والطلاء دواء مسحوق وأخلاط معمولة لا رائحة لها. فجعل منها شيئا علي النار ففاح منه ريح طيبة مختلفة لا يعرف في نوع من الأنواع الطب، وقد جعل كل تمثال من الخشب علي صورة ما فيه من الناس علي أختلاف أشياء لهم ومقادير أعمالهم وتباين صورهم وبازاء كل تمثال تمثال من الحجر المرمر أو من الرخام الأخضر علي هيئة الصنم علي خشب عبادتهم للتماثيل والصور وعليها أنواع من الكتابات لم يقف أحد علي استخراجها من أهل المملكة، ورغم قوم من نوي الدراية أن لذلك القلم منذ فقد من أهل مصر نحو أربعة آلاف سنة.
وفيما ذكرناه دلالة أن هؤلاء ليسوا يهود ولا نصاري وكان في ذلك في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
وقد كان من سلف وخلف ممن ولاة مصر أحمد بن طولون وغيره، إلي هذا الوقت وهو سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة، لهم أخبار عجيبة فيما استخرج فى أيامهم من الدفائن والأموال والجواهر، وما أطيب في هذه المطالب من القبور وقد أثبتنا علي ذكرها فيما تقدم من هذا الكتاب. وركب أحمد بن طولون يوما إلى أهرام، فأتاه الحجاب يقوم عليها ثياب صوف ومعهم المساحي والمعاول فسألهم عما يعملون. فقالوا: نحن قوم نطلب المطالب. فقال لهم: لا تخرجوا إلا بمرسوم ورجل من قبلي فأخبروه أن في سميت الأهرام مطلبا قد عجزوا عنه فضم إليهم الراقفي، وتقدم إلى عامل الجيزة فى أعانتهم بالرجال والنفقات وانصرف، فأقاموا مدة يعملون فيه حتى ظهر لهم فركب أحمد ين طولون إليهم وهم يحفرون فكشفوا عن حوض مملوء دنانير، وعليه غطاء مكتوب عليه [بالبيزنطية] بقلمهم فأحضر فرأه فإذا فيه أيا فلان بن فلان الملك الذى ميز الذهب من غشه ودنسه، فمن أراد أن يعلم فضل ملكي علي ملكه، فلينظر إلي فضل عيار ديناري علي عيار ديناره، فإن تخلص الذهب من الغش كمخلصه في حياته وبعد وفاته.
فقال أحمد بن طولون: الحمد لله إن ما ينتهى عليه هذه الكتابة أحب إلي من المال، ثم أمر لكل من القوم المطالبية بمائتين دينار منه، ولكل من الصناع بخمسة دنانير بعد توفية أجرته وللرافض بثلاثمائة دينار منه ولنسيم الخادم بألف دينار، وحمل باقى الدنانير فوجدها أجود من كل عيار وتشدد من حينئذ في العيار بمصر حتي صار ديناره الذي عرف بالأحمدي أجود عيار وكان لا يطلي إلا به ..
***
[ ٦٣ ]